خاطرة في الماء

صورة  من الطبيعية
صورة من الطبيعية

“وجعلنا من الماء كل شيء حي”

صنع الله الماء من لاشيء … ومنه كان كل شيء…

كان في بدئه خيوطاً شفافة من نور، تشق ظلمة الرض، وتحَّوَل بعد ذلك الى أنهر ممتدة منبسطة…

فظهرت بجمالها الباهر على الأرض وكانها هبطت من السماء…

والأنهر الجارية بعيداً المتفرقة تتحد مع بعضها البعض في عناق أخوي عند البحر الكبير مكبرة ومهللة…بصخب جميل يُطرب الأسماع ويحرك نسيمات البرودة العذبة…

والماء المتدفق من السماء ماء الشتاء الذي يروي الأرض العطشى التي تأتينا بالخيرات، ومنه تنبت الشجرة والفسيلة والسنبلة فتعطي الانسان الظل والزهرة والثمر والخبز…

الماء المتدفق الذي يغسل كل شيء، يغسل دماء الجراح، ويغسل الطرق من الغبار ويتفرق ويتغلغل في الحقول فيروي أمناالأرض والوطن وبساتينه وحدائقه فتعطينا الورد ازرارا والثمر قنطارا…

نبع بردى كما كان
نبع بردى كما كان

الماء الذي يطفي غلَّة المسافر ويسقي عطشه في يوم قيظ لاهب، ويغسل تعب السفر فيبعث في المسافر نشاطا وتوثبا…

الماء الذي يتدفق من الينبوع وينساب في جداول تترنم مياههاهذه بأغنية الطبيعة منها تنهل جذور النباتات فتبعث في الطبيعة روحاً خلاقة ابدية تسبح الخالق المبدع لهذه الفسيفساء السندسية التي ماكانت لتكون لولا الماء…

الماء السلسبيل الذي ينساب من فسقية وبحرة في البيت العربي بقرقرة ولا أبدع متوائمة مع زقزقات عصافي تتطاير على خميلة الياسمين واشجار الليمون والكباد والنارنج ودالية العنب الزيني البلدي والحلواني…

بيت عربي مع البحرة
بيت عربي مع البحرة

هو الماءالذي تشطف به نساء البيت ارض الديار فتقتل بها حر الصيف وتعطي البرودة والرطوبة تشتاق معها النفوس لفنجان قهوة بالهي…تحت خميلة الياسمين وشجرات الليمون البلدي والنارنج والكباد… الزريعة في احواضها… وتتطاير العصافير على هذه الأشجار بزقزقات ترد الروح مسبحة الخالق…

مع نمنمات البيوت وليوانها وقبو المؤونة وطرنبة الماء الماصة الماء الزلال من البئر الذي في صحن الدار تكبسها اليد فتطرحه في سطل تشطف جدتي بمائه ارض الديار…

هو ماء بردى والفيجة المنبعثة من ذرى حرمون وثلوجه…

الماء النقي الذي ليس فقط يغسل اوساخ الجسد الخارجية، بل وأدران الجسد الداخلية ويعطي روحانية كما تفعل مياه المعمودية المقدسة بالطفل المعمود… وبه يستنير بالاضافة الى الصلاة والشعائر…وبالروح الالهي…فيغسل لطخات خطيئة التي لأبويه ويشمله الغفران…

الماء المرير الذي يهطل مدراراً من عيون باكية منكسرة املتها عليها قلوب متحسرة على فقد حبيب، او استشهاده، او جرحه، او تعويقه، او خطفه، أو تغييبه، او تهجيره… او بنيجة كارثة اصابت صاحب هذا القلب والعينين الباكيتين… دموع انسانية من عيون انسانية وقلوب انسانية تتألم غدر الزمان والانسان… وغدرالثاني أشد ايلاماً من غدر الزمان… كما عندنا اليوم نحن ابناء سورية الذبيحة… والدمع الهاطل من هؤلاء المتألمين، هو انقى من ندى السماء على الأزهار … هو أقدس ماء أوجده الله عز وجل لنا على الأرض…

أم شهيد تبكي شهيدها المجند بدموع هي ماء طاهر
أم شهيد تبكي شهيدها المجند بدموع هي ماء طاهر

تبارك اسمه القدوس كل حين الى دهر الداهرين أمين

أضف تعليقاً