مثلث الرحمات المطران ملاتيوس قطيني الدمشقي

مثلث الرحمات المطران ملاتيوس قطيني الدمشقي

متروبوليت ماردين وديار بكر

 اسرته

وضع حجر الأساس لجمعية القديس غريغوريوس في الوسط رئي الحكومة السورية الشيخ تاج الدين الحسني والمطران زخريا الوكيل البطريركي يمينا ويسارا المطران قطيني
وضع حجر الأساس لجمعية القديس غريغوريوس في الوسط رئيس الحكومة السورية الشيخ تاج الدين الحسني والمطران زخريا الوكيل البطريركي يمينا ويسارا المطران قطيني

أصل أسرته من يونان كيليكيا في آسية الصغرى التي سلخها الأتراك بقيادة كمال اتاتورك عن سورية بمساعدة الحلفاء بين 1918- 1922

وقد وفدت إلى دمشق وفق المرويات على ما يبدو قبيل منتصف القرن19… وسكنت في” محلة الجوانية ” وهي مكان سكن الأرثوذكس الأغنياء خلف مدرسة الآسية وكان يقال عنها “حط المية فوق المية واسكن بالجوانية” ويُقصد بذلك ان ثمنها مرتفع بمعني حط مائة ليرة ذهبية فوق غيرها وهكذا، واسكن في محلة الجوانية وهي محلة مربعة داخلية وحصينة ومن الصعب الوصول اليها بسبب ضيق الحارات المؤدية اليها من جانب، ومن جانب آخر لكونها عبارة عن قصور دمشقية بديعة من جانب آخر….. وامتهن والده مهنة سدي الحرير التي كان يشتهر بها مسيحيو دمشق، وتزوج بفتاة أرثوذكسية دمشقية وفق العادة…

سيرته الذاتية

أما علمنا فقد ولد في دمشق في الثلث الأخير من القرن 19 وبكل أسف، ليس من ثبت دقيق لدينا لاعن سنة مولده ولاعن اسمه العلماني، ولا عن عدد إخوته من ذكور وإناث، ولكن ثمة إشارة إلى شقيقه الأكبر الثري عطا الله، المحسن الكبير لأعمال الكنيسة بدمشق، وخاصة وصيته ببناء كنيسة الصليب المقدس في القصاع والتي أقام شقيقه المطران منفذاً لها، والتي ليس من معلومة لدينا عن عدم تنفيذها…

كما انه ليس من صور شخصية او ضوئية لعلمنا سوى التي عثرت عليها في ارشيف جمعية القديس غريغوريوس الأرثوذكسية لتربية الأيتام ورعاية المسنين وكان ذلك في حفل وضع حجر الأساس لبناء دارها والميتم.ورغم حداثته، لم يرد أي خبرأو إشارة في كتب التاريخ الأنطاكي الحديث والمعاصر عنه، وتحديداً د. رستم “مؤرخ الكرسي الأنطاكي” كما تسكت الوثائق البطريركية إلا من إشارات، وردت في وثائق أبرشية ماردين وبغداد، توثق لجهاده في هذه الأبرشية الفقيرة والتعيسة، ولا أعلم سبب هذا التجاهل المستهجن، رغم وجوده لفترة طويلة كرئيس كخنة ومطران ابرشية كانت حية واندثرت  وعاش بعد اندثارها بين دمشق في دارالبطريركية، وبيروت… مع الاشارة الى ان مطران بيروت ايليا الصليبي كان يتضايق من وجوده في ابرشيته احياناً كما يثستشف من الوثائق البطريركية.

حياته الاكليريكية

درس علمنا كغيره من أبناء الرعية الأرثوذكسية في” المدرسة البطريركية الأرثوذكسية الدمشقية – الآسية”، ولما كان الوسط العائلي الذي نشأ فيه ممارساً للطقوس المسيحية الأرثوذكسية، وطبعاً كان الأمر ذاته يتم في المدرسة هذه، وكان فيها يتم التهيئة الأولى للاكليريكيين، لذا لفت انتباه إدارة المدرسة إلى هذا الإيمان المارس من قبل هذا الفتى ، فرشحته لدى الرئاسة الروحية للرهبنة، فأصبح برعاية البطريرك جراسيموس 1885 – 1891، وبعد إتمامه الدراسة الإعدادية في الآسية أوفده إلى مدرسة خالكي اللاهوتية الشهيرة التابعة للبطريركية المسكونية، حيث درس أولا لفترة اعدادية وتحضيرية في مدرسة “الجنس” والمخصصة للدارسين من الكراسي الأرثوذكسية الاخرى،(وفق المقرر الدراسي) والملحقة بالمعهد اللاهوتي “خالكي”، ثم وبعد إنهائه دراسته اللاهوتية في خالكي بنجاح عالٍ، عاد إلى دمشق ملتحقاً بالبطريرك اسبريدون 1891 – 1898 فرسمه أولاً شماساً إنجيليا، ومن ثم، تم تكليفه بأمانة سره(غبطته) لإتقانه العربية واليونانية والتركية والفرنسية.وكُلفَه أيضا بتدريس العلوم الروحية في الصفوف العالية في مدارس الآسية، ثم رسمه ارشيدياكوناً (كبير الشمامسة) وبعد فترة ارشمندريتاً كالعادة المتبعة في الكنيسة اليونانية. وتولى تدبير امور البطريركية، بصفة ايكونوموس ومدير داخلي وإداري فكان متميزاً في أدائه…

