تنصير السلاف

تنصير السلاف

في عام 863اتجه قديسان بيزنطيان وأصلهما من سالونيك هما الشقيقان كيرلس وميثوديوس نحو شمال الأمبراطورية البيزنطية ليقوما بعمل تبشيري خارج حدود الأمبراطورية وأدّتْ جهودهما في النهاية إلى تنصير بلغاريا وبلاد الصرب وروسيا ورومانية، حيث أصبحت من الشعوب الأرثوذكسية التي لعبت دوراً رئيساً في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة.

ايقونة بلغارية تعود الى قرون المسيحية الولى في بلغاريا
ايقونة بلغارية تعود الى قرون المسيحية الولى في بلغاريا

خاصة في المرحلة التي تلت استشهاد القسطنطينية عام 1453 على يد أقوى سلاطين بني عثمان ( محمد الفاتح)[وقد لقب بالفاتح لأنه استطاع فتحها اذ تعد من أقوى المعاقل الحربية في العالم وقتئذ]. بعد ان ظلت هذه المدينة (رومة الثانية) حامية للإيمان الأرثوذكسي، وعاصة للمجد البيزنطي( الرومي) مدة 10 قرون زاهية.

كيف تم هذا العمل المجيد؟

شَهِدَ منتصف القرن 9 بالنسبة للقسطنطينية فترة من النشاط التبشيري الحاد بعد الإنتصار الأرثوذكسي المبين على محاربي الأيقونات. فوجهت قوتها نحو الشعوب السلافية لدعوتها إلى الإيمان القويم ” الأرثوذكسية”.

كانت هذه الشعوب تقيم بمحاذاة الحدود الشمالية والشمالية الغربية للأمبراطورية البيزنطية. وهي شعوب الورافيين والبلغار والصرب والروس. وكان البطريرك المسكوني العظيم فوتيوس متربعاً على سدة البطريركية القسطنطينية وهو الذي أعد العدة على نطاق واسع لهذا النشاط التبشيري، ومن أجل ذلك وقع اختياره على شقيقين يونانيين من سالونيك كانا من خيرة تلاميذه هما قسطنطين (826 – 869 )وميثوديوس(815 -885) وكان قسطنطين قد اتخذ تسمية كيرلس عندما أصبح راهباً. وكان قد عُرف في مطلع حياته وبالرغم من صغر سنه ( بقسطنطين الفيلسوف). وكان من أكثر تلاميذ البطريرك فوتيوس كفاءة. فقد اتقن العديد من اللغات الأجنبية من بينها العربية والعبريةوحتى اللغة السامرية المحكية (لغة أهل السامرة في فلسطين) وكان وشقيقه مثوديوس يكلمان اللغة السلافية بطلاقة وقد تعلماها في طفوليتهما من السلافيين الذين كانوا يعملون في ضواحي تسالونيكية.

القديسان كيرلس ومتوديوس
القديسان كيرلس ومتوديوس

بدأت أول رحلة تبشيرية لهما عام 860 بزيارة قصيرة إلى بلاد الخزر في شمال القفقاس لكن رحلتهما هذه لم تؤد الى نتيجة مقبولة إذان الخزر اعتنقوا اليهودية بعد ذلك بفترة قصيرة.

وفي عام 863 أي بعد ثلاث سنوات بدأ نشاطهما الفعلي في تنام مستمر حين قصدا مورافيا ( تشيكيا وسلوفاكيا اليوم )تلبية لنداء أميرها ( روستسلاف )الذي طلب من البطريرك المسكوني فوتيوس مبشرين من ذوي الكفاءة لإلقاء العظات وإقامة الخدم الروحية بلغة بلاده.

لذلك كان لابد من ايجاد ترجمة سلافية للكتاب المقدس والكتب الطقسية، وكانا قد شرعا قبل سفرهما إلى مورافيا في ترجمتها ووضعا لهذه الغاية أبجدية خاصة وأنجزا الترجمة باللغة السلافية التي عرفاها في طفولتيهما، أي اللهجة المقدونية الخاصة بسلافيي منطقة تسالونيكية. وهكذا أصبحت هذه اللغة المحكية اللغة السلافونية الكنسية المعتمدة حتى اليوم في الكنائس الروسية، وبعض الكنائس الأرثوذكسية الأخرى.

ومن هنا تتبدى وتظهر فرادة الكنيسة الأرثوذكسية التي اتبعت منذ البداية إقامة الخدم الروحية بلغة الشعب.

