الانشقاق الكبير

توطئة

 ايقونة الرب يسوع الضابط الكل
ايقونة الرب يسوع الضابط الكل

بدأ المخلص بتنظيم كنيسته عندما دعا تلاميذه الاثني عشر لمتابعته وهيأهم ليكونوا واحداً، وأعطاهم الروح بقوله :” خذوا الروح القدس من غفرتم خطاياهم تغفر لهم ومن أمسكتم خطاياهم تمسك لهم.” (يوحنا 17 و20)

وساوى السيد بينهم ولم يسلط أحداً على الآخرين. فإنه لما طلبت منه أم ابني زبدى بعدما سجدت له وابناها أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره غضب التلاميذ العشرة الآخرون (متى 20) فدعاهم يسوع وقال لهم: ” قد علمتم أن اراخنة الأمم يسودونهم وعظماءهم يتسلطون عليهم. وأما انتم فلا يكن فيكم هكذا ولكن من أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكن للكل خادماً.” لم يميّز الرب بطرس، ولم يوجه إليه دعوة مختلفة ويتذرع من يقول بتمييّز بطرس بكلام بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس(5:15): قد سلمت إليكم ما تسلمته أنا نفسي إن المسيح قد مات من أجل خطايانا وأنه قبر وأنه قام في اليوم الثالث وأنه تراءى لكيفا ثم لأكثر من خمسمائة أخ معاً ثم تراءى ليعقوب ثم لجميع الرسل.” ويتذرع هؤلاء أيضاً بما جاء في إنجيل لوقا (24: 34) من أن الأحد عشر والمجتمعين معهم قالوا: ” لقد نهض الرب حقاً وظهر لسمعان”

فان قلنا بتمييز بطرس على قولهم فماذا نقول في تقديم ذكر التلاميذ على ذكر بطرس في إنجيل مرقس(16:7):” فاذهبن وقلن لتلاميذه وبطرس” وليس في توجيه السؤال ثلاثة الى سمعان وحده (يوحنا 21: 15 – 18): يا سمعان بن يونا أتحبني” والكثير من قديسي الكنيسة الغربية كأمبروسيوس وأغسطينوس ربطوا تثليث السؤال بتثليث الإنكار. بنى الرب كنيسته على صخرة الإيمان على قول بطرس”أنت المسيح ابن الله الحيّ” وليس على بطرس وليس في أدب القرنين الأول والثاني ما ينم عن اهتمام الآباء بهذه الآية اهتمام رومه لها في ما بعد. فجميع الآباء لم يروا في هذه الآية مبرراً لادعاء أسقف رومه بالتقدم على سواه، فجميع الأساقفة في نظره خلفاء بطرس وما وُجه الى بطرس وُجه إليهم جميعاً. والسيد إذ قال لبطرس أنت صخر أمر بوحدة الكنيسة وعدم تجزئتها.

وكنيسة الغرب نفسها لم تلجأ إلى هذه الآية لتدعيم رأيها في سلطة أسقف رومه قبل العصور الوسطى أي قبل النزاع بين رومه القديمة ورومه الجديدة.

بداية التنظيم الكنسي

ايقونة حلول الروح القدس يوم العنصرة بالتساوي على رؤوس التلاميذ
ايقونة حلول الروح القدس يوم العنصرة بالتساوي على رؤوس التلاميذ

وكان أول عمل تنظيمي في الكنيسة بعد صعود السيد وعودة التلاميذ إلى العلية هو عندما القوا القرعة بين الاثنين فوقعت على متيا كبديل عن الاسخريوطي. وفي يوم العنصرة حل الروح القدس على رؤوس الجميع فطفقوا جميعهم يتكلمون بلغات مختلفة. ثم اجتمع الرسل ثانية واختاروا سبعة رجال مشهود لهم بالفضل ووضعوا عليهم الأيدي وخصصوهم للخدمة اليومية. وكان منهم الشماس استفانوس وهو أول الشهداء. وأرسل الرسل بطرس إلى السامرة، ثم انطلقوا للتبشير وأقاموا يعقوب أخا الرب أسقفا على الكنيسة في أورشليم وخصوا المدن ولاسيما عواصم الولايات بعنايتهم فأنشأوا فيها الكنائس الأولى أي أنهم جعلوا منذ البدء توزيع الكنائس يتفق وتقسيمات الولايات الرومانية المدنية وأنهم ربطوا المؤمنين في كل ولاية بأسقف عاصمة الولاية التي انتموا إليها. ولكن تقسيم الكنائس بموجب تقسيم الولايات لم يؤثر في شعور الرعاة والرعايا بوحدة الكنيسة، فالمؤمنون مافتئوا منذ اللحظة الأولى يعيشون ليسوع ويموتون له (رومية 14: 8) وينتظمون كنيسة واحدة هي جسده وهو رأسها (كولوسي)، وتميّزت بعض الكنائس في الدور الأول على سواها بميّزات معينة فأضفت لها شيئاً من النفوذ لم يكن لغيرها. فالسيد نفسه أسس كنيسة أورشليم وجميع الرسل عملوا فيها ويعقوب أخوه تولى أمورها في عهد الرسل وفيها انعقد أول مجمع ضم جميع الرسل ولا تزال وحدها قبلة المؤمنين في كل العالم. وكانت كنيسة أنطاكية كنيسة عاصمة ولاية الشرق أهم مدنه وأكبرها وكان مؤسسها بطرس وبولس وبرنابا مع ثلة من الرسل واستوى بطرس على كرسيها كأول الأساقفة من سنة 45 الى53 حيث انطلق إلى أوربة واستقر في رومه حيث أسس مع بولس أيضا كرسيها عام 64 وكان أول أساقفته لمدة سنتين قبل أن يستشهد مصلوباً ومنكساً على رأسه بأمر نيرون. ومن أنطاكية ومن دمشق انطلق التبشير إلى كل المسكونة وحمل أسقفها لقب بطريرك أي شيخ العشيرة وحده من قبل المجمع المسكوني الأول في نيقية وفيها” دعي المسيحيون أولا”.

كما أن كنيسة الإسكندرية التي أسسها مرقس الرسول وبالنظر لأهمية مركزها كعاصمة شمال أفريقيا في ذلك العصر كان لأسقفها حق إقامة الأساقفة في كل جهات القطر المصري ووادي النيل وليبيا والقيروان وشمال أفريقيا وسمي بابا أي أب وهو قبل أسقف رومه في حمل هذا اللقب ثم حمل أيضاً لقب قاضي المسكونة.

