صفحة مضيئة من تاريخ الكنيسة في روسيا

تمهيد

– إن بذور الإيمان المسيحي قد نبتت في روسيا بتاريخ يسبق بكثير التاريخ الرسمي لإعتناقها ذلك الإيمان الإلهي، إذ يعود ذلك إلى القرن الرسولي الأول حيث تقول إحدى روايات الكنيسة الروسية إن القديس اندراوس ( المدعو أولاً بين الرسل) هو الذي تولى أعمال التبشير بين أهالي هذه البلاد. ومما يؤكد هذه الرواية وجود أقوال ماثورة للقديس اندراوس تداولتها بين القرنين الأول والثالث المجتمعات المسيحية التي كانت تعيش آنذاك على الساحل الشمالي للبحر الأسود.

القديس اندراوس المدعو اولا مبشر شعوب منطقة البحر الأسود
القديس اندراوس المدعو اولا مبشر شعوب منطقة البحر الأسود

– كما دّلت الحفريات التي أُجريت في بقايا الكنائس المسيحية لهذا العهد في هذه المناطق على استخراج عدد من القوالب المعدة لصنع القربان المقدس التي نُقشت عليها صلبان القديس اندراوس ) x التي تتخذ شكل حرف( وفي القرنين 3 و4 وُجد على تخوم البلاد السلافية على الشواطىء الشمالية للبحر الأسود عدد من الأُسقفيات اليونانية التي تركت آثاراً تبشيرية على الأهالي السلاف المحليين، وفي القرن 16 عمّرَت القبائل السلافية معظم بقاع شبه جزيرة البلقان حتى أنهم بلغوا موقع اسبارطة القديم. ومن هذا التعايش الوثيق مع المسيحيين اليونان نشأت أولى الجاليات السلافية المسيحية.

وفي عام 864 م أرسل البطريرك المسكوني فوتيوس أسقفاً إلى كييف أهم المدن الروسية آنذاك لتأسيس كنيسة ( وكانت الدولة البلغارية قد اعتنقت الدين المسيحي في العام ذاته ) لكن في عام 878 قام أمير كييف أوليغ بإفناء أول جماعة مسيحية في مدينته. وظلت روسيا الكييفية رغم ذلك تتعرض لتأثير مسيحي شديد قادم من بيزنطة وبلغاريا واسكندنافيا. ومن المؤكد وجود كنيسة في كييف منذ عام 945، واعتنقت الأميرة أولغا الدين المسيحي سنة 955، واعتمدت في القسطنطينية عام 957، وعاشت طيلة حياتها مؤمنة تعمل بلا كلل على نشره بين قومها، داعية الله أن يبارك الشعب الروسي كما باركها. لكن ابنها ( سفيا توسلاف) رفض النسج على منوالها مخافة التعرض لسخرية رجال البلاط إن هو اقتبل المعمودية.

انما في ذلك الوقت كانت هناك بداية حركة تنصير واسعة النطاق، بحيث تحولت بلاد بكاملها من الوثنية الى المسيحية، هي الدانمارك وايسلندا فالنروج في القرن 10 والسويد في القرن 11. وغدا ممكناً منذ القرن10 وصف السلافيين الشرقيين بأنهم شعب يتألف من مسيحيين ووثنيين، يعيشون جنباً الى جنب، الأمر الذي ذكره المسعودي في مروج الذهب.

وفي سنة 980 كان الأمير فلاديمير ومعناهْ { صاحب العالم (980 – 1015)} قد تولى إمارة كييف وهو حفيد الأميرة أولغا ورئس اتحادا ًواهي الروابط ضم القبائل السلافية ولم يكن من الممكن الحفاظ عليه إلا بالقوة المسلحة، أو على الأقل بالتلويح باستخدامها. ولتقوية هذا الاتحاد اتخذ هذا الأمير الشاب قرارين هامين أولهما: أنه استقر في كييف ليمسك بأزمة الحكم بعد إهمال أسلافه لها لإنشغالهم بالحملات الحربية. وثانيهما : أنه حاول أن يوحِّد القبائل السلافية من الناحية العقائدية ( الايدلوجية ) باحلال دين مشترك بينها جميعاً.

امير كييف فلاديميير في واقعة اختيار الأديان وقد اختار المسيحية الأرثوذكسية 988
امير كييف فلاديميير في واقعة اختيار الأديان وقد اختار المسيحية الأرثوذكسية 988

لذلك شرع بتحصين المدينة شرقاً ضد المغيرين الرحل، كما حل مشكلة التوحيد العقائدي بإعطاء حقوق متساوية لكبار آلهة القبائل كلهم، حيث وضع ستة من آلهة الوثنيين في كييف. إلا ان المشكلة في أن هذه التدابيرالدينية ومع أنها وَحّدّت القبائل سياسياً وعقائدياً، إلا أنها عرقلت تحديث النظام الأقطاعي السائد من جهة الإنتاج والعادات الإجتماعية.وتضم سجلات الأحداث التي وقعت في روسيا منذ نيف وألف سنة خلت واقعة تثير الدهشة والعجب هي واقعة اختيار الأديان.