في عملهما التبشيري في مورافيا، وكما في بلغاريا. اصطدم الشقيقان والمبشرون اليونان في بلغاريا بالمبشرين الجرمان التابعين لكنيسة روما اللاتينية. وكان الشقيقان وكما سلف القول/ يبشران بلغة السلافيين، وعلما دستور الإيمان في صيغته الأصلية، بينما اعتمد المبشرون الجرمان في تبشيرهم اللغة اللاتينية إضافة الى استخدامهم زيادة” والإبن” في دستور الإيمان، هذه الزيادة التي أضحت من أسباب الإنشقاق الكبير1054 وكانت تسمى (الفيليوكفي)( وبالروح القدس الرب المحي المنبثق من الآب “والإبن”)وهذا مخالف لروح دستور الإيمان النيقاوي – القسطنطيني ونصه الصريح. وبالرغم من الصراع الدائر بين البطريرك المسكوني فوتيوس والبابا نيقولاوس الأول إلا أن الخلاف لم يصل وقتئذ الى حد القطيعة الكاملة أو الإنشقاق الكامل لأن فوتيوس ونيقولاوس كانا على درجة عظيمة من القداسة والورع والخوف على وحدة الكنيسة الجامعة.

القديسان كيرلس ومتوديوس منصرا السلاف وقد كتبا اللغة السلافونية المحكية بعدما وضعا لها ابجدية لتعليم السلاف بلغتهم
القديسان كيرلس ومتوديوس منصرا السلاف وقد كتبا اللغة السلافونية المحكية بعدما وضعا لها ابجدية لتعليم السلاف بلغتهم

لذلك بادر كيرلس للجوء إلى نيقولاوس، ووضع بعثته في مورافيا تحت تصرفه ليضمن عدم تدخل المبشرين الجرمان في عمله التبشيري ووُفقَ في ذلك.

وفي عام 868 قصد الشقيقان رومة بعهد البابا أدريانوس الثاني، الذي لم يكن متعاطفاً مع المبشرين الجرمان، لذلك أبدى مساندة كاملة للبعثة اليونانية، وكّرّسّ استعمال اللغة السلافية لغة ليتورجية في مورافيا. وكذلك وافق على ترجماتها، وأودع نسخاً من الكتب الطقسية السلافية على مذابح الكنائس الرئيسة في المنطقة/ مورافيا.

وبعد سنة واحدة في عام 869 توفي كيرلس في رومة وعاد شقيقه مثوديوس وحده الى مورافيا، وبكل أسف، لم يكترث الجرمان أبداً لقرارات البابا، وأعاقوا بكل قواهم نشاطات مثوديوس، لدرجة أنهم سجنوه مدة تزيد على السنة، وبوفاته عام 885 طردوا تلاميذه وباعوا بعضهم رقيقاً. وظلت آثارالبعثة السلافية مستمرة نحو قرنين في مورافيا لتُمحى بعدها وترجح كفة الثقافة واللغة اللاتينية وزيادة الإبن في دستور الإيمان، ولم يتم تحقيق أمل كيرلس ومثوديوس في إنشاء كنيسة وطنية سلافية في مورافيا.

تبشير البلغار

احد اهم رموز الكنيسة البلغارية الأرثوذكسية البطريرك أفتيموس ترفونسكي
احد اهم رموز الكنيسة البلغارية الأرثوذكسية البطريرك أفتيموس ترفونسكي

في ذلك الوقت الموافق لتبشيرمورافيا، كان المبشرون البيزنطيون في صراع قوي مع المبشرين الجرمان على أرض بلغاريا، لكن سلبية الأمر أ، لغتي التبشير المعتمدتين من البيزنطيين ومن الجرمان أي اليونانية واللاتينية كانتا غريبتين على الشعب البلغاري.

لم تكن لدى المببشرين اليونان الرؤية الدقيقة التي كانت للأخوين كيرلس وميثوديوس باعتماد اللغة المحلية، علماً بأن ” بوريس” خان البلغار اتجه الى القسطنطينية ووضع شعبه بتصرف سلطة القسطنطينية الكنسية مختاراً.