أما رومه فكانت عاصمة الإمبراطورية والمركز الرسولي الوحيد في الغرب وأصبح اسففها ممثل الكنيسة الجامعة أمام السلطات المدنية العليا يدافع عن حقوق الكنيسة جمعاء. فجذبت إليها الرسولين بطرس وبولس حيث علما فيها وجعلا منها مركزاً عقائدياً مماثلاً لمركز الإسكندرية، إنما ليس في المراجع الأولية ما يثبت قول علماء الكثلكة بسلطة خصوصية تمتع بها أساقفة رومه وفرضوها على سائر الأساقفة. وان كل ما قدموه كمصنف ايريناوس ورسائل أغناطيوس المتوشح بالله وسواهما لا تلزم بأي استنتاج يعطي رومية حق السلطة على الجميع. وكل محاولة كانت تحصل من بعض أساقفة رومه فمثلاً منذ أسقفها فيكتوريوس 189 – 199 بفرض رأي رومه في كيفية ممارسة عيد الفصح على أساقفة آسية الصغرى كانت تُواجه بمقاومة واحتجاج وهنا احتج أسقف أزمير بوليكراتوس وسانده خمسون أسقفاً في المجمع المحلي الذي عقد للنظر في مداخلة أسقف رومه ومحاولته فرض رأيه…

ولكن وبالرغم من هذه الاختلافات في الرأي بقيت الكنائس واحدة لأن محبة المسيح شملتها ونار الاضطهادات الدامية صهرتها فخرجت نقية طاهرة صامدة همها مواجهة الهراطقة وأشدهم خطراً المتهودون والمشبهون والآريوسيون…

وجاء المجمع النيقاوي السنة 325 بدعوة من قسطنطين الكبير وأجمع آباؤه على دستور إيمان واحد لا نزال نتلوه، ورداً على محاولات قام بها أساقفة برسامة أساقفة في دوائر أساقفة آخرين أو التدخل في شؤون كراسِِ أسقفية أخرى جاء القانون السادس ليمنع ذلك ويقول :

” فلتحفظ العادات القديمة التي في مصر وليبية والمدن الخمس بأن تكون سلطة أسقف الإسكندرية على هذه الكنائس وكذلك سلطة أسقف رومه على كنائس أوربة الغربية والحال ذاته لكنائس أنطاكية بقيادة أسقفها. فيم جاء القانون السابع ليحفظ الكرامة لأسقف أورشليم كالعادة ولم تثر قضية تقدم رومه وأسقفها خارج كرسيها.

الأسباب التي هيأت للإنفصال

كنيسة القديس بطرس في روما
كنيسة القديس بطرس في روما

1– كانت الإمبراطورية الرومانية ماقبل وما بعد السيد المسيح منقسمة
الى قسمين شرقي وغربي بسبب اختلاف سكان الشطرين، ففي القسم الشرقي كان غالبية السكان يتحدثون اليونانية ومنذ الدولة الهلنستية مع وجود عناصر محلية تتحدث الآرامية في الأرياف والعبرية في فلسطين. بينما كان سكان الشطر الغربي من العنصر اللاتيني نسبة الى سهل اللاتيوم المحيط بمدينة روميه أو من المتليتنين، وكان كل شطر من الشرقي أو الغربي له طبيعة خاصة وميول وحياة وفعالية خاصة لذلك انقسمت الكنيسة إلى قسمين شرقي وغربي بسبب اختلاف السكان وأخلاق الشعوب وآدابهم وميولهم وآرائهم. وقد تجلت هذه الخصائص منذ بدايات المسيحية وكان أبرزها ظهوراً هو الاختلاف في اتجاه الثقافة الكنسية.

2- سمحت الكنائس الشرقية باشتراك العقل في قضية الإيمان فأوضحت وفسرت أسس تعليم الإيمان المسيحي بالطريقة العلمية، فيما رفضت الكنيسة الغربية اشتراك العقل في قضية الإيمان، وابتعدت غالب الأحيان عن الدرس العلمي في عقائد الإيمان، وبالإجمال لم تهتم بالمسائل اللاهوتية النظرية ولكنها وجهت انتباهاً عظيماً إلى جهة المسيحية الخارجية الى الطقوس والنظام والإدارة وعلاقة الكنيسة بالمملكة والجماعة وما أشبه

لاحظنا ظهورهرطقات في الكنائس الشرقية بينما كان العكس في الكنيسة الغربية لم تظهر هرطقات لعدم اهتمامهم بالمسائل اللاهوتية، وحيث أنه لم يكن هناك فهم المسيحية عقلياً فظهرت انقسامات فقط.

واجتهدت الرئاسة الشرقية في دحض كل الهرطقات ووضع تعليم إيمان أرثوذكسي قويم على مبادئ ثابتة، واجتهدت الرئاسة الغربية بكل الوسائل الممكنة المحافظة على الترتيبات الكنسية وأن تضع نفسها في حالة غير متعلقة بالسلطة العلمانية وأن تقوي تأثيرها على الجماعة وعلى المملكة.

إن هذه الاختلافات وإن قسمت الكنيسة إلى كنيستين إلا أن الكنيستين بقيتا متوافقتين في وحدة بالإيمان وبالأسرار وبالترتيب الكنسي.

3- وكان ماكان من أمر تقهقر رومه داخليا بسبب الأزمات في القرن الثالث ومن هجمات القبائل البربرية عند الحدود ومطامع الساسانيين الفرس ودولتهم الفتية فأراد الإمبراطور غلاريوس أن يكسب عطف المسيحيين وولاءهم فأصدر قبيل وفاته في السنة 311م براءة صفح فيها عما سلف للمسيحيين من مخالفات لأوامر السلطة وأقر لهم حقهم الشرعي في ممارسة دينهم حيث أن الوثنية كانت رمزاً لوحدة الإمبراطورية الرومانية. وخلفه الأمبراطور قسطنطين الكبير ليعلن من ميلانو في ايطاليا عام 313 براءته المشهورة المؤيدة لبراءة سلفه غلاريوس وساوى بين المسيحيين والوثنيين في ممارسة الحقوق والواجبات، فأصبحت الكنيسة مؤسسة شرعية واضطرت أن تندمج في نظام الدولة وتنسجم معها.

وكان الإمبراطور الوثني يجمع في شخصه السيادتين المدنية والدينية ويتمتع بلقب الحبر الأعظم فلما أصبحت الكنيسة مؤسسة شرعية أصبح هو رئيسها الشرعي، وكان لعطف قسطنطين على الكنيسة وقع عظيم لدى المسيحيين فاشتد الحماس له وعظمت الثقة به فهرع أفسابيوس الأسقف المؤرخ إلى تنصير( الحبرية الوثنية العظمى)

فالإمبراطور في نظره نائباً مفوضاً من الله وأمسى أسقفا وتمتع بلقب الحبر الأعظم منذ قسطنطين حتى خليفته غراتيانوس (367 – 383) الذي كان أول من اعتبر هذا اللقب غير لائق بإمبراطور مسيحي فأسقطه من لائحة الألقاب الرسمية في السنة 379م ثم جاء الأمبراطور ثيوذوسيوس الكبير( 379 – 395) فأعلن في 28 شباط 380 م المسيحية ديناً رسمياً للدولة وتبنى الأرثوذكسية عقيدة ونعت الآخرين بالهرطقة ولم يسمح لهم أن يدعوا الأبنية التي اجتمعوا فيها كنائس فأصبحت الكنيسة رسمية بكل ما في هذه الكلمة من معنى.