معمودية روسيا

– وفي سنة 987 أنار الله قلب الأمير فلاديمير فراى أن عبادة الأصنام هي عبادة كاذبةلانها من صنع البشر لاعقل لها ولاتمييز، فعزم أن يفتش أديان العالم في عهده ليعتنق وشعبه الدين الأصح، وأعلن للملأ أنه يريد الوقوف على الأديان ليميزها ويختارلنفسه مايحلومنها، فأتت اليه إليه سفارات(وفود) دينية مختلفةمن شعوبذلك العصر(مسلمينويهود وكاثوليك وارثوذكس)ومدحت كل منها ديانتها بأنها الأصح والأحسن فقال المسلمون بأن ديانتهم تحرم الخمر بتاتاً (والروس لابد لهم من الخمر لبرد منطقتهم)، أما اليهود الآتون من جهة بحر الخزر(قزوين)، فقالوا له عندما سألهم عن ملكهم وأين تقع مملكتهم: ” إن الله غضب علينا لخطايانا وخّرَّب مملكتنا وبدّدنا على وجه الأرض وانتزع الملك من يهوذا ” فأجابهم : “وأنا لاأريد ان يغضب الله عليّ مثلكم ويتبدد شعبي على وجه الأرض”. كذلك لم يرض بالمذهب الكاثوليكي اللاتيني الذي جاء وفده من رومة لعدم اقتناعه. أما رئيس الوفد البيزنطي الفيلسوف الأرثوذكسي قسطنطين فقد أسمعه عظة بليغة شدّته بقوة سحرية وقد روى له فيها التاريخ المقدس وعرض بإيجاز تعاليم المسيحية وأراه صورة عن القيامة العامة والدينونة حرّكت كل مشاعره حتى صاح ” طوبى للأبرار ويالتعاسة الأشرار”.

التهيئة لمعمودية الروس الجماعية عام 988 بعد واقعة اختيار الايمان الأرثوذكسي
التهيئة لمعمودية الروس الجماعية عام 988 بعد واقعة اختيار الايمان الأرثوذكسي

ولم يكتف فلاديمير بالسفارات التي أتت إليه من جهات العالم، وبحديثه مع أفرادها، إنما أرسل وفداً من عشرة رجال من ذوي الفضيلة وسلامة التفكير، لكي يذهبوا ويروا بأم العين، حقيقة الواقع الملموس لكل من هذه الأديان، وليشاهدوا بأنفسهم كيف يبدو كل منها في موطنه. ونفذ المبعوثون المهمة وزاروا عواصم هذه الأديان وعاينوا هذه الأديان، فبدت لهم الأوضاع والحركات التي ياتيها المسلمون في صلواتهم غريبة، كذلك لم يجدوا في الطقوس الرومانية اللاتينية ما يرضي من الناحية الجمالية “إذ لم نجد فيها قط أي جمال يُذكر”.

وزاروا أخيراًمدينة القسطنطينية عاصمة مجد الأرثوذكسية، ودخلوا كاتدرائيتها العظمى آجيا صوفيا ( الحكمة الإلهية) وكان في ذلك الحين على ما ذُكِر في التاريخ 60 كاهناً و100 شماس و90 ايبوذياكونا ً(شماساً مبتدئاً) و10 قراء و25 مرتلاً و100 قندلفت والجملة كانت 485 مكلفاً بالخدمة الإلهية فيها. فسمع المبعوثون

كاتدرائية آجيا صوفيا قبل تحويلها الى مسجد
كاتدرائية آجيا صوفيا قبل تحويلها الى مسجد

الروس القداس الإلهي الذي احتفل به اذ ذاك البطريرك المسكوني بمساعدة عدد من الأساقفة، وهذا الحشد الكبير من خدّام الرب بحضور الأمبراطور باسيليوس وطارت قلوبهم فرحاً وانتعاشاً لما رأوه من ذلك الخشوع المؤثر والترتيب الفائق والنظام الكامل فحسبوا أن اولئك المرتلين هم ملائكة جاؤوا من السماء يسبحون الله على الأرض وأن تلك القبة العظيمة هي رمز القبة الزرقاء وخرجوا من الكنيسة منتعشين متأثرين فرحين وعادوا الى كييف حيث نقلوا للأمير فلاديمير ماخالج نفوسهم من هذه المشاعر بقولهم : ” لم نكن ندري ما إذا كنا قد صعدنا إلى السماء أم بقينا على وجه الأرض فالأرض لايوجد عليها مثل هذا الرونق أوذاك الجمال،ونحن لاندري كيف نصف ما شهدناه، وكل ما نعرفه هو أن الله ماثل هناك بين البشر وأن قداسهم أفضل من أي شيء شهدناه في سائر البلاد ولن ننسى أبداً جمالاً كهذا الجمال.”

داخل كاتدرائية آجيا صوفيا
داخل كاتدرائية آجيا صوفيا

وترددت على السنتهم دون انقطاع لفظة الجمال، وكانت تجربة الجمال هذه بمثابة حجة لاهوتية حاسمة:” فهناك حيث الجمال يوجد الله بين البشر” وعندئذ كان بمقدور الأمير أن يختار فتناول الكلمة بدوره معلناً:” إلى أين نتوجه إذن لكي نعتمد؟”

وتوجه الى القسطنطينية، فأرسل بطريركها المطران ميخائيل السوري الأصل والنشأة وتلميذ البطريرك الأنطاكي يوحنا الخامس الذي قام ومن معه بمعمودية الروس الجماعية في نهر الدنييبر سنة988. واقترن فلاديمير بأنا شقيقة امبراطور بيزنطة، وأصبحت الأرثوذكسيةحينئذ دين الدولة في روسيا.