القديسان الشقيقان كيرلس ومتوديوس مبشرا البلغار... خان البلغار بوريس يبدي خضوعه المطلق
القديسان الشقيقان كيرلس ومتوديوس مبشرا البلغار… خان البلغار بوريس يبدي خضوعه المطلق

وحينما طُرد تلاميذ مثوديوس من مورافيا لجؤوا الى بلغاريا ونقلوا اليها المبادىء التبشيرية التي استخدموها من قبل فأدخلوا اللغة السلافية عوض اليونانية، وقدموا للبلغار الثقافة الدينية البيزنطية بلغتهم فاستطاع هؤلاء استيعابها بسهولة وتوسعت الكنيسة البلغارية بسرعة بحيث أُنشئت بطريركية بلغارية مستقلة سنة 924 وحصلت على اعتراف القسطنطينية عام 945 وهكذا تحقق حلم زعيم البلغار بوريس في إقامة كنيسة مستقلة بعد وفاته بنصف قرن وكانت بلغاريا أول البلدان السلافية الذي فيه نشأت كنيسة وطنية.

تبشير الصرب

القديسان كيرلس ومتوديوس في التراث الأيقونوغرافي الصربي
القديسان كيرلس ومتوديوس في التراث الأيقونوغرافي الصربي

قصد تلاميذ آخرون لمثوديوس بلاد الصرب، حيث كان الأمير موتيمير قد اعتنق المسيحية في نهاية القرن التاسع. وبعد فترة من التردد حذت بلاد الصرب حذو بلغاريا في اختيار سلطة القسطنطينية وأُدخلت الكتب الطقسية السلافونية إلى هناك أيضاً، ومعها نمت الثقافة السلافية البيزنطية وقد حظيت كنيسة الصرب باستقلال جزئي في عهد القديس سابا ( قديس صربي )( 1176 – 1235) الذي رُسم رئيساً لأساقفتها في نيقية سنة 1219 وتحولت اى بطريركية مستقلة عام1346 وحصلت على اعتراف القسطنطينية عام 1375.

كاتدرائية صوفيا  الأرثوذكسية
كاتدرائية صوفيا الأرثوذكسية

تبشير روسيا

اما تنصير الروس فلا شك أنه ارتبط أيضاً بصورة غير مباشرة بنشاط كيرلس ومثوديوس. لذلك يحق لهما حمل لقب رسوليّ السلافيين.( انظر: صفحة مضيئة من تاريخ الكنيسة في روسيا، في موقعنا هنا)

تبشير رومانيا

رومانية من بلاد البقان إلا ان شعبها ينتمي لأصول لاتينية، وقد اعتنق المسيحية قبل القرن 9، وأخذ الكثيرمن الكنائس السلافية المجاورة لرومانيا بدون الرجوع عن ثقافته اللاتينية الأصلية، والدليل على ذلك وجود مفردات رومانية كنسية ممتزجة بالسلافونية مع هيمنة لاتينية واضحة.

مما يلاحظ في تبشير السلاف من قبل بيزنطة

الايمان الأرثوذكسي الصربي
الايمان الأرثوذكسي الصربي

إن اليونانيين أتوا بالعقيدة والحضارة بلغة وعقلية جعلتهما سهلتي المنال من السلافيين الذين تبنوهما كلياً.وبذلك تكمن الأهمية البالغة لترجمات كيرلس ومثوديوس. وعلى الرغم من أن الثقافة البيزنطية والعقيدة الأرثوذكسية اقتصرتا في البداية على الطبقات الحاكمة وأثرياء القوم إلا أنهما سرعان ماأصبحتا بصورة تدريجية جزءاً من الحياة اليومية لجميع أفراد الشعوب السلافية. وزاد من توطيد العلاقات بين الكنيسة والشعب إنشاء كنائس وطنية مستقلة.إن أهم ميزة عند السلاف أنهم مزجوا بين الكنيسة الأرثوذكسية ووطنيتهم وأصبحت جذورهم مرتبطة ارتباطاً لاتنفصم عراه بالأرثوذكسية فهي ديانة شعبية بكل معنى الكلمة. إن ه1ه الميزة ليست حصراً بالسلاف بل يتمتع بها أبناء الكنيسة الأرثوذكسية في أي مكان وخصوصاً في شرقنا وبالتحديد أبناء الكرسي الأنطاكي المقدس.