وعندما استقال معلمه البطريرك اسبريدون 1898، وتولى السدة الأنطاكية مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني الدمشقي، وكان يعرفه من دمشق، ويعرف غيرته على الكنيسة فكلفه بمتابعة مهامه، والتدريس في الآسية، وصار يكلفه أيضاً بمهمات خاصة لدى أولي الأمر في دمشق، لما عرف عنه من جرأة وروية، وحكمة وحنكة بالرغم من صغر سنه.

أسقفيته

وكانت وقتها قد شغرت أبرشية ماردين وديار بكر، وهي تقع في منطقة بعيدة في الشرق من آسية الصغرى في الجزيرة السورية العليا، باستنكاف مطرانها اليوناني عن الاعتراف بملاتيوس بطريركاً شرعياً (فقط لكونه عربياً مع مطراني حلب وأداسيس اليونانيين)، فانتخب المجمع الأنطاكي سلبسترس زرعوني مطراناً على هذه الأبرشية بما عرف عنه من علم وتقى وقناعة، وزهد بالمال وكان ذلك في 25 آذار 1900 وبقي راعيا لها إلى حين وفاته بتاريخ 11شباط 1907.

توفي البطريرك ملاتيوس مبكراً في شباط 1906، أي بعد 7 سنوات تقريباً على بطريركيته، فخلفه البطريرك غريغوريوس الرابع( 1906-1928) الذي كان خير خلف لخير سلف، وتابع خطاه في بناء الأبرشيات والمؤسسات البطريركية والأبرشية. حيث استمر علمنا متابعاً مهامه مع غبطته إلى حين شغور كرسي أبرشية ماردين بوفاة مطرانها سلبسترس زرعوني في 11شباط 1907.وكانت هذه الأبرشية تتميز بفقرها نتيجة قلة عدد رعيتهاالأرثوذكسية ( فالغلبة هم من الأرمن والسريان والآشوريين من اتباع الكنائس الشرقية اللاخلقيدونية) حيث بلغ عدد رعيه الأرثوذكسية زمن مطرانها سلبسترس، بما زاد قليلاً فقط عن الألف نسمة، وهم بالأصل فقراء، وغير قادرين على القيام بنفقات الراعي، فلا تؤدي له هذه الرعية أكثر من عشر ليرات ذهبية في السنة، وفي إحدى جولاته الرعوية (نوريته)، حصل وبعدما صرف العشر ذهبيات على الرعية، والمبلغ الذي كان يعطيه إياه البطريرك كمصروف شخصي، حصل على كيس من الفاصولياء اليابسة ومثله من الكشك، ومع ذلك فقد استطاع إنشاء مدرستين وباشر بعمار كنيسة القديس جاورجيوس في مدينة ماردين قاعدة أبرشيته…