المطران ميخائيل السوري يعمد الروس المعمودية الجماعية 988 في انهار روسيا
المطران ميخائيل السوري يعمد الروس المعمودية الجماعية 988 في انهار روسيا

وقد عمل فلاديمير بجهد كبير لتنصير روسيا، فجاء من الخارج بالكهنة والذخائر والآنية المقدسة والأيقونات وتلقت المعمودية جماعات في الأنهر، وأنشئت المحاكم الإكليريكية. كما أُقر مبدأ (العشر) لصالح الكهنة ودُحرج الصنم الكبير الممثل للإله بيرون إلى قعر التلة التي كان يشرف منها على كييف.وراحت أبواق الملائكة وأصداء الإنجيل تتعالى في جميع المدن، وأصبح الهواء يتقدس بالبخور المتصاعد نحو الله، وقامت الأديرة فوق الجبال، وكان جميع الناس رجالاً ونساء، صغاراً وكبارا ًيملأون الكنائس المقدسة. وسواء في روسيا الكييفية أوبيزنطة أو في الغرب أوفي بلاد الشام ومصر لعبت الأديرة دوراً كبيراً وكان أشهرها في روسيا دير الكهوف بالقرب من كييف وهو أقدم الأديرة وأسسه الراهب الروسي أنطونيوس الذي عاش في جبل آثوس الرهباني، وتميز الرهبان الروس( وحتى الآن) بروح التواضع، وعاشوا النذور الرهبانية بأمانة دقيقة ملفتة.

ظلت الكنيسة الروسية خاضعة للقسطنطينية طيلة ازدهار كييف، بحيث أنه وحتى عام 1237 كان متروبوليت كييف يونانياً مرسلاً من المجمع القسطنطيني المقدس، لذلك وحتى الآن لاتزال الكنيسة الروسية ترتل باليونانية ماندعوه ( البوليخرونيون) أوالدعاء الأسقفي.

إنما ومن الجدير ذكره أن كييف لم ترتبط بالبطريركية المسكونية وحدها، بل وأيضاً مع أوربة الغربية بدليل وجود الكثير من التنظيمات الكنسية الغربية في حياة الكنيسة الروسية كالعشر مثلاً وهو من أصل غربي، وكان الكثير من القديسين الغربيين يقابلون بالتكريم مع أن أسماءهم لم تكن واردة في التقويم البيزنطي، وقد قيل في بعض الأحيان أن روسيا الكييفية كانت أقرب للغرب من أي وقت آخر من تاريخها حتى عهد بطرس الأكبر. لكنها كانت مدينة للثقافة البيزنطية أكثر بكثير منها للثقافة اللاتينية. لذلك كان نابليون بونابرت محقاً من الوجهة التاريخية حين لقّبَ أمبراطور روسيا اسكندر الأول ( بيوناني من الأمبراطورية الواطئة).وفي سنة 1237 قضى الغزو المغولي على روسيا الكييفية، وسُلبت هذه المدينة واجتاح المغول جميع روسيا عدا نوفغورد. والتاريخ يشهد أنه لم يعد يُشاهد في جميع الأراضي الروسية مدينة أو قرية لم تتعرض للخراب وتُرى الجماجم منثورة بشكل لامثيل له في غزوات التاريخ. ولكن مع ذلك وإن كانت كييف قد تعرضت للدمار، إلا أن ذكرى مسيحيتها ظلت حية تحت اسم روسيا الكييفية. ولم تُمحَ أبداً من ذاكرة الأمة الروسية تماماً كذكريات الطفولة الجميلة، حتى أن أندريه غروميكو رئيس وزراء الإتحاد السوفيتي آنذاك، صرح في احتفالات روسيا بيوبيل معموديتها الألفي” بأن تاريخ روسيا يبدأ مع كييف ومن المعمودية”

الكنيسةالروسية زمن المغول

معركة نوفوغورد بين الروس والتتار
معركة نوفوغورد بين الروس والتتار

استمرت سيطرة التتار المغوليين على روسيا من العام 1237 وحتى العام 1480، ولكن معركة كوليكوفوالكبرى عام1380 التي انتصر فيها الروس أضعفت سيطرة المغول إلى حد كبير وبحلول عام 1450 لم يبق لهم تقريباً سوى سلطة أسمية.

وقد ساهمت الكنيسة الروسية في القرنين 13 و 14 في إيقاظ الوعي القومي في روسيا. ونتيجة لما تعرضت له كييف عام 1237 على يد المغول لم يعد من السهل أن تقوم لها قائمة فحلت محلها في القرن 14 إمارة موسكو التي ارتبطت ارتباطاً عميقاً بالكنيسة. فقد أقام بها بطرس متروبوليت روسيا من 1308 وحتى 1326 وأصبحت منذ ذاك التاريخ مقراً لأعلى سلطة دينية في روسيا. وقد برزت ثلاث شخصيات مهمة جداً في تاريخ الكنيسة الروسية خلال فترة الإحتلال المغولي هم: القديس الكسندر نفسكي والقديس استفانوس أسقف برم والقديس الراهب سرجيوس من دير رادونيج.

والكسندروس نفسكي هو أحد كبار القديسين المحاربين الروس وكان أميراً على ” نوفغورد” وهي الإمارة الروسية الوحيدة التي نجت من غزو المغول عام 1237.