وبقي اجتهاد افسابيوس سائداً في الشرق والغرب ( الحبر الأعظم)وان استبدل بالكاهن الأعظم وعاد الأساقفة المجتمعين في القسطنطينية السنة 448 للإمبراطور ثيوذوسيوس الثاني ” سنوات عديدة الأمبراطور الكاهن الأعظم التقي الأرثوذكسي وهتاف آباء المجمع الخلقيدوني” ليحي الكاهن الأمبراطور. وكان الأمبراطور يوستنيانوس هو أول من فرق بين السلطتين الروحية والزمنية، لكنه اعتبرهما معطاتين من الله واوجب التآلف بينهما لسعادة البشر.

4– إنشاء القسطنطينية

ايقونة الرب يسوع في سقف كاتدرائية آجيا صوفيا في القسطنطينية الشهيدة
ايقونة الرب يسوع في سقف كاتدرائية آجيا صوفيا في القسطنطينية الشهيدة

وقضت ظروف قسطنطين العسكرية والسياسية ببقائه في الشرق أكثر من الغرب، فرأى أن لابد من إنشاء عاصمة جديدة في الشرق تسهل له الدفاع عن الدانوب والفرات وتضمن الطمأنينة اللازمة للولايات الشرقية مركز الثقل النوعي للإمبراطورية الرومانية فأراد في البدء أن يجعل مسقط رأسه نيش عاصمة المملكة، ثم اتجهت أنظاره نحو صوفيا وتسالونيكية. ورأى بعد ذلك أن طروادة أحق بالشرف من هذه جميعها، لأنها موطن الجبابرة، ومسقط رأس الرومانيين الأولين الذين أسسوا رومه. وقام إليها بنفسه، وخطط العاصمة الجديدة فيها، ولكنه تراءى له في حلم إن الإله يأمره بالتفتيش عن محل آخر فوقع اختياره على بيزنطة. وكانت بيزنطة مستعمرة إغريقية أسسها أبناء ميغارة في 652 ق.م ووضع قسطنطين حجر الأساس فيها واسماها باسمه ودشنها عاصمة له وهي مدينة مسيحية صرفة كما أراد وحظر ليس فقط إقامة أي معبد وثني فيها بل حظر حتى مجرد إقامة طقس عبادي وثني فيها كرومه الوثنية بل هي رومه الجديدة المسيحية والأرثوذكسية ودعا عدداً كبيراً من كبار الأغنياء في بلاد اليونان وآسية للإقامة فيها وأغرى آلافا ًمن رجال الصناعة والتجارة والفن للغرض نفسه ووزع القمح والزيت مجاناً على السكان وكانت أهم المباني التي بناها هي كنيسة الحكمة المقدسة وهي غير التي نعرفها اليوم منذ عهد يوستنيانوس الكاتدرائية الشهيدة آجيا صوفيا التي بناها الأخير على مثال كاتدرائية بصرى متلافياً فيها الثغرات الهندسية التي أدت الى سقوطها ولم يكتمل بناؤها بعد.

5- الترتيب الأسقفي:

وكان الرسل الأطهار قد أقاموا كما أسلفنا أساقفة في عواصم الولايات وفي عاصمة الدولة رومه. وكان أساقفة العواصم قد تقدموا على الأساقفة في الولايات التي انتموا إليها. وكان أسقف العاصمة رومه القديمة قد تقدم على سائر الأساقفة في الإكرام والاحترام. ولما كان ثيوذوسيوس الكبير قد جعل في السنة 380 المسيحية دين الدولة والكنيسة هي كنيسة الدولة. فلما اجتمع الآباء القديسون في القسطنطينية للنظر في شؤون الكنيسة جمعاء في عهد هذا الإمبراطور بناء على دعوته رأوا أن من العدل والإنصاف أن يجيء أسقف العاصمة الجديدة القسطنطينية بعد أسقف العاصمة القديمة رومة في الإجلال والاحترام وفقاً للقانون الثالث :” أما أسقف القسطنطينية فليكن له تقدم التكريم بعد أسقف رومه لأنها رومه جديدة.” وكلمة (بعد) الواردة لا تدل على تخفيض وتنقيص كما رأى بعض المفسرين بل على ترتيب تاريخي كما يظهره نص القانون 28 من قوانين المجمع المسكوني الرابع. ويلاحظ هنا أن روميه القديمة لم تعترض على هذا ولم تثر ما كان يتحسس به بعض أساقفتها من فرض رأيهم على سائر أساقفة الكنيسة. ولكن اعترضت الإسكندرية على هذا التقدم ونشا نزاع شديد بينها والقسطنطينية وساندت رومه القديمة رومه الجديدة في موقفها من الإسكندرية.وجاء القانون 28 الذي شرعه آباء المجمع الخلقيدوني( الرابع) السنة 451 في الجلسة 1ليقول :” بسبب تشرف هذه المدينة بالملك والمجلس الأعلى حصلت على مساواة التقدم (مدنياً) لرومه عاصمة الملك القديمة ولها أن تعظم مثل تلك في الأحوال الكنائسية وان تكون ثانية بعدها.”

شارة الأرثوذكسيالشارة الأرثوذكسية النسر البيزنطي ذي الرأسين
الشارة الأرثوذكسية
النسر البيزنطي ذي الرأسين

