ابن الميتة


من الذاكرة التي خطها المشيب

عندما يتقدم المرء في السن تغيب، وبسبب ضعف الذاكرة، الكثير من ذكرياته، وبالأخص ماهو منها حديث، او متوسط العمر الفائت، وتحضر بين الفينة والأخرى بعضُ الذكريات القديمة من الطفولة وحتى الصبوة، وهذه منها، وقد وردتني اليوم فبادرت الى تدوينها قبل نسيانها مجدداً!!!

“ابن الميتة”

في السبعينات والثمانينات، وقبل ان تحل باصات الدولة ماركة سافييم اعتقد الفرنسية، محل باصات سكانيا الخاصة والمملوكة لأصحابها، والتي كانت تعمل على خطوط دمشق الداخلية، كان منها خط القصاع المرموزله بالرقم 5 حيث ان الادارة الموحدة (وهي اشبه بنقابة) لباصات النقل الداخلي وهي أهلية كانت ترمز لكل حي برقم ( الميدان ، المهاجرين، ركن الدين، القصاع)

ساحة باب توما في الخمسينيات والباصات القديمة
ساحة باب توما في الخمسينيات والباصات القديمة

ومنها القصاع المرموزله كما اسلفت بالرقم 5، وكنت منذ صبوتي ما قبل فترة المرحلة الجامعية الاحظ ان أحد السائقين كان على الدوام يضع حطة (سُلك) على رأسه بخلاف غيره، ويلفه لفاً على كامل الرأس، ويبدو كالمرأة المتحجبة بحجابها الملفوف باحكام على كامل رأسها وجبينها، وبالمناسبة كان السائقون يلبسون لباساً موحداً، ولكن بعضهم كان يضع الحطة على رأسه بدون لف، إذ منهم من هو من الغوطة، ومنهم ينهجها عادة شعبية…
الملاحظ لمن يحاول ان يتفرس في وجه هذا السائق (وهو خمسيني العمر) الذي نادراً ماكان يديره الى جهة الركاب، انه كان بدون شعر في وجهه على الاطلاق (شاربين، ذقن، حواجب وحتى ريف العينيين ) كان يبدو وكأنه وفق التعبير الشامي “أجرودي” اي أجرد… وتبدو عيناه كعيون السمك وكان بياض وجهه ضارب الى الصُفرة…
ذات مرة سمعت ان لقبه او اسمه هو”ابن الميتة”، وبواقع فضولي ومن فتى محب كثيراً للروايات الشفهية، يختزنها في ذاكرته لجأت بداية الى المرحومين جدي فارس وابي جورج لعلهما يعرفان قصته وأذكر اني دللتهما مرة عليه والكل يلقبه كما قالا لي بلقبه ولكني لم احظ بجواب شافٍ يشفي شوقي… من افادني على ما أذكر كان هوعمي الأكبر نقولا رحمه الله فحدثني الرواية التالية:
” توفيت سيدة ارملة عروس، لم يمض زمن على ترملها بوفاة زوجها، الذي كان بدوره وحيداً مقطوعاً من الدنيا على القول الشعبي، وكانت حامل في أوان ولادتها فدفنت في مدفن العائلة البسيط وكان خشخاشة (والخشخاشة تكون أصغر من المغارة اي الغرفة تحت الارض، والخشخاشة تسع لجثمانين فقط، وهي أكبر من اللحد او القبر في التراب وهي من مقابر المسيحيين)

مقابر المسيحيين في دمشق
مقابر المسيحيين في دمشق

وتشاء العناية الإلهية انها في الليلة الأولى لدفنها، وبإذن من الله ولدت هذا الطفل (هذا السائق)، وتكمل العناية الإلهية تدخلها فتدب الحياة في النصف الطولي الأيسر (على ما أذكر) في جثمان الام الميتة (عين، يد، ثدي للإرضاع، قدم…) فيعيش المولود على صدر امه الأيسر ملفوفاً بيدها اليسرى بحنان وعينها اليسرى مفتوحة على الدوام ترمقه، يرضع من ثديها.
ومرت عدة اشهر وكان في كل ليلة يُسمع في ارجاء المقبرة صوت بكاء طفل صغير، استرعى انتباه ناطور المقبرة ولكنه خاف جداً من الاقتراب من جهة الصوت، لأن للموت رهبة مخيفة… رغم ان عمله هو الدفن، لكنه لم يجرؤ ابداً من الاقتراب في الليل الى مكان الصوت، واحس برعشة، إذ ان ملاك الموت يستدرجه من خلال صوت بكاء طفل صغير، فخاف وبقي على هذه الحال عدة ايام، سيما انه كان يستطلع الموقع نهاراً ولم يكن يسمع اي شيء، وأخيراً تجرأ واحضر معه من القبضايات رجالاً لايهابون ابداً، وراقبوا المكان في الليل حتى تأكدوا من انبعاث البكاء المحكي عنه من الناطور، بصوت خفيف من قبر بسيط، تذكر انه ومنذ عدة اشهر كان وقد وارى فيه سيدة قيل انها كانت حامل بشهرها …

فبادروا بالاتصال بالدرك وحصلوا على إذن من النيابة العامة بفتح القبر ليفاجئوا بجسد امرأة ،متحلل في نصفه الطولي الأيمن، بينما هو سالم تماماً بنصفه الأيسر والطفل الباكي كان يرضع من الثدي، وهو مفتوح العينيين وتلفه يد امه اليسرى بحنان وبقوة رفعوها عن جسد الطفل بصعوبة قليلاً، وعينها مفتوحة وقد تحركت في محجرها بنظرة قلقة، ولكنها اي الأم سرعان ماهمدت حركتها واغمضت عينها وماهو الا دلالة على الاطمئنان…صلي مجدداً صلاة الراقدين على الأم التي سكنت حركتها الى الأبد.

طفل حديث الولادة
طفل حديث الولادة

حددت التخمينات ان عمر هذا الطفل المعجزة، كان عدة اشهر فحملوه… وأخذوه الى المستشفى وأجروا عليه الفحوصات الطبية فوجدوه انه سالم معافى ومن خلال التشريح انه ولد حال دفن الأم…

عاش هذا الطفل على مايبدو كما تشير الروايات في ملجأ للأيتام اذ لم يكن له أحد من عائلته، وعندما كبر اوجدوا له عملاً في النقل الداخلي وأعتقد انه كان عازباً ولم يطل الأمر إذ لم أعد اشاهدهبمجرد تغيير تلك الباصات… ولا أعلم مالذي حصل به، إنما حتى هذه اللحظة، لحظة تذكري وكتابتي تلك المعجزة، لايزال ماثلاً في ذاكرتي…
طبعاً الله وحده يصنع العجائب.

أضف تعليقاً