الأمير القديس الكسندر نفسكي قاهر التتار
الأمير القديس الكسندر نفسكي قاهر التتار

وبعد قومهم بقليل وجد نفسكي نفسه مهدداً من أعداء آخرين من الغرب هم الآسوجيون والجرمان والليتوانيون. لذلك كان يتعذر عليه أن يقاتل على جبهتين مرة واحدة فقرر الخضوع لسلطة التتار ودفع الجزية لهم. وبادر إلى قتال أعدائه الغربيين فأنزل بهم هزيمتين قاسيتين: الأسوجيين سنة 1240 والفرسان التوتونيين سنة 1242. وكان السبب الدافع لنفسكي إلى اختيار هذا السلوك هو أن التتار يمتنعون عن التدخل بشؤون الكنيسة حين يدفع لهم الجزية بينما الفرسان التوتونين كان هدفهم المعلن هو ليتنة روسيا وإخضاعها للبابا، كما فعل الفرنجة الذين غزوا الشرق العربي والقسطنطينية، وأقاموا بطاركة لاتينين على كراسي القسطنطينية وأنطاكية واورشليم.

وقد قال نفسكي ذات يوم لرسل البابا: “إن عقائدنا هي التي بشر بها الرسل، نحن نحافظ بدقة على تقليد آباءالمجامع المسكونية السبعة القديسن، أما بالنسبة لأقوالكم، فنحن لانريد سماعها كما أننا نرفض عقيدتكم”.

توفي الكسندر نفسكي سنة 1236 بعدما جاهد للحفاظ على أرثوذكسية روسيا لذلك طوبته الكنيسة الروسية كأحد أعظم قديسيها.

أما القديس استفانوس أسقف برم 1340 – 1396 فقد بين شكلاًً آخر من حياة الكنيسة في ظل المغول يتعلق بنشاطاتها التبشيرية منذ البداية، ومنذ البداية كانت الكنيسة الروسية مهتمة بالتبشير. والروس استعجلوا السعي لإرسال مبشرين إلى الوثنيين. وفي سنة 1261 قصد الأسقف متروفان الى ( ساراي)عاصمة التتار على الفولغا. وذهب آخرون لتبشير القبائل الوثنية في الشمال الشرقي وأقصى شمال القارة الروسية، وترجم المبشرون هؤلاء الكتاب المقدس، وكتب الليتورجيا الى اللغات واللهجات المحلية للشعوب التي كانوا يقصدونها تماماً كما سبق للأخوين كيرلس وميثوديوس أن فعلا حين وضعهما للأبجدية السلافونية في القرن 8 لتنصير السلاف. وقد عمل القديس استفانوس بين القبائل الزريانية بعد ان اعد نفسه 13 عاماً في احد الأديرة، تعلم خلالها اللهجات المحلية إلى جانب اللغة اليونانية بهدف إعطاء ترجمات رفيعة المستوى إتماماً لهدفه التبشيري السامي. وفي ترجمته استعمل الحرف المستخدم محلياً. وقد استفاد من موهبته بتصوير الأيقونات لا بل وظف هذه الموهبة مُظهراً في تصويره للأيقونات أن الله ليس فقط إلهاً للحقيقة بل هو إله للجمال.

ونأتي الى القديس الراهب سرجيوس رئيس دير رادونيج 1314- 1392 كبير القديسين الروس. وقد اشترك اشتراكاً فاعلاً في استصلاح الأراضي البور وزراعتها كالفلاحين البسطاء بينما هو في الأصل من أسرة كريمة، وقد شابه في كل سيرته القديس انطونيوس الكبير أبو الرهبنة في مصر، حيث اعتكف في الغابات الروسية، وأنشأ فيها منسكاً على اسم الثالوث الأقدس، ماعتم أن اصبح أضخم مركز ديني في فترة روسيا الموسكوفية. ومن رادونيج والمراكز الأخرى امتدت بسرعة شبكة كبيرة من الأديرة عبرمجمل الشمال الروسي والدائرة القطبية.

في حياته، اسس تلاميذه 50 ديراً، تلاهم آخرون من جيل لاحق فأسسوا 40 ديراً، وقد سبق هؤلاء الرهبان الأبرار الحكومة في فتحهم لهذه المناطق، فأنشأوا الأديرة واستصلحوا الأراضي التي حولها. إضافة إلى همهم الأول ألا وهو التبشير

الأديرة الرهبانية الروسية
الأديرة الرهبانية الروسية

بالأرثوذكسية بين القبائل الوثنية، التي كانت تعيش في الغابات المجاورة لأديرتهم.

إن التاريخين السياسي والديني في روسيا اعتبر سرجيوس(باني روسيا) وعلى ثلاثة صُعُدْ :

الصعيد السياسي: حيث شجع انطلاقة موسكو ومقاومتها للتتار.

والصعيد الجغرافي: حيث كان أكثر من انطلاق الرهبان نحو غابات مجهولة وتأسيسهم للأديرة في مجاهلها البعيدة لأن ذلك تبدى عمليا ًبتأسيس مجتمعات مدنية منتظمة محيطة بهذه الأديرة بسبب تشجيع العلمانيين وسكنهم في هذه الحواضر المحدثة إقتداءً بالرهبان.

أما على الصعيد الروحي فقد أدّت خبرته الرهبانية إلى جعل حياة الكنيسة الروسية الداخلية أكثر عمقاً ولعله بخبرته هذه ووعيه الروحي أدرك بضرورة إقامة التوازن بين الصعيدين الإجتماعي والصوفي في الحياة الرهبانية، لذلك اختلف مع القديس انطونيوس الكبير في هذه النقطة بالذات حيث أقام مجتمعات رهبانية منتظمة وبفضله وتلاميذه لاحقاً كان القرنان الممتدان من عام 1350 إلى عام 1550 بمثابة العصر الذهبي للروحانية الروسية.

