ركن المخطوطات البطريركية رحلة البطريرك مكاريوس ابن الزعيم الى روسيا

ركن المخطوطات البطريركية

رحلة البطريرك مكاريوس ابن الزعيم الى روسيا

يسرنا أن نضع أمام القارىء الكريم تحقيقا” لمخطوط من المخطوطات البطريركية المحفوظة في الدار البطريركية والتي سبق للبطريركية الأرثوذكسية الأنطاكية في دمشق ان اصدرت بها كشافا” عام 1988 وسبق لها ان اصدرت كشافين مماثلين بمخطوطات دير سيدة صيدنايا وكنيسة دير عطية .

مخطوط تاريخي
مخطوط تاريخي

أما مخطوطنا هذا فهو يحمل الرقم 189

وهو عبارة عن مجموع يضم 25 مخطوطاً صغيراً لعل أهمها “مقدمة رحلة البطريرك مكاريوس الحلبي (ابن الزعيم) الى روسيا” وهو الذي اخترناه للتحقيق، اذ أن البطريرك ابن الزعيم كان قد شغل، ولايزال، برحلتيه الشهيرتين في منتصف القرن السابع عشر المستشرقين والباحثين والمؤرخين من مختلف البلاد في القارات كافة، فنقلوا أخبارهاتين الرحلتين الى لغاتهم، وبعضهم سار في الطرق ذاتها التي سلكها في رحلتيه، وتتبعوا ماترك في المناطق التي زارها من اثار ومخطوطات وحازوا الدراسات العليا عنها .والبطريرك مكاريوس بن الزعيم – في نظرهم – أفضل مؤرخ قام في القرون الوسطى، جاهد جهاداً لايوصف في سبيل نشر الدين والعلم والفضيلة، وعانى في سبيل الاحسان، ورفع منارة الأرثوذكسية وتدوين تاريخها – في عصر مظلم عاشه الكرسي الأنطاكي المقدس ورعاياه – مالم يعانيه غيره أبدا”.(1)هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لأن صاحب المخطوط 189هو المحسن الكبير ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي، المناضل الأرثوذكسي الدمشقي في سبيل الكرسي الأنطاكي ورفعته وتعريب سدته، وقد قارب القديسين الأنطاكيين الأوائل، وكان قد وقف قبيل وفاته كل مكتبته الضخمة بمخطوطاتها ووثائقها الى البطريركية بدمشق، اضافة الى وقفه نصف ايقوناته الى الكاتدرائية المريمية بدمشق، حيث تشكل حالياً قسماً كبيراً من ايقوناتها. والنصف الآخر الى دير سيدة حماطورا في أبرشية طرابلس حيث أمضى مابقي من عمره متشبهاً برهبانه وتوفي ودفن فيه في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين.(2 )

وصف المخطوط 189

يبلغ عدد صفحاته الكلي 245 صفحة وعدد موضوعاته 25 موضوعاً، عدد صفحات الموضوع الأول الذي نحن بصدده 27 صفحة، في كل منها 18 سطراً، كُتبت بخط (مقرؤ) نسخي بسيط، أما الورق فهو متباين النوعية والأبعاد، حسب كل موضوع، مايدل على جمع الموضوعات/ بعد كتابتها/ ثم تغليفه بوضعه الراهن. لون الورق اجمالاً يميل الى الأصفر، أما الغلاف الخارجي فهو من الجلد الأسود ووضعه مقبول.

صفحة الغلاف الداخلي فعليها بخط صاحب المخطوط السيد ديمتري شحادة الكتابة التالية:”مقدمة كتاب رحلة البطريرك الأنطاكي(3) كير مكاريوس الحلبي الى روسيا عن طريق القسطنطينية والفلاخ والبغدان المسماة الآن مملكة رومانية.” “قسطنطينية سنة 1888هدية قدس الأب الأرشمندريتي كير خريستوفورس جبارة الدمشقي ريس امطوش الكرسي الأنطاكي في مدينة موسكا نسخه قدسه عن نسخة موجودة في مكتبة دايرة الادارة الروحية هناك الى الفقير ديمتري نقولا شحادة الدمشقي.”

فاتحة الكتاب (المقدمة)

“بسم الآب والابن والروح القدس آمين

كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا
كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا

الحمد لله الذي زين السماء بغير عماد (أعمدة).وبسط الأرض ووضعها لسكنى العباد. وأنمى بني آدم فصاروا أمماً لايضبطها قط أعداد. وتكاثروا فيها وعمروا القرى والمدن والبلاد في كل اقليم منها وناحية وجانب في القبلة (الجنوب) والشمال والمشارق والمغارب. حمداً يليق بربوبيته وينبغي لألوهيته، نقدمه اليه أبدا في كل آن ومكان، الأن ودايما (دائما) مدى سائر الازمان .

