خاطرة في الشعانين

وفيما هم في الطريق الى المدينة أوفد يسوع اثنين من تلاميذه الى قرية صغيرة ضائعة بين اشجار التين، على كتف جبل امامهم، وقال لهما: ” إذا مادخلتما القرية تجدان اتاناً وجحشها مربوطين بباب بيت فحلاَّهما وأتيا بهما، وإذا سألكما أحد عما تفعلان فقولا:” المعلم في حاجة الى البهيمين.
فانطلق الرسولان وإذا الحال على ما وصف المخلص، وحلا الأتان والجحش وأتيا بهما يسوع. فخلع الرسل عباءاتهم، وجعلوها على الجحش الذي لم يكن بعد قد علاهُ انسانُ، وأركبوا يسوع، وسار الحيوان الصغير براكبه الالهي يسَكِن من روعه وجوده بحذاء أمه الأتان. وانتظم حول الراكب موكب مهيب، واستأنفوا المسير الى اورشليم.
فتحقق عندئذ قول الأنبياء الأقدمين حيث جاء: ” ابتهجي جداً يا ابنة صهيون! اهتفي يابنت اورشليم، هوذا ملكك يأتيك صديقاً، مخلصاً، وديعاً، راكباً على جحش ابن أتان!”.
وسرت الحماسة في صدور الرسل ومن يصحبهم من الحجاج، فقطعوا اغصاناً من الزيتون والرمان والتين وفرشوها في الطريق، واندفعوا حول ملك السلام يهتفون في جَلَبَّةٍ تُصدي لها الأرجاءالى بعيد: “مبارك الآتي باسم الرب! اوصنا في الأعالي!” ولما أطَّلوا على المدينة ودوى هتافهم في الوادي الذي بينهم وبينها، وفي أجواء الخيام والمظال التي تملأ ارجاءها، واذا خلقٌ كالسيل يخرجون من الخيام الى الطريق لاستقبال النبي العظيم، الذي طالما تاقت أنفسهم لرؤية شخصه الالهي والاستمتاع بتعليمه السامي. ومالوا الى الشجر فنزعوا عنها اغصانها وسعفها واحاطوا بالموكب المنحدر من الجبل، وعلت أصواتهم تمزق طبقات الفضاء ممتزجة بحفيف الأغصان والسَعفْ. وفرشوا الخضرة في طريق المُحتفى به بل ثيابهم القشيبة الفاخرة. وكان الموكب يزيد والهُتاف يشتد على مقياس ماكانوا يقتربون من اورشليم.
وفي وسط هذه المظاهر التكريمية حدث بغتت أمرٌ غريب: المعلم يقف مقابل المدينة فينظر اليها طويلاً ويبكي ويقول:” اورشليم يا اورشليم ! ياقاتلة الأنبياء والمرسلين… كم من مرة أردت أن أجمع بنيك فيك مثلما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فلم تريدي. ولو تعلمين الآن من هو الآتي اليك لكان إذن يشملك بالسلام! ولكن، عميت حدقتاكِ ولم ترغبين في ان تعرفي يوم افتقادكِ؟ ولذلك فستاتي ايام تكون عليك كذَوب الرصاص، يحوطك أعداؤك بالخنادق، ويحاصرونك ويضيقون عليك، ويهدمونك على رؤوس بنيك، ولا يتركون فيك حجراً على حجركى يسوع على اورشليم المتصلبة في ضلالها، فمر في جماهير الناس شبه رعشة، وصمت حائر… ثم عادوا الى هتافهم حتى ابواب المدينة، فارتجت اورشليم بجميع جنباتها، وقيل في كل مكان:” هذا يسوع نبي الناصرة!”
ومضت الألسنة تشيد بوداعته ولطفه، وحبه الجم لجميع الناس، وعطفه الفياض على الشقاء البشري، وتعاليمه الالهية، وإقامته ميت بيت عنيا لعازر…
ولما بلغ في ذلك الخلق ساحة الهيكل المقدس، أبرأ هناك مجموعة من اصحاب العاهات، فزاد الناس حماسة، وهب عشراتٌ من الأولاد الذين يربونهم في الهيكل لأجل الاحتفالات الدينية، وانطلقوا يرددون بملء حناجرهم هتاف الجماعة قائلين:” اوصنا في الأعالي مبارك ملك اسرائيل الآتي باسم الرب اوصنا لابن داود” فاستشاط الفريسيون غيظاً وجاؤا اليه يحتجون على هذه المناداة، ويطلبون ان يسكت الأولاد! فأجابهم:” ولماذا يسكتون؟ الحق اقول لكم انه لوسكت التلاميذ والأولاد لنطقت الحجارة… أو ليس مكتوبا في الأنبياء: إن فم الأطفال والرضع يلهج بتسبيحي؟
وانتحى المعلم جانباً وشرع يعلم الشعب، وعند المساء رجع الى بيت عنيا وبات هناك…

والسبح لله دائماً
د.جوزيف زيتون



!.

أضف تعليقاً