وقد شكل هذان القرنان أيضاً العصر الذهبي لفن الأيقونات الروسي. حيث وصلوا بفن الأيقونات البيزنطي القادم اليهم الى مستوى الكمال. وعلى شرف القديس سرجيوس رسم تلاميذه ايقونة الثالوث للقديس روبليف ووضعت في ديره في رادونيج.

احد الأديرة الرهبانية الروسية في الغابات
احد الأديرة الرهبانية الروسية في الغابات

وبعد مرور 61 سنة على وفاة سرجيوس وفي عام 1453 تحديداً سقطت القسطنطينية بعد حصار ومعارك دامية استبيحت المدينة على أثرها ثلاثة أيام بلياليها، وحولت كاتدرائيتها العظمى رمز الأرثوذكسية( آجيا صوفيا) الى مسجد آيا صوفيا، وقد صلى فيه الفاتح محمد السلطان العثماني. لقد سقطت القسطنطينية التي شغلت منصب روما الثانية المدافعة عن الإيمان الأرثوذكسي القويم ضد البدع والهرطقات طيلة عشرة قرون تماماً كما خطط لها المعادل للرسل الأمبراطور قسطنطين الكبير منذ قيامه بتدشينها عام 320/م. وانتقلت المهمة إلى موسكو لتصبح رومة الثالثة بعد مساهمة سرجيوس الفاعلة في ذلك، كما سلف. وأخذت مكانة بيزنطة الحامية للإيمان والعالم الأرثوذكسيين، كما سيتضح تاريخياً.

موسكو رومة الثالثة

لم يبق بعد سقوط القسطنطينية وبقية العالم الأرثوذكسي (اليونان، بلغاريا، صربيا، رومانيا…)بيد الأتراك سوى روسيا وحدها.وقد شعر الروس ان الله وهبهم الحرية لأنه اختارهم لخلافة الأمبراطورية البيزنطية في دفاعها عن المسيحية الأرثوذكسية. وتصادف ذلك مع استقلال الكنيسة الروسية عن القسطنطينية. ففي سنة 1448 انتخب المجمع الروسي المقدس المتروبوليت بدون العودة الى القسطنطينية خلافاً للمألوف، وذلك احتجاجاً على موقف الكنيسة الرسمية في القسطنطينية المؤيد للأمبراطور

موسكو رومة الثالثة
موسكو رومة الثالثة

البيزنطي قسطنطين الثالث عشر الذي وافق على الإتحاد مع رومة تحت سلطة البابا بنتيجة مجمع فلورنسا ليكسب دعم البابا في صراعه ضد العثمانيين، وقد نظر الروس إلى ملكهم الذي حمل لقب القيصر على أنه خليفة الأباطرة البيزنطيين، ونظروا إلى موسكو على أنها رومة الثالثة، وقالوا في ذلك:” إن الله عاقب رومة الأولى على هرطقتها فسقطت في أيدي البربر الجرمان. وكذلك عاقب رومة الثانية ( القسطنطينية) بسقوطها بيد العثمانيين لسقوطها بدورها في هرطقة مجمع فلورنسة. أما موسكو فهي رومة الثالثة التي لن تنحدر إلى الهرطقة.وستبقى محوراً للأرثوذكسية الجامعة. وكانت الأكاديميات اللاهوتية العظمى واللاهوتيون الكبار والقديسون العظماء الذين غذوا الكنيسة الأرثوذكسية بمؤلفاتهم الحقة.

فن الايقونات الروسي
فن الايقونات الروسي

لقد ضربت الثورة الشيوعية ليس فقط نظام الحكم في روسيا عندما قضت على الملكية وأحلت محلها نظاماً يعتمد في شعاراته على حكم الشعب لنفسه وان مقدرات بلاده الوطنية من ثروات واقتصاد هي له وفي الحقيقة وحتى انهيار المنظومة السوفيتية 1989 فيما عرف في الإتحاد السوفيتي ” التجربة الإشتراكية” فإن هذه المقدرات كانت تذهب الى الطغمة الحاكمة وحلت ديكتاتورية البروليتاريا محل ديكتاتورية القيصر ممثلة بداية بلينين ثم ستالين فخروتشوف فبريجينيف…. وكان كل منهم هو الحاكم المطلق مع الأخذ بعين الإعتبار ان الإتحاد السوفيتي كان من حيث القوة الإستراتيجية عسكرياً وفضائياً ونوويا كان القطب الثاني في العالم وكان نصيراً لقضايا الشعوب في سعيها نحو التحرر من كل اشكال الهيمنة الأميركية وبالأخص الشعب العربي في نضاله ضد اسرائيل

شعارالثورة الشيوعية في روسيا التي قامت عام 1917
شعارالثورة الشيوعية في روسيا التي قامت عام 1917