أما بعد فأقول أنا العبد الفقير. وأحوج الناس الى رحمة ربي الله القدير. بإسم بولص الأرشيدياكون الأرثوذكسي الحلبي. أني اذ كنت ابناً طبيعياً للأب المفضال الأقدسي المفخمي الكريمي (الأقدس المفخم الكريم) كير كيريو(4) مكاريوس البطريرك

البطريرك مكاريوس ابن الزعيم
البطريرك مكاريوس ابن الزعيم

الأنطاكي ابن المرحوم الخوري بولص ابن الخوري عبد المسيح البروطس المشهور ببيت الزعيمي(الزعيم).وقد ربيت معه بالألفة المتصلة به جداً، ولم يلذ لي قط الفة غيره أصلاً.اذ أنه من حين فطامي عن الرضاع بانتقال أمي، عانى التعب في. (تعب بتربيتي بعد وفاة أمي)، ولم يكن لي سواه كاشفاً لغمي. فكنت أقتات بغذاء أقواله المحيية. شارباًعلى الدوام من ماء تعاليمه العذبة المروية. تابعاً له في كل أمر، وحيثما كان بغير افتراق مثابراً صحبته حيناً فحيناً بغيرعواق(مثابراً على صحبته تدريجياً بدون تأخير). وغب (بعد) ما انتدب سابقاً وصار في حلب مطراناً اثني عشرعاماً، وبعدما ارتقى الى كرسي البطركية (البطريركية) الأنطاكي البطرسي الشريف المقام (شريف المقام).الذي كان مرتبط يومئذ في مدينة دمشق الشام (المقر البطريركي) فما لبث مدبراً له سائساً أحواله برأيه السديد وعزمه الرشيد الى أن قادته يد القدرة (الالهية) الى طواف أقاصي البلاد والقرى والجزائر(الجزر).لامتفرجاً متنزهاً، ولازائراً بل مضطراً من شدة ضيق الوقت واعساره ،مبعوثاً لذلك رغماً (عنه)لا باختياره.

وذلك لما تضاعفت الديون التي على الكرسي المذكور، المتخلفة (الموروثة) منذ حياة المرحوم البطريرك كير افتيموس الساقزي(5) المشهور. وقد ربت بربا الفوائد الكثيرة (ازدادت الديون بسبب الفوائد الباهظة المتراكمة). مالم يقدر أبناء نوريته (رعيته الذين يقدمون للبطريركية من دخل مواسمهم الزراعية) على وفائها اذ صارت غزيرة(كبيرة).

فتحير حينئذ لذلك وقلق ضجراً من هذا الضر(الضرر)، وتلهف راغباً للنجاة من هذا الأسر المر(بحث عن وسيلة لوفاء هذه الديون التي أثقلت كاهله). فلم يجد له عند ذلك وسيلة. ولانجدة من أحد أصلاً ولاحيلة (لم يساعده أحد اماعلناً اوسراً) حتى شمر ساق الكد (عن ساعد الجد) وركب جواد الجهد والجد، وقصد التوجه والمسير نحو المنهج الخطير العسير قاطعاً السُبل الصعبة. قاصداً المناهل العذبة، بل البحار العظام الزاخرة، أعني بهم أولي الفضائل السنية والخلال الفاخرة. غياث الطالبين وكنز الراغبين. وهم الملوك المؤيدون المنصورون والأمراء والباكاوات (ج.بيك)المبرورون. الذين بالديانة المحقة والأمانة الصادقة مشهورون أدام الله دولتهم، وخلد سلطتهم وثبت لوجودهم (وجودهم)وأيد في أفق العلاء ابراج سعودهم (ج. برج سعده) ليستمد من غزير فضلهم واحسانهم. مايوفي به مطالب دينه (الديون المترتبة عليه). ويساعده على القيام بتأييد دينه (سداده) لأساهمه (لأشاركه) في تعب ومشقة السفر والطريق فتجهزنا بعون الله وهممنا بالسفر. وساعتئذ رغب الي اذ ذاك من كان حضر. وهو أحد خلاني وأحبتي، الصادق يقيناً في ودي ومحبتي وهو الأخ المكرم، والأديب الفاضل المفخم فريد عصره وأوانه، ووحيد قرنه وزمانه، أعني به الشماس جبرائيل ابن المرحوم الخوري قسطنطين الصائغ، ذا الكمال البالغ والفضل السابغ والعلم الفائق، والأدب الحاذق. أن أجمع تاريخاً يتضمن حال مسيرنا وذهابنا. يوماً فيوماً كل مدة غيابنا وأصف محرراً (كاتبا”)جملة أمور البلاد التي نجوزها (أحوال البلاد التي نجتازها). ليتحقق عند الكافة ما يسمع عنها من اشارات الأحاديث ورموزها .(ليتأكد الكل ممايسمعونه عن هذه البلاد من اشاعات).

فاعتذرت اليه (منه) بأني لست كفؤً لهذه الصناعة (المهمة).سيما وأنا معوز مما يناسبها من البضاعة (لاسيما وأنا مفتقرلما تحتاجه من كفاءة)من ترتيب نسق الأقوال واعراب الكلام. وحسن ترتيب الألفاظ كأهل هذا الفن السادة الكرام (كالمؤرخين والموثقين).

