“التعسف في استعمال الحق”

“التعسف في استعمال الحق”

من مذكراتي…

في كلية الحقوق بجامعة دمشق… وقد انتسبت اليها في السنة الأولى عام 1973 وكنت وقتها أؤدي الواجب الوطني في خدمة العلم…

واجهة مبنى كلية الحقوق
واجهة مبنى كلية الحقوق

كان ثمة طرفة حقوقية متداولة بين الطلاب عنوانها: “التعسف في استعمال الحق” بطلها الأستاذ القدير والفقيه الحقوقي الأستاذ الدكتور المرحوم رزق الله انطاكي هذا العالم الجهبذ والمدرس لشتى صنوف الحقوق لحوالي اربعة عقود منذ اربعينيات القرن العشرين، وقد ترك مراجع وكتب جامعية ألفها واعتُمدت للتدريس في السنوات الأربع، كانت الى عهد قريب لاتزال تدرس في كلية الحقوق الدمشقية وكان منها كتاب اصول المحاكمات المدنية… والقانون الدولي…

من المعروف ان كلية الحقوق في جامعة دمشق هي من الكليات العريقة والتي تعود

مبنى القشلة الحميدية او الثكنة الحميدية فياواخر عهد العثمانيين والتي تحولت الى جامعة دمشق قبيل الحرب العالمية الأولى
مبنى القشلة الحميدية او الثكنة الحميدية فياواخر عهد العثمانيين والتي تحولت الى جامعة دمشق قبيل الحرب العالمية الأولى

في احداثها، وتحت اسم معهد الحقوق الى عام 1914 وهي من اوائل كليات الحقوق في المشرق العربي تأسيساً وألقاً مع معهد الطب في دمشق… الأمر الذي أوجد عدداً متميزاً من اساتذة العلوم الحقوقية ليس فقط محلياً على مستوى سورية، او على مستوى المشرق العربي، بل وحتى عالمياً…كان منهم الأستاذ فارس الخوري وشقيقه الأستاذ فائز الخوري، والأستاذ الدكتور رزق الله انطاكي والاستاذ الدكتور الشهيد محمد الفاضل وهو إمام القانون الجزائي والأستاذ الدكتور محمد وحيد الدين سوار استاذ القانون المدني والاستاذ الدكتور معروف الدواليبي والأستاذ الدكتور جاك حكيم ولا يزال والاستاذ الدكتور عبد اللطيف عابدين الموسوعة في الحقوق الدولية… والاستاذ الدكتور شفيق الجراح استاذ تاريخ القانون والحقوق الرومانية… وكثيرون جداً من هؤلاء الجهابذة في الحقوق والذين تفتخر جامعة دمشق بهم وتفتخر سورية بهم ويحق لهم ذلك…وقد تركوا بصمات تعليمية لا تمحى وخاصة في مجال التعليم بالتجربة… ومعظمهم الا قلة بسيطة منهم… قاموا بالمساهمة في تأسيس جامعات في الدول العربية وعلموا فيها…البعض منهم تشرفت بالتعلم على يديه، ومعظمهم كان قد ترك التعليم الجامعي اثناءوبعد  سنوات دراستي الجامعية ومافوق الجامعية او مايعرف بالدراسات العليا في التعليم العالي…

كل من هؤلاء كانت دعابات وطرائف حقوقية بقي الطلاب يتناقلونها للتندر وهي كانت قد ساهمت في اكتسابهم المعرفة…

واجهة جامعة دمشق وكلية الحقوق عام 1950 وقتئذ
واجهة جامعة دمشق وكلية الحقوق عام 1950 وقتئذ

قصتنا مع الدكتور رزق الله انطاكي الشهير وكان وقتئذ عميداً للكلية ومدرساً لمادة اصول المحاكمات في الوقت عينه وفي السنة الثالثة…

وكانت صفوف السنوات الأربع على الشكل التالي، يتسع صف السنة الأولى لمئات من الطلبة، يليها صف السنة الثانية وهو اقل نسبياً، والثالث أقل، اما صف السنة الرابعة فكان صغيراً جداً مقارنة مع صفي السنتين الأولى والثانية، والسبب في هذا الأمر الملاحظ: ان عدد الطلاب كان يتناقص في كلية الحقوق خلال سنواتها الأربع بسبب من كونها كلية نظرية صعبة الحفظ تعتمد بالاضافة الى فروع القانون على الثقافة العامة وتشكل 50% من منهاجها… ومن يبقى للآخر من كان مقتنعاً بهذه الدراسة و بالرغم من كثافة منهاجها…

القصة

دخل الدكتور أنطاكي رحمه الله الى امتحان السنة الثالثة في الكلية، وكانت بيده كرة صغيرة كاوتشوكية نطاطة تعطي صوتاً عندما تُضرب في الأرض وتقفز عالياً…

توقف عند اول طالب في صدر القاعة الامتحانية مقابل السبورة، تعرف عليه وسأله:” ماذا عمل انا؟” فضحك الطالب واجابه:” انت تلعب ياأستاذ.

قاعة امتحانية جامعية
قاعة امتحانية جامعية


فبادره الدكتور بقوله على الفور:” راسب” !!!! ودون اسمه في مفكرته، وانتقل الى الطالب الثاني وكان الجواب ذاته، وترسيب الاستاذ له كذلك… وهكذا شمل تجوال الأستاذ انطاكي كل الطلاب البالغ عددهم 75 طالباً… وكان الجواب عينه…

وتشاء الصدفة ان آخرطالب في قاعة الامتحان كان يعرف الجواب فاجابه بابتسامة الفوز وبكل ثقة:” أنت يادكتور تتعسف في استعمال الحق”

فوجىء الأستاذ وسُّرَ بجواب الطالب، واجابه على الفور: “بين لي السبب”

قال الطالب:” من حقك وحق كل انسان ان يتصرف كما تتصرف وان يلعب ويتسلى ولكن ليس من حقه فعل ذلك في اثناء الامتحان لأنه يؤذي الطلبة ويكون في هذه الحالة متعسفاً في استعمال حقه الذي يؤدي الى إيذاء غيره…

سر الاستاذ انطاكي من جواب هذا الطالب وقال له انت الطالب الوحيد الذي يحق له النجاح، ويتوجب علي ان انجحه في هذه المادة… ودون اسمه في مفكرته وانصرف خارجاً من قاعة الامتحان وحصل هرج ومرج في القاعة…

وفعلاً فقد قام الاستاذ الدكتور انطاكي بانجاح هذا الطالب وحده وترسيب كل الطلاب في مادة اصول المحاكمات… ولولا تدخل رئاسة الجامعة ومجلس الكلية والاتحاد الوطني لطلبة سورية لما حصل نجاح وكانت نسبته متدنية بلغت 10% من الطلاب المتقدمين للامتحانات…

وذهبت مثلاً…


أضف تعليقاً