والصهيونية المدعومة من الولايات المتحدة وكان يشكل توازناً عالمياً ولكن هذا النظام حاول القضاء على الكنيسة الروسية التي بادرت الى تنظم ذاتها داخلياً فأعادت منصب البطريرك بعدما كان بطرس الأكبر قد ألغاه عام 1700 وأحل محله العمل المجمعي مع تقدم لمتروبوليت موسكو وجدير ذكره وكما تؤكد الوثائق البطريركية في مرحلة الثورة الشيوعية برسائل المعتمد البطريركي الارشمندريت مبيض الى البطريرك غريغوريوس حداد في دمشق ان معظم القادة البلشفيين كانوا يهوداً وان نساء اليهود استولوا على التقدمات الذهبية في الكنائس ومارسوا العهر على الموائد المقدسة في الكنائس، كما قتل الكثير من رجال الاكليروس الروسي وفي مقدمهم البطريرك وفي الحقيقة فإن قارىء هذه الوثائق يدرك تلك الضربة التي وجهتها الشيوعية والصهيونية ضد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي بقيت تناضل وتقوم بالتبشير داخلياً مع خضوعها لرقابة صارمة وظالمة طالت حتى البطريرك ذاته وقضى الكثير من رجال الاكليروس والمؤمنين في السجون وعلى المشانق ومنع المؤمنون من التوظف في الدوائر العامة، وحولت الكثير من الكنائس الى متاحف ومصانع ومنها كاتدرائية المسيح المخلص التيحولت الى مسبح، وفرضت ضرائب باهظة على رواتب الآكليروس لكونها شريحة غير منتجة. ولكن الكنيسة الأرثوذكسية كانت قائدة للنضال الوطني ضد العدوان الأماني في الحرب العالمية الثانية وقدمت كل ذخائرها الثمينة لخدمة المجهود الحربي وكان الكهنة هم في مقدمة المقاتلين الأمر الذي دفع بستالين الى الحد من ظلم الكنيسة ورجالها والمؤمنين. وبانهيار الحكم الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفيتي بمؤامرة محكمة ساهمت فيها الصهيونية العالمية والولايات المتحدة ودولة الفاتيكان وقامت شبكات المافيا بالقضاء على الخلفية الدينية الأرثوذكسية بسرقة الأيقونات الأثرية التي تشكل أحد أهم رموز الإيمان عند الأرثوذكس الروس. لقد صمدت الكنيسة مجدداً ضد هذاالواقع الذي أدى الى افقارها والشعب الروسي ولكنها عادت الى صدارة المجتمع الروسي وتصدت لكل محاولات الاستلاب والاحتواء البابوية والبروتستانتية وهما من اصحاب المنفعة في كل ماجرى اي بالقضاء على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي تشكل الخزان البشري للأرثوذكسية العالمية وفتحت البابوية ابرشيات لها وأقامت مطارنة لها لرعية محتملة وقد تم لها بعض النجاح نتيجة للواقع المادي في روسيا واوكرانيا ونشأت كنيسة جديدة للروم الكاثوليك تابعة للكرسي البابوي. ومع كل هذا الواقع المؤلم من الخصم ثم من الأخ الشقيق ففي ميلاد 2007 أصدر البطريرك الكسي الثاني احصاءات جديدة عن الكنيسة الروسية الأرثوذكسية يتبين منها أن نشاط الكنيسة يزداد سنة بعد سنة . فقد بلغ عدد الرعايا عامئذ 27942 رعية يخدمها 26540 كاهناً و301 شماس. في بطريركية روسيا الآن 143 أبرشية بعد أن كانت 131 السنة الفائتة، عدد المطارنة 193 (كان 168 السنة الفائتة)منهم 143 مطراناً يرعى أبرشية و46 مساعداً، و14 مطراناً فخرياً. أما عدد الأديار فقد وصل الى 732 ديراً اي بزيادة 19 ديراً. كما أعيد بناء كاتدرائية يسوع المخلص كرمز لإيمان هذا الشعب الأرثوذكسي الحي. وفي 23 ايلول 2007 في اوسيتيا الشمالية في القوقاز، أعتمد 600 شخص دفعة واحدة في نهر بقرب دير الظهور. وإن معموديات كهذه صارت تقليداً في الفيدرالية الروسية وللسنة الثالثة يعتمد 600 شخص دفعة واحدة بعد أن يتلقوا تعليماًمسيحياً وانجيلياً وتجري المعمودية باحتفال روحي وشعبي أخاذ.

العلاقات بين الكنيستين الأنطاكية والروسية

إن أول أسقف علّم الروسيين وعمدهم، كان القديس ميخائيل السوري المنشأ، تلميذ البطريرك الأنطاكي يوحنا الخامس. وفي عام 1586 زار البطريرك الأنطاكي يواكيم بن جمعة روسيا، وأيد القيصر غودنوف في مطلبه بتحويل الكنيسة الروسية التي كانت تابعة للبطريركية المسكونية (بحيث أنها كانت توفد متروبوليتها من مطارنة الكرسي القسطنطيني)إلى بطريركية. وفاتح البطريرك الأنطاكي يواكيم أخاه البطريرك القسطنطيني إرميا، وأقنعه بالأمر. فزار إرميا روسيا عام 1589، وأسهم في انتخاب أول بطريرك على كنيسة موسكو وكل الروسيا، هو أيوب. وأصبحت هذه البطريركية هي الخامسة في ترتيب البطريركيات الأرثوذكسية بعد القسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية وأورشليم.

ثم قام البطريرك الأنطاكي مكاريوس بن الزعيم بسفرتين شهيرتين الى موسكو وكل الروسيا، الأولى من عام 1652 الى 1659 والثانية من عام 1663 – 1666 حيث رسم كهنة وشمامسة في مقاطعة كولومنا، وأصلح مابين موسكو ومولدافيا كما أصلح في سفرته الثانية بين القيصر الروسي الكسيس والبطريرك الروسي نيكون عام 1667 ،وعاد في سفرتيه باموال كبيرة ساهمت في تقدم الكرسي الأنطاكي ووفاء ديونه الباهظة والمتراكمة زمن الظلم العثماني.