وسألته ان يعفيني مما لايستطاع اذ نحن سائرون بكد واسراع فلم يقبل مني هذا الاعتذار وألح علي بالمطلوب وواظب التكرار فانهزت حينئذ همتي الفاترة (تحفزت) ومددت للمقصود يدي القاصرة، لا لكي أنتظم في جريدة المؤرخين (سجل المؤرخين). ولكني ابتغيت اثبات أمور كثيرة كانت تنكر على الناقلين ولم يكن أحد يصدقها، بل يظن ان كاتبها وناقلها لغوً ينمقها (يبتدعها كتابة بدون اثبات) الى أن تحققت ما بالنظر شاهدته وسماعاً صحيحاً سمعته. وثبت عندي صحته لابعضه بل كله وجملته (جملة وتفصيلاً). أي ان ما لاحظته هو رؤية الحس والعين (ماأحسسته وشاهدته بعيني) حين ذهبنا الى بلاد المسيحيين وانفتح لنا سائر ما سنذكره (كل ماسنذكره)ونفنده(نتحقق منه) ونسطره (نكتبه). أعني كل ماثبت عندنا (كل ماثبت لدينا) في مسافة الطريق مدة بعادنا (غيابنا) واقامتناهناك الى أن عدنا الى بلادنا. اذ كان هذا دأبي منذ صغري (اهتمامي) اقتناءالتواريخ ومطالعتها، وطالما أجلت فيها نظري. فأجهدت نفسي حسب مقدرتي (بذلت جهدي) وجمعت ماتيسر لي من البضاعة (المواد). مبالغاً في ذلك كما يقال حسب القوة والاستطاعة، راجياً به أن يكون نزهة للناظر ومنزها للخاطر (متنزهاً) ليسبح الباري تعالى من كل من يسمعه ويقرأه. اذا فهم ماذخر فيه (احتواه) من الأوصاف والأحاديث المشتهاة. وليحصل للمسيحيين منه جم الفؤاد (اسعاد الفؤاد).

عند سماعهم ماعند أولئك المؤمنين من شريف العوائد .ومواظبتهم لحسن العبادة بأوفر مثابرة واقتفاء اتقان الصوم واصلوات المتواترة وصحيح الأمانة وصالح السيرة ونقاوة النية والضمير والسريرة واخلاص الطوية نأعني ماسنصفه فيما بعد ونوضحه . وهو ماقد رأيناه عيانا”ونشرحه .الا أنني أحببت أن أجعل في أوله تشريفاً له.ذكر بطاركة أنطاكية المتأخرين في الزمان، الذين صاروا في مدينة دمشق منذ سالف الوقت الى الأن. فنطلب التوفيق والاعانة من الباري تعالى جل شأنه.

نبتدىء اولاً بارشاده تعالى ذو الفضل التام، بالبحث عن سبب كيان البطركية الأنطاكية في مدينة دمشق الشام. وذلك أنه لما انتدب سندي وسيدي، أعني حضرة الأب الكلي القداسة والدي بطريركاً على المدينة المذكورة، كما سيأتي ذكر ذلك مفصلاً بالاخبار المشهورة. أخذت أفتقد كل كتب قلاية (6) البطركية وماهو في بيوت أعيان الملة المسيحية لأجد سبب انتقال البطركية من مدينة الله العظمى (7) أنطاكية الى مدينة دمشق المحمية. فلم أبلغ بغيتي ولانلت مشيئتي، فعدت حينئذ الى الفحص في التواريخ القديمة (البحث في المراجع التاريخية) ملتمساً القصد والأرب، وماهو الباعث الى ذلك والسبب الى أن ظهر لي مافعله الملك الظاهر بيبرس البندقداري، سلطان مصر المشهور لما أن قصد أنطاكية في سنة ستة وستين وستمائة للهجرة(1268م). كما هوفي التواريخ مسطورعلى حين غفلة من اهلها، لأنه جاء من مصر بصفة أولا اليها.(فاتح اومحرر). ونزل عليها غرة شهر رمضان.(فخرج اليه جماعة من أهلها يطلبون الأمان وشرطوا شروطاً لم يجب اليها…).

حواشي البحث

(1) انظر سيرته الذاتية في كتابنا ” الآسية مسيرة قرن ونصف” دمشق 1991 اصدار بطريركية الروم الأرثوذكس

(2) أنظره في العدد/3/لعام 1993 النشرة البطريركية (أعلام ارثوذكسيون)

(3) دونها ابنه الأرشيدياكون(كبير الشمامسة)بولس بن مكاريوس ابن الزعيم .

(4) دعاء بالحفظ من الله وهي باليونانية .

(5) كانت مدة بطريركيته من1631-1647وكان عالما”ومصور ايقونات.

(6) القلاية تعني منسك الراهب وهي هنا الدار البطريركية.

(7) التسمية الكنسية المقررة في المجامع المسكونية.


أضف تعليقاً