ويبين هذا القانون إن تقدم أسقف رومه لم يكن في نظر آباء القرن الخامس إلا لكونها متملكة أي عاصمة المملكة، ولما أصبحت القسطنطينية عاصمة بديلة للمملكة منحت حق التقدم عينه. واضمحلت رومه القديمة سياسيا بعد انتقال التملك منها إلى القسطنطينية. ثم انتهت رومه نهائيا عام 476م على أثر سقوطها بيد البرابرة الجرمان وقد عُدّ هذا السقوط انتهاء للعصور القديمة، وبداية للعصور الوسطى في أوربة حيث لم يعد من سلطة مركزية في القسم الغربي منها، وكان التعويض من خلال تأكيد دور سياسي ورئاسي لأسقفها كبديل عن الحاكم، وبدأ رجال الكنيسة باستخدام لقب “الحبرالأعظم”
الذي كان هو لقب الكاهن الوثني الأعظم في رومه عندما كانت الوثنية رمز وحدة الدولة الرومانية وذلك قبل ثيوذوسيوس الكبير، بمعنى أدق بدأ أولئك الأحبار بمحاولات فرض أولوية بابا رومية تعويضاً عن التقدم السياسي لرومه الجديدة وهذا مما لاشك فيه ناتج أيضاً عن العقلية العسكرية والنظرة الاستعلائية لرومه كالولايات المتحدة اليوم. وأصبح البابا رئيساً دينياً وسياسياً ومتوجاً لملوك الإمبراطورية
الجرمانية المقدسة ويخضعون له كما يخضع له الأساقفة. إن في ذلك مخالفة للآباء الخلقيدونيين( وكان منهم مندوبو البابا )الذي اعتبروا المجمع المسكوني الأداة الوحيدة للحل والربط.هؤلاء لم يروا مبدأ التقدم بين الأساقفة ناشئاً عن رتبة رئيس في الرسل وإنما اعتبروه منحة من الآباء والكنيسة، ولم يروا سبب التقدم خلافة عن رسول من الرسل، وإنما اعتبروه نتيجة طبيعية لتقدم المدن بعضها على بعض فإنهم قدموا القسطنطينية لكونها المدينة المتملكة ورأوا أيضا إن تملك هذه المدينة جعلها مساوية لرومه.

لم يرض البابا لاون عن القانون عن القانون 28 وكتب في ذلك محتجاً معترضاً الى المجمع وإلى الإمبراطور، ولكن الآباء لم يقبلوا اعتراضه بل ثبتوا قرارهم السابق فسكت لاون ولم يثر ضجة ولم ينقطع عن الشركة معهم لذا أكرمه الأباطرة والأساقفة ولقبوه بأول الأساقفة واعتبروه مفسراً أميناً للعقيدة المقدسة ولا يزال يُمجَّد”مقراً إلهيا لنعمة الله”.

وتبنى الأباطرة أعمال المجامع واعتبر يوستنيانوس 527 -565 الكنيسة الجامعة مؤلفة من 5 بطريركيات لا سادسة لها: رومه القديمة، رومه الجديدة، الإسكندرية، أنطاكية، أورشليم. وشملت سلطة أسقف رومه القديمة كل الغرب، وشملت سلطة رومه الجديدة آسية وتراقية والبونط وخضعت مصر وصعيدها وليبية والقيروان لبطريرك الإسكندرية أما بطريرك أنطاكية فرأس ولاية الشرق برمتها عدا فلسطين الأولى والثانية والثالثة وتبعت هذه الفلسطينيات بطريرك أورشليم.

واعتبر يوستنيانوس بقوانينه وشرائعه أن البطريرك القسطنطيني بطريرك مسكوني وأشار إلى أسقف رومه بما يجوز تعريبه هكذا: “صاحب القداسة رئيس أساقفة المدينة الأولى وبطريركها.”

الإحداثات الغربية

سبق أن قلنا إن الكنيستين الشرقية والغربية وإن اختلفتا إلا إنهما كانتا في وحدة تامة في الإيمان والأسرار والترتيب الكنسي, ولكن لسوء حظ كل العالم المسيحي هدمت الكنيسة الغربية هذه الوحدة وانفصلت عن الارتباط بالكنيسة الشرقية، ويظهر التاريخ الكنسي كيف أنها في مدى عدة قرون أخذت تُدخل بالتدريج أموراً جديدة وتحريفاً في الحقل العقيدي والطقسي والقانوني. وهكذا منذ القرن 6 وحتى القرن 11 تثبت في كل الكنائس الغربية التعليم المخالف عن انبثاق الروح القدس
من الآب والإبن وهذا تحريف اعتبرته الكنيسة قاطبة هرطوقياً وتفرز المتمسكين بأمثاله من أتباعها. ثم انفردت الكنيسة الغربية بكثير من الأمور الطقسية الصوم في السبت، إتمام سر الافخارستيا على الفطير وإتمام سر مسحة الميرون المقدس بواسطة الأساقفة فقط، وعدم زواج الإكليروس، وحلقهم اللحى… الخ

في الحقل القانوني

أدخلت رومه أموراً غريبة جديدة،بأن جعلت البابا رأساً وحاكماً أعلى لكل الكنيسة المسكونية، والتعليم عن هذه الرئاسة جعلته أعلى من المجامع المسكونية ما يعني خفضاً لكل الترتيبات الكنسية التي وضعها الرسل والآباء وهذا قاد الكنيسة الغربية الى تحريف كل تعليم الإيمان المسيحي، لأن شخصاً واحداً يمكنه دائماً أن يضل،لاسيما وأن سلطته مطلقة ولا أحد يراجعه فيمكنه أن يُدخل تعليماً وطقوساً جديدة وترتيباً كنسياً جديداً مثال
تبرئة اليهود من دم الرب يسوع من قبل قداسة البابا بولس السادس عام 1968.

إن هذه الصورة أعطت عكس الشكل الذي أعطاه لها مؤسسها الرب يسوع وتلاميذه الرسل وهذا ما هيأ للانفصال التدريجي ثم الانفصال الكبير.

بدء الانفصال
لقد توفرت أسباب الانفصال قبيل منتصف القرن التاسع وكانت تنتظر سبباً فقط لكي يبدأ الانقسام الفعلي، فتوفر السبب سريعاً.وهو التالي:
السبب الأول

في سنة842 تولى عرش المملكة الرومية ميخائيل الثالث، ونظراً لصغر سنه أدارت أمه الإمبراطورة ثيوذورة المعروفة بإعادة احترام الأيقونات، إضافة إلى عم القيصر( فاردا) وهذا كان كارهاً لثيوذورة وسعى عند ميخائيل وأقنعه بحبسها في الدير فقام ضده البطريرك القسطنطيني أغناطيوس الذي كان قد تولى السدة البطريركية بقرار ثيوذورة لتقواه وغيرته الأرثوذكسية زمن حرب الأيقونات ودفاعه عنها في وجه خصومها. فقام الإمبراطور ميخائيل بعزل البطريرك أغناطيوس ونفيه ونصب مكانه فوتيوس وكان مؤهلاً فأغضب عزل أغناطيوس ونفيه الكثيرين من محبيه لكونه تقي ومتقشف، واعتبر هؤلاء فوتيوس مغتصباً، سيما وانه كان علمانياً وتدرج في المراتب الإكليريكية في خمسة أيام… فانقسمت البطريركية إلى حزبين، وتراشق الحزبان باللعنات، ولأجل إنهاء هذه القلاقل الكنسية قررالإمبراطور دعوة مجمع مسكوني كبيرودعى إليه البابا نيقولاوس وكان هذا تواقاً للسيطرة على الكنيسة الشرقية، فأرسل وفدا وكتب إلى الإمبراطوروالبطريرك فوتيوس بشكل متعجرف وبكبرياء، وعَنَفَّ بكتابه فوتيوس، واصفاً إياه بالكبرياء وبقبوله وظيفة البطريرك بطريقة غير شرعية. وبكتابه إلى الأمبراطوراتهمه بالعمل ضد القوانين الكنسية في إقصائه البطريرك أغناطيوس وإقامة فوتيوس بديلاً دون استئذان البابا أو حتى إعلامه. وبحضور مندوبي البابا اعتبر المجمع البطريرك أغناطيوس معزولاً وفوتيوس هو البطريرك الشرعي، لكن البابا نيقولاوس لم يوافق، وسعى لإنزال فوتيوس وكتب للأمبراطور آمراً إياه بنزع فوتيوس وإعادة أغناطيوس، “لأن رومه هي رأس كل الكنائس ويجب على الجميع القبول بقوانينها والعمل بها”. ثم جمع مجمعاً في رومه السنة 862 من أساقفته ولعن فيه فوتيوس وأرجع أغناطيوس وأمر في رسالته إلى أساقفة الشرق قطع فوتيوس وإعادة أغناطيوس، فكتب إليه الأمبراطور جواباً حاداً متهماً إياه بالتدخل بما لا يعنيه، “وان كنيسة القسطنطينية لا تعترف به رأساً وحاكماً على الكنيسة المسكونية.” فرد عليه البابا نيقولاوس بحدة، وبدأ الانفصال بين الكنيستين.