الأمبراطور بطرس الأكبر
الأمبراطور بطرس الأكبر

واشتكى البطريرك الأنطاكي مثوديوس 1823 – 1850 بدوره من ظلم العثمانيين ، فأرسل مطران بعلبك نافيطوس إلى روسيا يستنهض همة المجمع الروسي والقيصر الروسي والمؤمنين الروس، وكانت الثمار مجزية وهي الأمطوش الأنطاكي في موسكو منذ 1848 وحتى الآن.

في عام 1868 كتب البطريرك الأنطاكي ايروثيوس في وفاة المتروبوليت الأكبر فيلاريت الذي قدم ومجمعه والشعب الروسي حسن العبادة الكثير من أجل إعادة بنيان ما هدمته مذبحة 1860 بحق مسيحيي دمشق المنكوبين، وغيرهم من مسيحيي المناطق الأخرى على يد المعتمد الأنطاكي بموسكو الإرشمندريت غفرئيل شاتيلا الدمشقي. كتب يقول :” لقد انقلبت أفراحنا بيوبيل فيلاريت إلى دموع نذرفها بسبب الخسارة التي أصابت العالم الأرثوذكسي بوفاته”.

البطريرك الأنطاكي غريغوريوس حداد 1906-1928 الذي رئس احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي عام 1913
البطريرك الأنطاكي غريغوريوس حداد 1906-1928 الذي رئس احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي عام 1913

وساهمت روسيا كثيراً في إذكاء الشعور القومي عند الأرثوذكس العرب في فلسطين وسورية اي في دائرة الكرسيين الأنطاكي والأورشليمي لإعادة هذين الكرسيين الى ابناء العرب. ومع عام 1898 وبتسلم البطريرك ملاتيوس الدوماني الدمشقي السدة الأنطاكية كأول البطاركة العرب بعد تسعة بطاركة يونانيين من عام1724. فتحت صفحة جديدة في تاريخ التعاون بين الكنيستين. ففي عام 1895 تسلم الإرشمندريت روفائيل هواويني الدمشقي الذي كان مقيماً في روسيا رعاية المهاجرين الأنطاكيين في أميركا الشمالية، وفي عام 1904 تسلم عصا الأسقفية من متروبوليت آلاسكا الروسي تيخن ( الذي صارفيما بعد بطريرك موسكو عام 1917) وذلك بتكليف من البطريرك الأنطاكي الدوماني.

القيصر نيقولا والعائلة المالكة ومتروبوليت موسكو في احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي
القيصر نيقولا والعائلة المالكة ومتروبوليت موسكو في احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي

في عام 1913 رئس البطريرك الأنطاكي غريغوريوس حداد احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي، ورقى الى الأسقفية في هذه

الاحتفالات من صار بعدئذ الكسي بطريرك موسكو. وعندما قامت الثورة الشيوعيةفي روسيا وحملت معها أكثر من مليون روسي خارج الحدود قدمت كنيستنا الأرثوذكسية الأنطاكية مساعدات مالية قدمها ابناء أنطاكية وفاء لهذا الشعب وكنيسته المتألمة وفتحت المؤسسات والأديار والمدارس أبوابها ليعمل بها هؤلاء المهجرون وقد تم ذلك بتوجيهات البطريرك غريغوريوس حداد. وعلى هذا النهج الأخوي سار البطريرك الكسندروس طحان الدمشقي، والبطاركة ثيوذوسيوس أبورجيلي والياس معوض والبطريرك السابق اغناطيوس الرابع المتوفي في 10 كانون الأول عام 2012.الذي رئس احتفالات روسيا بعيدها الألفي لمعموديتها في عام 1988، وكانت الحدث الأهم والتاريخي في حياة ومسيرة الأرثوذكسية العالمية خصوصاً والمسيحية عموماً.

لقد تأسست في روسيا مؤخراً مجموعة خّيرة، هي لجنة إحياء تراث القديس بولس الرسول ضمت سوريين مقيمين في روسيا وروسيين قدمت هذه اللجنة من احساناتها من أجل مشاريع روحية وعمرانية في الأديرة البطريركية في سورية،(ديررؤية القديس بولس الرسول في كوكب و وضعت نصباً كبيراً للقديس بولس في كوكب مع مشاريع غيرها في دير الشيروبيم بوضع نصب ضخم للرب يسوع فيه وآخر تم وضعه في دير مارتقلا معلولا منذ2005 ، وقدمت احسانات لأعمال الخير والبر، وتحظى هذه اللجنة بدعم من الرئيس الروسي والحكومة والبطريركية الروسية. وكان البطريرك الكسي الثاني قد قدم منحة مالية لإعادة إعمار ديررؤية القديس بولس في كوكب كما فعل سلفه في بناء الدير ذاته في 1963 مع منحة لمستشفى الروم في بيروت ومخبراً متطوراً لمدارس الآسية الأرثوذكسية.