العلاقات مع الكرسي الأنطاكي المقدس

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

الكنيسة الأرثوذكسية عائلة من الكنائس التي تحكم نفسها وتستمد وحدتها لا من منظمة مركزية، ولا من سلطة حَبْرٍ له على المجموع صلاحية مطلقة، بل من صلة مزدوجة من الوحدة في العقيدة، والمشاركة في الأسرار. وكل كنيسة مع كونها مستقلة متفقة تمام الإتفاق مع سائر الكنائس الأخرى حول كافة مسائل العقيدة وتوجد فيما بينها مشاركة في الأسرار، وليس في الكنيسة الأرثوذكسية مركزية مماثلة لمركزية الكنيسة الكاثوليكية. وإن كان البطريرك المسكوني يحتل مرتبة شرف بين الكنائس الأرثوذكسية بدون أن يمنحه ذلك حق التدخل في شؤونها الداخلية.

شارة الأرثوذكسيالشارة الأرثوذكسية النسر البيزنطي ذي الرأسين
الشارة الأرثوذكسية
النسر البيزنطي ذي الرأسين

من هذا الواقع المتجذر فإن العلاقات بين أفراد هذه العائلة تأخذ طابعاً أخوياً سلامياً يبدأ برسائل سلامية يرسلها بطريرك، أو رئيس كنيسة أرثوذكسية إلى أشقائه بطاركة ورؤساء الكنائس الأرثوذكسية الأخرى معلناً صيرورته بنعمة الله بطريركاً ويلي ذلك رفع اسمه في الذبتيخا (الكأس المشتركة) في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة.

وقد كان لأنطاكية دور مرموق، ومركز محترم، لدى زعماء الشعوب السلافية، وكنائسها، لأن أنطاكية كرسي رسولي أسسه هامتا الرسل الرسولان بطرس وبولس، وهذا مصدر فخر، كما أنها تلت أورشليم أم الكنائس في قدمية التأسيس وتفاخر بأن مسيحييها تسموا بهذه التسمية الشريفة، أولاً وقبل أي مكان آخر في العالم. وكثيراً ما لعب البطاركة الأنطاكيون أدواراً مهمة في حياة السلافيين وكنائسهم الأرثوذكسية بطلب من هذه الشعوب، فالبطريرك الأنطاكي يواكيم الخامس لعب دوراً رئيساً في اعتراف القسطنطينية ببطريركية روسية في المجمع الأرثوذكسي الذي عُقد عام 1590 في القسطنطينية. وكان قبلاً قد زار روثينية عام 1587 ونظر في شؤون كنيستها، وأسس فيها رهبانية، ونهى الكهنة عن الزواج بعد وفاة زوجاتهم، وزار مولدافيا في نفس العام، وأهدى أسقفها جاورجيوس أيقونة لاتزال محفوظة في دير سوكيفيثية. وكذلك البطريرك كيرلس ابن الدباس قام بزيارة الى بلاد الفلاخ والبغدان ( رومانية) حوالي 1624 ومعه رسائل توصية من البطريرك الإسكندري إلى أكابر تلك البلاد فأكرموه.

البطريرك مكاريوس ابن الزعيم
البطريرك مكاريوس ابن الزعيم

أما البطريرك مكاريوس ابن الزعيم، فهو غني عن التعريف، ويعكف كبار الباحثين في الشرق والغرب على دراسة سيرته، فقد قام برحلتين شهيرتين إلى بلاد البلقان وروسية كانت الأولى من عام 1652 – 1659 لطلب المساعدات المالية لوفاء ديون الكرسي الأنطاكي، إذ أن أمراء رومانية كانوا قد أوفوا ديون الكراسي الأرثوذكسية الأخرى (القسطنطينية، الإسكندرية، وأورشليم) بسبب حكم عثماني مشحون بالمظالم والإضطهادات، وشتى أنواع المضايقات والابتزاز، أفقر هذه الكراسي ورعاياها. وقد سبقت رحلة البطريرك مكاريوس هذه دعوة له من باسيلي بك أميرالبغدان لزيارة بلاده، حيث حل ضيفاً على بلاده مدة قاربت السنتين، ثم تابع إلى روسيا وحقق الغاية من سفرته وعاد ومعه ما أوفى قسماً عظيماً من الديون، وأعاد المدرسة البطريركية الدمشقية (الآسية) إلى عزها ومجدها. أما السفرة الثانية فكانت من عام 1666 – 1669 وبدعوة من القيصر الروسي الكسيس لتنظيم العلاقة بين البطريرك الروسي والحكم، حيث عُقد مجمع أرثوذكسي بحضور البطاركة الأرثوذكس، وتم بموجبه ترتيب العلاقات بين الكنيسة والدولة في روسيا. أما أول مطبعة عربية دخلت الشرق العربي فكانت هدية الأمير الحسن العبادة قسطنطين أمير الفلاخ والبغدان (رومانية) عام 1700 وقد أهداها للبطريرك الأنطاكي أثناسيوس الرابع (الدباس)الذي زاره وكان قد أمر بصنعها مع حروف عربية لطباعة كتب الصلوات العربية وأحضرها البطريرك معه حال عودته إلى حلب ثم نقلها الى دير البلمند،