السبب الثاني القضية البلغارية (وكانت متزامنة مع السبب الأول)

في السنة 864 قبل بوريس ملك البلغار واقتدى به شعبه نتيجة للتبشير بالمسيحية،وكان المبشرون اليونان التابعون لبطريركية القسطنطينية هم أول من بشر بالمسيحية في بلغاريا، وفي مقدمهم الشقيقان “القديسان كيرلس ومتوديوس” اللذان وضعاً أبجدية للغة السلافية المحكية، وكتبا بها الإنجيل المقدس والليتورجيا والكتب الطقسية.

وكان المبشرون اليونان ومنهم الشقيقان كيرلس ومتوديوس، قد أقاموا أساقفة وكهنة من البلغار، ورُبطت الكنيسة الوليدة بالبطريرك المسكوني. ولكن الملك بوريس، وتفادياً من الوقوع في الارتباط السياسي بالقسطنطينية بسبب الارتباط الديني، تنبه للارتباط كنسياً برومه سيما وان المبشرين اللاتين بدؤوا بالتسرب الى بلغاريا، فأرسل بوريس إلى البابا نيقولاوس يطلب منه إرسال كهنة لاتين إلى بلغاريا فسُّرَّ البابا نيقولاوس المعروف بحبه للسيطرة على الكنيسة من هذا الطلب ووجده فرصة سانحة للوقوف في وجه القسطنطينية وفوتيوس والأمبراطور، وأرسل كهنة وأساقفة، وتم بالتالي التصعيد عبر طرد الرئاسة الكنسية اليونانية من بلغاريا، وأُحلَت محلها الرئاسة اللاتينية التي تصرفت بعيداً عن الروح المسيحية، فشاركت بطرد الرئاسة والاكليروس اليونانيين، وأعادت مسح المؤمنين الممسوحين بالميرون من قبل اليونان “لأن مسحتهم كانت غيرحقيقية”.

أسباب أخرى

– رتبوا صوم السبت بدلاً من الأربعاء.

– سمحوا بأكل البياض في الأسبوع الأول من الصوم الكبير.

– اعتبروا الكهنة اليونانيين المتزوجين غير شرعيين.

– نشروا التعليم عن انبثاق الروح القدس من الإبن ايضاً.

وكان رد فوتيوس والمجمع المكاني بالحكم على الضلالات الرومانية، وأخبر بذلك جميع بطاركة الشرق، ودعاهم لمجمع عُقد في القسطنطينية حكم على هذه الضلالات، وبإنزال البابا نيقولاوس عن السدة البابوي، وتقرر تنفيذ ذلك من قبل إمبراطور الغرب ليودفيك.

فرد مجمع رومية 868 بلعن فوتيوس ومحازبيه، وأرسل البابا قصاده إلى القسطنطينية، وعقدوا مجمعا اعتبروه “مجمعاً مسكونياً ثامناً” عزلوا فيه فوتيوس ولعنوه، وأعادوا أغناطيوس مجدداً.فقام الأخيروخلافا لتوقعاتهم بارسال رئيس أساقفة يوناني إلى بلغاريا، فرد عليه البابا أدريان بمنع أغناطيوس من المداخلة في الكنيسة البلغارية.

وبعد وفاة أغناطيوس قرر المجمع في القسطنطينية إعادة فوتيوس فوافق البابا بشرط أن يعترف فوتيوس بان عودته إلى المنصب تمت “نتيجة رحمة البابا وأن يرفض إدارة الكنيسة البلغارية”. وبالطبع لم تنفذ هذه الشروط المُذِّلة فعاد البابا ادريان فحرم فوتيوس من جديد، حتى بلغ عدد حروم البابا ضده اثني عشر حرماً.

الانشقاق الكبير

توقفت العلاقات بين رومه والقسطنطينية من 886 إلى 1053 وكان البابا وقتئذ لاون التاسع وبطريرك القسطنطينية ميخائيل كيرولاري، فاجتهد البابا بكل الوسائل أن يعيد للمقام البابوي تأثيره الذي تزعزع في الغرب كما في الشرق. وكان في ذاك الوقت بعض الكنائس في ايطالية الجنوبية تابعة للبطريركية المسكونية، فاجتهد أن يُثبت سلطته عليها فصارت تنتشر فيها آراء كاثوليكية، منها خصوصاً ماجرت عليه الكنيسة الكاثوليكية بإتمام “سر الافخارستيا” على الفطير بدل الخمير.