وقع الاختيار على علمنا لما عُرف به من جلدٍ وتفانٍ في عمله، فانتخبه المجمع الأنطاكي المقدس مطرانا على أبرشية ماردين وديار بكر، التي كانت تشتمل على رعايا قليلة متناثرة في مناطق الأكراد، والموصل وصولاً إلى بغداد في وسط متشدد من الكنائس الأخرى من سريان وأرمن وآشوريين” قديم” وكاثوليك وجميعهم لم يرحبوا به، لا سيما وقد تبعه العديد من أبنائهم بفضل بشاشته وكرمه ووضعه أولادهم في مدرستيه مجاناً، وكان بفضل ما ادخره أثناء وجوده في دمشق ودراسته قبلاً ووضع أسرته وشقيقه عطا الله المادي الميسور، حقق إكمال بناء كنيسة القديس جاورجيوس الكاتدرائية ودار المطرانية، وان كانت بشكل بسيط، حيث كان يفضل ان ينفق موارد الأبرشية 10 ذهبيات، وما يخصصه له البطريرك على خدمة رعيته، وتطوير المدرستين. لذا عاش بدوره قحطاً كبيراً، زاده انتماء احد كهنة السريان (القديم) في الموصل وبغداد من آل قطان، مع عدد من ابناء رعيته السريانية إلى الكرسي الأنطاكي المقدس. وقد كلفه البطريرك غريغوريوس برعاية هذه الكنيسة الناشئة، ومساعدتها روحياً ومادياً. فسعى لدى القنصل الروسيمن اجل الدعم بأشكاله كافة. فحصل بمساعيه من الكنيسة الروسية على التجهيزات واللوازم الكنسية. وقدم هو من جيبه الخاص، ومما كان شقيقه عطا الله يمده به من دمشق بالمال، كأجرة البيت الذي جعله كنيسة في بغداد… وقد عانت هذه الكنيسة الناشئة وكاهنها الارشمندريت قطان من أذى شديد من مطران السريان، وفق الوثائق البطريركية، ومن والي بغداد العثماني، ومن قيادة الانتداب البريطاني بعد احتلاله العراق حيث قضي على هذه الكنيسة بمصادرة البيت وشق شارع فيه… وكان علمنا يبذل المساعي في كل الاتجاهات لحماية هذه الرعية الفقيرة بالرغم من شظف العيش ومضايقات الأتراك بعد طردهم من سورية، وخسارتهم الحرب العالمية الأولى عام 1918، فاستأذن العودة إلى دمشق، سيما وان معظم رعيته كانت قد انتهت تقريباً بسبب الاضطهاد والذبح الذي تم بأيدي الأكراد والأتراك منذ عام 1910 والتهجير… فوافق البطريرك وعاد إلى دمشق – البطريركية حيث أبقاه بتصرفه في دمشق وريفها كنائب بطريركي ولدى مطارنة الأبرشيات الأنطاكية والكراسي الأرثوذكسية الأخرى…

(وتشير إحدى الوثائق النادرة عن أبرشيته وتعود إلى عام 1928 وقد زارها للإطلاع على مصيرها حيث كتب متألماً عن شغورها تماماً من المسيحيين وكيف حول الأتراك والأكراد الكنائس إلى زرائب للحيوانات كعادتهم، وخاصة  مافعلوه في العصر المعاصر في قبرص المحتل قسمها الشمالي من تركيا… العام 1974)

ومنها تمثيله والمطران زخريا الوكيل البطريركي غبطته في احتفال جمعية القديس غريغوريوس الأرثوذكسية لتربية الأيتام بوضع حجر الأساس لمشروع بناء ميتمها ومقرها (الحالي) في بستان الصليب، بحضور رئيس مجلس الوزراء الشيخ تاج الدين الحسني الذي وضع حجر الأساس بيده، وبحضور أركان السلطتين السورية والمنتدبة والجمعيات والرعية الأرثوذكسية…وقد أسهم بتنفيذ وصية شقيقه عطا الله الذي كان قد توفي في بيروت عام 1922 وقد أوصى بوضع ممتلكاته في بنك تُعطى فائدتها بمعرفة شقيقه المطران ملاتيوس، وبعد وفاته تبنى بأصل المال مع ثمن بيته الكائن في القصاع كنيسة، وتم ذلك عام 1932 بتبرعه باسم شقيقه لبناء كنيسة الصليب (لكن لم تبن الكنيسة بماله الشخصي حيث بناها واكملها المحسن الكبير سابا صعبية بعدما كانت الرعية القصاعية قبلاً بجهود من جمعية القديس يوحنا الدمشقي التي كانت تتصدى لبناء المدرسة والكنيسة، او جمعية بناء الكنيسة التي شكلها البطريرك الكسندروس قد حفرت وانشات الأساسات وانتهى ماجمعته والرعية من مال) وكان علمنا ولراحة نفس شقيقه عطا الله قد تبرع قبلاً بمبلغ مالي مساهمة منه في بناء مقر جمعية القديس غريغوريوس حين وضع حجر الأساس لبناء الميتم والجمعية عام 1928.

وفاته

وفي منتصف الخمسينات، انتقل إلى بيروت، حيث عاش أواخر حياته وقيل انه عاش في دار المسنين المارونية في فرن الشباك حيث توفي ووري الثرى في مدافن الاكليروس بعد الصلاة عليه في كاتدرائية بيروت برئاسة مطران بيروت إيليا الصليبي في مدفن المطارنة…

صفاته

أتقن رحمه الله اللغات العربية والفرنسية والتركية واليونانية، مع معرفة بالسريانية والروسية والأرمنية والآشورية، وتمتع بالصوت الجميل وبإجادة الترتيل، واتصف بطيبة القلب، وبالحلم، وكبر النفس، والصبرعلى الشدائد، والمسامحة، وعدم رد الأذية التي لقيها من بعض اقرانه، عندما أقام في دمشق وبيروت…

مصادر البحث:

الوثائق البطريركية، مذكرات شفهية،ارشيف جمعية القديس غرغوريوس الارثوذكسية…

 

أضف تعليقاً