دير سيدة البلمند البطريركي
دير سيدة البلمند البطريركي

وما لبثت أن نقلت إلى دير مار يوحنا الشوير الكاثوليكي مع من أمه من الرهبان الموالين لرومه ومنهم الشماس الحلبي عبد الله الزاخر الذي كان عارف بالطباعة ويتولى هذه المطبعة.

وفي عام 1872 عندما قرر مجمع القسطنطينية الذي ضم القسطنطيني والإسكندري والأنطاكي ورئيس أساقفة قبرص قطع الشركة مع الكنيسة البلغارية واعتبار أكسرخوس البلغار أنثيموس وأتباعه من الأساقفة والكهنة من المشاقين (أقرب للهراطقة) بتهمة التعصب للجنس البلغاري، والتحرر من سلطة القسطنطينية. اجتمع مطارنة الكرسي الأنطاكي المقدس في بيروت برئاسة مطران اللاذقية ملا تيوس الدوماني الدمشقي، وأقاموا الحجة على بطريركهم ايروثيوس (يوناني) وأيدوا الموقف البلغاري. كما تضامنوا مع البطريرك الأورشليمي كيرلس (يوناني) الذي رفض قطع الشركة مع البلغار، فعزلته أخوية القبر المقدس اليونانية المقدسية عن كرسي البطريركية. وكان بعض أمراء السلاف والفلاخ والبغدان، قد أوقفوا عقارات وأديرة في بلادهم لصالح الكرسي الأنطاكي صادرتها الحكومات الشيوعية في القرن 20.

الكنائس السلافية في الوقت الحاضر

كنيسة القديس باسيليوس المغبوط في موسكو
كنيسة القديس باسيليوس المغبوط في موسكو

سواء في الاتحاد السوفيتي أو رومانية أو يوغوسلافية وغيرها أي في دول المعسكر الاشتراكي (سابقاً)، حاول الحكم فيها اعتماد مبدأ للتعايش مع الكنائس الأرثوذكسية، لأنها وطنية شعبية متجذرة يرتبط تاريخها بتاريخ الأرض التي نشأت ونمت عليها. لذلك لم يجر إقفال الكنائس بالجملة لأن الحكم أدرك بأن ذلك سيزيد المؤمنين قوة وعدداً، ففي روسيا مثلاً كانت نسبة 10%من مجموع السكان يرتادون الكنائس في الآحاد والمواسم الدينية للصلاة، (ومع ذلك فكانت حقوق التوظيف، وبعض حقوق المواطنة الأخرى والأساسية محظورة على ممارسي الصلوات بما في ذلك إيداعهم في السجون والنفي…) يماثلهم في ذلك البلغار والصرب والرومان… الذين كان وضع كنيستهم أفضل حالاً من الروسية كونها تمتعت بقدر من الاستقلال الذاتي، والرهبنات قائمة في صفوف الشباب والشابات، وفي كل سنة كانت تشاد كنائس جديدة، وفي كل هذه الدول كان المؤمنون يتدافعون سراً لمعمودية أطفالهم. وبعد انهيار المعسكر الشيوعي عادت الأرثوذكسية الى صدارة الصف الوطني في هذه البلاد كونها وطنية شعبية (مايقال ينطبق بالحرف على أرثوذكسية الشرق العربي فهي وطنية وأفرادها مخلصون لأوطانهم وهي متجذرة منذ20 قرناً خلت.) وتجاوب الحكم الجديد معها فأعيدت تسمية الأسطول الروسي باسم القديس أندراوس ورُفع عليه مجدداً العلم الذي يحمل صليب القديس أندراوس (×)، وأُعيدت الأوقاف والأديرة والكنائس المصادرة. ولعبت الكنيسة دوراً هاماً في محاولة إجراء المصالحة بين الحكم والمعارضة أواخر 1993.