ثم اجتهد البابا لاون أن يقيم بطريرك أنطاكية ضد البطريرك ميخائيل كيرولاري. فقرر الأخير وضع حد لدسائس البابا فحرم من المناولة اوغيروس قائد الجيش البيزنطي في ايطاليا، لأنه ساعد هناك على انتشار عادة التقديس على الفطير، وأقفل في القسطنطينية الأديار والكنائس الكاثوليكية لمنع انخداع الأرثوذكس بالخدمة الكاثوليكية، وفوض في السنة 1053 رئيس أساقفة بلغاريا لاون أن يكتب منشوراً يدحض فيه الإحداثات الكاثوليكية، فبلغ هذا المنشورإلى البابا وأحدث اضطراباً في رومه، ومع رغبة البابا، ولمقاصد سياسية بأن يحافظ على العلاقات السلامية مع الكنيسة الأرثوذكسية إلا أنه كتب للبطريرك ميخائيل يقول:” لا يمكن لأحد من البشر المعرضين للموت أن يحكم على العرش الرسولي، ويجب على البطريرك القسطنطيني أن تكون علاقته مع العرش البابوي باحترام لأجل الامتيازات المعطاة له من الباباوات”. وحيث أن الأمبراطور البيزنطي المعاصر قسطنطين 1042-1054 ولأغراض سياسية أيضاً أراد أن يكون في علاقات سلامية مع البابا لذلك قُبل جواب البابا برضى في القسطنطينية، وبالأكثر لأن الأمبراطور والبابا أرادا أن يُثبتا السلام بين الكنيستين، لأجل ذلك أرسل قُصاده الى القسطنطينية وكان يرأسهم “الكاردينال همبرتو” الرجل المتكبر صاحب الطبع الحاد، فأظهر والوفد للبطريرك ميخائيل عدم الاحترام، لذلك رفض الأخير أن تجري بينه وبينهم مفاوضات. فلم يكترث الوفد البابوي متكلين على حماية الإمبراطور، وأصدر همبرتو دحضاً لمنشور لاون البلغاري ووزعه على الشعب، وبالحاح من الوفد البابوي أجبر الأمبراطور قسطنطين الراهب نيكيتا أن يحرق الكتاب الذي كان قد ألفه ضد اللاتين وإحداثاتهم. ولكن، ولما فقد الوفد البابوي الأمل بإخضاع البطريرك لنفوذهم، كتبوا قراراً بحرمه وكنيسته ناسبين إليها كل ما يمكن من الهرطقات، ووضعوه بطريقة استعراضية احتفالية أثناء الخدمة الإلهية على المائدة المقدسة في كاتدرائية آجيا صوفيا ” الحكمة االإلهية”، وخرجوا من الكنيسة ينفضون أقدامهم وهم يلعنون. فصار هياج عظيم في القسطنطينية حتى أمسى الوفد البابوي بخطر الموت من الشعب الهائج لولا حماية جنود الأمبراطور، فرد عليهم البطريرك ميخائيل ومجمعه السنة 1054في القسطنطينية بحرم مقابل للكاردينال همبرتو والوفد البابوي، وأرسل رسالة عامة إلى جميع البطاركة الإسكندري والأنطاكي والأورشليمي ورئاستي أساقفة قبرص وسيناء يخبرهم بكل ما جرى، مبيناً ادعاءات وضلال الكنية البابوية محذراً إياهم من الشركة معها، وتوقفت تلك الرئاسات عن ذكر البابا في الخدم الإلهية في الكنائس الأرثوذكسية فانفصلت الكنيستان انفصالاً تاماً.

ما هي أبرز النقاط الخلافية بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية؟

1- انبثاق الروح القدس من الآب والابن وهو مخالف لدستور الإيمان وكان قد فرض في الكنيسة الكاثوليكية نتيجة لاستخدامه من قبل سكان اسبانيا وانتشاره حتى أن البابا أمر بنقش دستور الإيمان الصحيح على قبر القديس بطرس في الفاتيكان ليقرأه المصلون بدون الزيادة.

2-التقديس على الخبز الفطير كاثوليكياً وعلى الخبز الخمير أرثوذكسياً.

3-عدم مناولة الصغار دون سن السابعة.

4- صوم السبت كاثوليكياً بدل الأربعاء.

5-المعمودية بالسكب والرش بينما هي أرثوذكسياً بالتغطيس ثلاثاً،

وترمز الى دفن السيد في القبر لثلاثة أيام.

6- إتمام سر مسحة الميرون بواسطة الأساقفة فقط كاثوليكياً.

7- عدم زواج الإكليروس كاثوليكياً.

8- رئاسة البابا المطلقة للكنيسة وهي أعلى من المجامع المقدسة المسكونية والمكانية، وفي هذا تخفيض لكل الترتيبات الكنسية التي وضعها الرسل والآباء كي لا يضل أبناء الكنيسة، لأن شخصاً واحداً يمكنه دائماً أن يضل نتيجة سلطته المطلقة، والتي أمست بموجب “المجمع الفاتيكاني الأول” السنة 1870 “سلطة معصومة عن الخطأ” وهو ما عُرف “بعصمة البابا”. والادعاء بخلافة البابا للرب يسوع من خلال خليفته بطرس الرسول، وفقاً لأدبيات الكنيسة الكاثوليكية في حين تنص العقيدة الأرثوذكسية ومن خلال المجامع المسكونية السبعة “أن الرئاسة مجمعية وان الرب يسوع في وسط كنيسته فلن تتزعزع.” وهو ليس بحاجة الى شخص فانِ ليخلفه في رئاسة الكنيسة، وان صح ذلك فيجب أن تكون الرئاسة لبطريرك أنطاكية حيث أسس بطرس الرسول كرسيها واستوى عليه كأول بطاركته 8 سنوات من 45 الى53 قبل أن يتخلى عنه الى أفوديوس ويتابع تبشيره في أوربة ويستقر في رومه العاصمة السنة64 ويؤسس بمعونة بولس الرسول كرسيها ويجلس عليه كأول أساقفته حتى استشهاده السنة 66 لقد رحبمثلث الرحمات البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بمثلث الرحمات البطريرك الأنطاكي ابينا أغناطيوس الرابع حين استقباله له في الفاتيكان 1980 قائلاً: “يرحب أسقف ثاني كرسي رسولي أسسه بطرس الرسول بأسقف أول كرسي رسولي أسسه بطرس الرسول.” ودعا ومن خلال البطريرك أغناطيوس الكنيسة الأرثوذكسية إلى الوحدة مع الكنيسة الكاثوليكية فكان جواب البطريرك أغناطيوس رحمه الله قاطعاً:” نحن مع الوحدة ولكننا ضد الاحتواء”
الأسباب المؤدية الى النزعة البابوية الاستيلائية

1- القول بخلافة بطرس الرسول خليفة الرب يسوع، وفي حال القبول بذلك فلأنطاكية العظمى الرئاسة حيث ان بطرس كان مؤسساً لأنطاكية العظمى وهو اول بطاركتها.

2- العقلية العسكرية القاسية عند الرومان التي حاولت قيادة الكنيسة من خلال بابا رومه بعد سقوط رومه بيد البرابرة الجرمان 476 تعويضاً عن قيادة الدولة التي آلت الى القسطنطينية الإمبراطورية الرومية و النزعة الفوقية والاستعلائية في معالجة المشكلات بدلاً من معالجتها بروح المحبة ومحاولات التدخل المستميتة في شؤون الكنيسة الشرقية خلافاً لما قررته المجامع المسكونية المقدسة. ولم يقف الأمر عند الانشقاق الكبير الذي شق جسد المسيح في الكنيسة التي اعترفت بالمجامع المسكونية السبعة.