خاتمة

– في ختام بحثنا هذا لابد لنا ومن باب الإنصاف أن نذكر بالخير ما للجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية من خدمات جلى في مجال تعليم أبناء الكرسيين الأنطاكي والأورشليمي من جهة، وما قدمته بمؤازرة الدولة والشعب الروسيين في الحفاظ ما أمكن على الأرثوذكسية أمام الحملات التبشيرية المتلاحقة، بمدارسها المتطورة وإكليريكيها الذين جهدوا بقوة وبلا كلل لليتنة القطيع الأرثوذكسي، وحققوا بعض النصر، وكذلك فعلت الحملات التبشيرية البروتستانتية، لكن هذه الجمعية المبرورة ومن ورائها الكنيسة والشعب والدولة (قبل الحقبة الشيوعية)تبنت العديد من الطلاب الإكليريكيين ووفرت لهم ما ساعدهم على متابعة دراستهم العالية لاهوتياً في أكاديميات روسيا وأصبحوا من لاهوتيي أنطاكية العظماء كالمطران يارد والهواويني…مما ساعد بشكل كبير على كبح جماح هذا الإقتناص الضاري.

إن اشد مايؤلم ونحن في أواخر العقد الأول من القرن 21، أن العقلية السلطوية والإحتوائية لدى هؤلاء الأشقاء لاتزال لابل تصاعدت وتيرتها، وكأن التاريخ يكرر نفسه مع غزوات الفرسان التوتونيين في القرن13 لروسيا الأرثوذكسية، ومثيلاتها في الشرق العربي (غزوات الفرنجة العسكرية، مع غزوات التبشير منذ مطلع القرن16م.) والأشد ايلاماً هو اعتبار هذه الكنيسة الشقيقة أرض تبشير بورع مدعى به تحت شعار تصييرها مسيحية مجدداً فيم الهدف المخفي هو تبشيرها بالكثلكة مستغلة ضعف الإمكانيات المادية لشعب رزح طوال ستة عقود تحت نظام شيوعي صارم وملحد حكم روسيا مع شعوب أوربا الشرقية الأخرى (وهي أرثوذكسية بالمطلق) واحتوائها تماماً كما فعل مبشروها في منطقتنا العربية قبل 4قرون ولايزالون. وكان الأجدربهذه السلطات الكنسية الشقيقة مدعية الحب المزعوم نحو هذه الشعوب المؤمنة والمضطهدة بسبب ايمانها أن تضع نصب العين قول الرب يسوع عن كنيسته التي أقامها بدمه المسفوح على الصليب :” الله في وسطها فلن تتزعزع وأبواب الجحيم لن تقوى عليها “. كان على هذه ان تدرك أن الكنيسة الروسية الشقيقة عادت فعلاً الى صدارة المجتمع بعدما بقيت مختبئة في قلوب افراد الشعب الروسي، وأن عودتها هذه تمت بفعل دموع إيمان هذا الشعب المؤمن أمام الأيقونات، وبعد قتل مقصود لهذا الإيمان منذ 1917 وحتى 1988في تقرير رسمي عن الاضطهادات الدينية في الإتحاد السوفيتي التوضيح التالي:” قُتل زهاء المئتي ألف إكليريكي تحت النظام السوفيتي بين عامي 1917 و1980 وسجن خمسمائة ألف آخرين أوأرسلوا إلى معسكرات الاعتقال في جولاك. هذا ما أشار إليه مسؤول روسي رفيع المستوى في 27 تشرين الثاني 1995 هو الكسندر ياكوفليف رئيس اللجنة المكلفة بإعادة تأهيل ضحايا الضغوط السياسية في مؤتمر صحفي عُقد في موسكو، عندما كان يعرض النتائج التي تضمّنها تقرير سلمته اللجنة حديثاً إلى بوريس التسين، يتعلق بسياسة الحزب الشيوعي في الشؤون الدينية.”

– يبقى اخيراً أن نقول أن هذه الحملات التبشيرية المنتظمة يجب ان توجه الى أرض الإلحاد المعاصر التي منها هي تنبعث هذه الحملات عندها تعيد الى العالم ماسبق وقدمته المسيحية له من الأخلاق والفضائل والقيم. وروسيا الأرثوذكسية خير مؤتمن على هذه الوديعة والقيم.

كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا
كاتدرائية يسوع المخلص في موسكو التي كان ستالين قد دمرها ثم حولها مسبحا


موسكو عادت وتأهلت لريادة المسيحية الأرثوذكسية وارتسم الصليب والرموز الايمانية وايقونات القديسين وبالذات القديس اندراوس المدعو اولاً على رايات الجيش والقوات المسلحة… وعلى دوائر ومؤسسات الدولة كافة… وكانت وقد تأصلت في نفوس الروس المؤمنين البسطاء الذين تحت كل الضنك الشديد والاضطهاد والنفي الى سيبيريا والقتل والتعذيب والتغييب كانوا يمارسون الاسرار المقدسة من عماد واكاليل وانتماء للكهنوت الشريف وللرهبنة  وكما قدم العديد من الاكليروس الروسي ذواتهم شهداء لأجل الرعية والقيام بخدماتها الروحية… عادت روسيا وعادت الكنيسة الروسية بكل جلال الارثوذكسية ومهابتها وعاد الروسي المؤمن يقف ساعات طويلة ممارساً الشعائر في الكنائس يدون ملل او تذمر(إذ ليس من كراسي في الكنائس الروسية للجلوس…)

ولعمري الف تحية لهذا الايمان الحار القويم المنبعث والمتصاعد كالبخور شهادة للايمان الحق…

وعادت كاتدرائية المسيح المخلص لتأخذ دور كاتدرائية روما الثالثة…


أضف تعليقاً