فن الايقونات الروسي
فن الايقونات الروسي

أما في بلغاريا فقد عّيّدَ الجيش لعيد شفيعه القديس نيقولاوس كما كان سابقاً قبل الحكم الشيوعي. وفي رومانية أقيمت القداديس في الكنائس بمناسبة عيد الاستقلال وحضر السفراء الرومان القداديس في الكنائس الأرثوذكسية، وأقامت السفارة الرومانية في دمشق الهية بهذه المناسبة برئاسة مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع في الكاتدرائية المريمية بهذه المناسبة الوطنية.

ومع ذلك وببالغ الأسف، تدفقت والرهبنات الغربية والإرساليات الإنجيلية إلى هذه البلاد، معتبرة إياها أرض تبشير مستغلة الواقع الاقتصادي المؤلم الذي مرت فيه البلاد نتيجة انتقالها من اقتصاد موجه يعيش فيه الجميع بمستوى مقبول، وتمسك الدولة به الى اقتصاد حر، لامكان لعيش الفقراء فيه، لا سيما وأن هذا الانتقال كان فورياً وغير متدرج فترك آثراً سلبية فادحة، حتى أن الكثيرمن الفقراء الروس والاوكران، باعوا حتى معظم ملابسهم على قارعات الطرق ليعيشوا. بسبب ذلك تمت استمالة البعض، فأنشأ الفاتيكان أبرشيات، وأقام لها أساقفة وكهنة، وأوجد كنائس وصار بعض المتحدين برومه يُدعون روم كاثوليك. وزيد على ذلك بنزع الكنائس الأرثوذكسية من أيدي أصحابها بالجملة كما في أوكرانيا تحديداً مع تنامي روح باغضة من كاثوليك اوكرانيا ومولدا فيا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا لمواطنيهم الأرثوذكس، وما حصل في اوكرانيا حالياص هو جزء من هذه الحالة المؤسفة. لا بل أُرغمت رعايا أرثوذكسية على الكثلكة بالتهديد والمضايقات مما استدعى إقامة مؤتمر أرثوذكسي عالمي دعت إليه بطريركية روسيا عقد في القسطنطينية برئاسة البطريرك المسكوني، وحضور بطاركة ورؤساء الكنائس الأرثوذكسية حيث نصت مقرراته على ضوابط للحد من هذا الاقتناص، الذي يتكرر في كل مناسبة والذي هو الأشد إيلاما من كل الضغوط، لصدوره عن أشقاء في المسيح يجاهرون بهذه الأخوة في العلن، فيم هم يمارسون في السر اقتناصاً مبرمجاً يتكرر دوماً، كان قد بدأ في شرقنا العربي وأسفر عن شرذمتنا، ونحن قلة في وسط إسلامي كبير، فأصبحنا كنائس وطوائف كثيرة متعادية مع بعضها البعض رئاسة وشعباً. ولكن الأرثوذكسية وبالرغم من كل الخسائر والتضحيات بقيت شعوبها تتمتع بإيمان أرثوذكسي منقطع النظير، وتعالت فوق الجراح وبقي الإيمان الأرثوذكسي مشعاً كما حفظه التاريخ دوماً.

كاتدرائية خاركيف الأوكرانية الأرثوذكسية
كاتدرائية خاركيف الأوكرانية الأرثوذكسية

بقي أن نشير إلى أعداد المؤمنين الأرثوذكس في أوربة الشرقية وفق التوزيع التالي (وإن كانت تقريبية)

1- مجموعة الدول المستقلة ( روسيا، اوكرانيا، روسيا البيضاء ) 175 مليون أرثوذكسي تقريبا.

2- رومانيا 20 مليون أرثوذكسي تقريباً.

3- مجموعة يوغسلافيا الجديدة ( صربيا- الجبل الأسود- صرب البوسنة وكرواتيا و…15 مليون أرثوذكسي تقريباً.

4- بلغاريا 10 ملايين أرثوذكسي تقريباً.

5- جيورجيا 4 مليون أرثوذكسي تقريباً.

6- بولونيا مليون أرثوذكسي تقريباً.

7- ألبانيا 800000 أرثوذكسي تقريباً.

8- التشيك والسلوفاك 300000 أرثوذكسي تقريباً.

9- مقدونيا مليون ونصف أرثوذكسي تقريباً ( وكانت من عداد جمهوريات يوغوسلافيا سابقاً)

10- فنلندا ربع مليون أرثوذكسي تقريباً.

11- ليتوانيا واستونيا حوالي ربع مليون أرثوذكسي تقريباً.

12- اليونان 11 مليون أرثوذكسي تقريباً.

13- قبرص 700000 أرثوذكسي تقريباً.


أضف تعليقاً