ولكن كان الأشد ايلاماً هو ما قامت به حملات الفرنجة المدعوة “الحملات الصليبية”، ولعمري إن في هذه التسمية ظلماً لصليب الرب يسوع وللرب ذاته وجرحاً للمسيحيين .لأن ما قامت به هذه الحملات المتعاقبة من ظلم للكنيسة الأرثوذكسية والكنائس اللاخلقيدونية ومحاولات إخضاعها بالحديد والنار لجعلها تابعة لبابا رومه سواء بالتنكيل ببطاركة أنطاكية وأورشليم وأساقفته وكهنتها الذي وصل الى حد القتل، وليس صحيحاً ما يسوق له كتّاب التاريخ المتعصبون من ذوي الأسماء اللامعة في التدريس الجامعي في جامعة دمشق وسواها(الذين بسبب طائفيتهم البغيضة، جعلوا اهتماماتهم منصبة على تزييف الحقائق التاريخية في الكتب التي يضعونها ويدرسونها في الجامعات بكل أسف) من أن هذه الحملات كانت ضد المسلمين في فلسطين، وان حملها راية الصليب كان لاستثارة الحمية الدينية عند المؤمنين في أوربة لتخليص القبر المقدس من المسلمين. ونحن نقول رداً: “لقد كان هدفها الرئيس الذي تبناه ملوك الإفرنج، استعمارياً، وهو امتدادٌ
“للمسألة الشرقية” (كروفر بين الشرق والغرب) التي كانت قد بدأت بغزو داريوس الفارسي لبلاد اليونان قبل الميلاد والرد عليه باجتياح الاسكندر المقدوني الشرق برمته حتى الهند ثم ورثته الإمبراطورية الرومانية وخليفتها الأمبراطورية الرومية وكان المقابل فتح العرب المسلمين لإسبانيا ومحاولاتهم المستميتة لفتح القسطنطينية ونجاحهم في فتح الجزر اليونانية ومالطة في البحر الأبيض المتوسط ثم فتح القسطنطينية بيد محمد الفاتح العثماني 1453 مروراً بالامتيازات الأجنبية في القرون من 16 الى 19 وصولاً للانتدابات في القرن20 .

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس


فيما كان هدف الباباوات الذين جيّشوا ملوك أوربة، كثلكة الشرق المسيحي، أي جعل بطريركيات القسطنطينية والإسكندرية وأنطاكية وأورشليم الأرثوذكسية خاضعة لرومه. وكان الوجود المسيحي في بلاد الشام ومصر يتجاوز 60% من مجموع السكان قبل هذه الغزوات، التي استمرت خلال قرنين لينخفض إلى 20% بعدطرد هذه الحملات الاستعمارية من الشرق بسبب مالحق بالمسيحيين الشرقيين من انتقام وتنكيل من إخوتهم الشركاء في الوطن وبكل أسف، لأنهم اعتُبرواعلى دين هؤلاء الغزاة، فيما لحق بهم من التنكيل بسبب الخلاف العقيدي اشد المنكرات. فكانت منكرات مزدوجة! ولكن علينا ومن باب الإنصاف أن نقول إن هدف بعض الرهبان البسطاء مع أتباعهم من مرافقي هذه الحملات خاصة منهم الفقراء وكانوا قلة، كانوا مساقين بالحمية الدينية التي بثها فيهم هؤلاء الرهبان ومنهم الراهب بطرس الذي دعا “لتخليص القبر المقدس من يد المسلمين”، ولكن ليس من العدالة أن نعمم الجزء على الكل، كما بينا. وفي حقيقة الأمر لقد قامت إحدى هذه الحملات بما يندى له الجبين خجلاً في القسطنطينية ذاتها عندما احتلتها لمدة 70 سنة بدافع مساعدة الأمبراطور للعودة إلى عرشه بعد أن سُلب منه، لقد فعلت المنكرات من تدنيس واغتصاب على مائدتها المقدسة والدخول بسنابك الخيل إليها، وسرقة ذخائر القديسين الموجودة في كنيسة آجيا صوفيا وسواها من الكنائس الأرثوذكسية وقد سعى قادة هذه الحملة إلى تقويض عاصمة الأرثوذكسية “القسطنطينية” باستبدال بطريركها وأساقفته وكهنته بكاثوليك… صحيح أن الروم استطاعوا بعد 70 سنة على احتلالها أن يطردوا الفرنجة منها لكن بات من المؤكد أن هذه الغزوة البربرية للقسطنطينية أنهكت الإمبراطورية البيزنطية ومهدت السبيل لاحقاً للفاتح العثماني السلطان محمد الفاتح في فتح القسطنطينية والقضاء على دولة الروم، وبناء على ذلك لم يعد غريباً إن عيسى العوام الفلسطيني الأرثوذكسي مع رفقته المسيحيين العرب قاتلوإلى جانب صلاح الدين الأيوبي في معركة تحرير القدس من الفرنجة.

ونقول في ردنا على مزيفي التاريخ اولئك الحاليين إن رمز الصليب الذي كان مرسوماًعلى ألبسة وعتاد الجنود الإفرنج كان رمزاً حربياً وليس رمزاً دينياً كما كان النسر رمزاً للدولة الرومانية، والنسر ذي الرأسين رمزاً للدولة البيزنطية. والأدق والأصدق من ادعاءات محرفي التاريخ أولئك الذين ذكرنا بالتورية، والأصدق منا شخصياً هو وصف المؤرخين المسلمين المعاصرين لهذه الحملات لها بأنها “حملات الإفرنج أو الفرنجة” ولم يستعملوا أبداً في كتبهم عن هذه الحملات “تسمية الحملات الصليبية”.  وجدير ذكره أنه لم تفلح تلك الحملات في استمالة أي من الكنائس الشرقية سوى الكنيسة المارونية التي كانت تعيش في جبال وجرود لبنان وتقول بطبيعتين إلهية وبشرية ولكن بمشيئة واحدة للرب يسوع بخلاف الخلقيدونيين(الأرثوذكس واللاتين). واللاخلقيدونيين ( السريان والأقباط…) وكان ذلك الالتحاق برومه قد تم في اواخر القرن الثاني عشر.

ثم جاء “مجمع ترانت” في منتصف القرن 14 الذي أعلن عصمة البابا وأعلن حرباً شنتها “الرهبنة اليسوعية” (جنود البابوية) بقيادة أغناطيوس ليولا ضد البروتستانت والوسائل التي اعتمدتها كمثل محاكم التفتيش والإعدام حرقاً، وقد تحولت هذه الحرب بعد كثلكة أعداد وفيرة من البروتستانت لتقضي على الوجود الأرثوذكسي برمته في بعض مناطق اسبانيا، وخاصة بعد طرد العرب المسلمين من الأندلس ولتقضي على الوجود الأرثوذكسي في السواحل الايطالية الجنوبية والشرقية بكثلكتهم، ولتقوم رهبنات أخرى بكثلكة ثلث الشعب الأرثوذكسي الأوكراني في القرن 16، وإلا فالبيع يتم لتجار الرقيق والمرابين اليهود. والأشد ايلاماً كان عند أرثوذكس القسطنطينية في عام 1453

سقوط القسنطينية الأمبراطور قسطنطين 13 الذي استشهد وهو يدافع عنها
سقوط القسنطينية
الأمبراطور قسطنطين 13 الذي استشهد وهو يدافع عنها

أثناء حصار العثمانيين القاتل للقسطنطينية، أن بابا رومه اشترط على الأمبراطور الرومي قسطنطين الثالث عشر الذي طلب منه تحفيز ملوك أوربة لمساعدته في دحر الغزاة الأتراك عن القسطنطينية، ولكونها تشكل بوابة أوربة، اشترط عليه “حتى يستطيع إقناعهم أن يعترف والبطريرك والكنيسة الأرثوذكسية بخضوعهم الى بابا روميه”. ومع ذلك فقد عض الأمبراطورعلى جرحه لأن ظروفه العسكرية أخضعته ليقبل، بينما خالفه مجمع القسطنطينية ذلك حتى أن أحد أعضاء المجمع صرخ:” بأن أحب الى قلبه أن يرى عمامة السلطان من أن يرى قلنسوة البابا.” وأرسل الأمبراطور قسطنطين الثالث عشر صك اعترافه بالخضوع لرئاسة البابا” فأرسل له عدة مراكب تحمل 800 بحاراً ايطالياً فقط من جنوة رابطوا في مياه البوسفور، ما لبثوا آن فروا من المعركة مع أول طلقة مدفعية أطلقها الأتراك، و تركوا المدينة المسيحية الرمزالتي لم يعرف الوثن طريقه إليها منذ تكريسها وعلى مدى عشرة قرون زاهية من المجد الأرثوذكسي( 320-1453) تواجه مصيرها المحتوم بمفردها مقابل الجيش الانكشاري (الحديث) الأقوى في العالم وقتها والبالغ عدده 150000 مقاتل، مع مثيلهم من المرتزقة والدراويش المقاتلين البرابرة المرافقين الذين تنحصر مهمتهم في تطهير أرض المعركة واسترقاق الرقيق من النساء والغلمان والسرقة والدمار. وكان عدد المدافعين عن المدينة فقط 5000 مقاتل يوناني يقودهم الأمبراطور والبطريرك والمطارنة وسائر الإكليروس وشعب يستنجد بوالدة الواله صارخاً بالترنيمة الخالدة:

ااني انا مدينتك ياوالدة الاله...
ااني انا مدينتك ياوالدة الاله…

” إني أنا مدينتك يا والدة الإله أكتب لكِ رايات الغلبة يا قائدة محامية وأقدم لكِ الشكر كمُنقَذةٍ ِمن الشدائد…” ولكن وبعد خوض المدينة بشعبها وجيشها أروع ملاحم البطولة وعلى مدى 25 يوماً من الدفاع البطولي، استشهدت القسطنطينية عاصمة المسيحية المستقيمة الرأي، واستشهد الأمبراطور والبطريرك والمطارنة والكهنة ومعظم الشعب، وارتكبت بحقها أكبر المنكرات التي يمكن ان ترتكب بحق المدن في التاريخ الحديث، بعدما استباح السلطان محمد الفاتح المدينة لجيشه والمرتزقة المرافقين ولنتخيل مافعل 300000 وحش بشري في مدينة متجلببة بأجمل اناقات الكون وروحانيته، نعم سمح  لجنوده القيام وعبر ثلاثة أيام بكل المنكرات إلا كاتدرائيتها “الحكمة الالهية” التي قال “انها لي”، ثم حولها، وقد استشهدت بنحويلها، الى جامع آيا صوفيا، وفُتحت الطريق أمام الانكشاريون المنتصرون الى اوربة حتى وصلوا الى أبواب فيينا وبدأؤا بدكها بأحدث مدفعية ذاك الزمان، ولولا اتحاد ملوك الغرب وقتها بقيادة البابا (وقد احسوا فعلاً بهذا الخطر الذي نبههم اليه الأمبراطور الشهيد قسطنطين الثالث عشر حين بدأ الأتراك بحصار القسطنطينية)، ودحروا العثمانيين لكانت كل أوربة اليوم تركية كما القسطنطينية.(من يعلم).

الغزو التبشيري

ومنذ القرن16 بدأ الغزو التبشيري من قبل اليسوعيين وسواهم الى الشرق وبلاد الشام متخذين من القسطنطينية عاصمة “بطريرك ملي باشي” منطلقاً لهم، ولما قاومهم البطاركة في القسطنطينية، أوغروا عليهم قلب السلطان من أنهم يتصلون بالروس سراً من أجل تخليص القسطنطينية من الدولة العثمانية، فكان نصيب ثلاثة بطاركة، الإعدام إغراقاً في البوسفور. وأخيراً كان ماكان بنجاح هؤلاء المبشرين بواسطة الأصفر الرنان من اقتناص أبناء من كنائس الشرق، وإقامة تجمعات كنسية مرتبطة ببابا رومه فشقوا الكنيسة في الشرق، وأقاموا كنائس متعادية متراشقة بحرومات، ولعنات كما أقاموا مذابح مستحدثة مقابل مذابح أصيلة وأصبح في كل أسرة افراداً ينتمون الى كنيستين ومتعاديتين بكل أسف، وكل ذلك حباً بالمجد الدنيوي متذرعين بتبشير الشعب بالرب يسوع وبكنيسته، متناسين ان من قاموا بتبشيرهم والأدق القول باقتناصهم ولايزال الاقتناص مستمراً كما كان منذ القرون الثلاثة الماضية بالطريقة ذاتها وهي استغلال فقر الناس كواقعنا الحالي والركوب على الخلافات بين ابناء كل كنيسة ومتناسين ان هؤلاء الذين قاموا ويقومون باقتناصهم ولأنهم مسيحيون أصلاء كما آباؤهم وأجدادهم، لما كانوا قد وقفوا في وجه الاكراه على تغيير ايمانهم بكل ما تمتع به الغزاة…من قوة وبطشولما بقوا مسيحيين.

خاتمة

لايمكن ان تنكر كل المساعي المخلصة التي سعى اليها العقلاء من ابناء الكنيسة الجامعة للعودة فيها الى ان تعود الكنيسة كنيسة واحدة مقدسة رسولية، كما شاء مؤسسها الالهي له المجد. ولكن بكل اسف وعبر الألفين المنصرمين من عمر الكنيسة ولا نزال متفرقين ونزداد تفرقاً وتشرذماً وكما اسلفت بالوسائل ذاتها والمستمرة منذ نيف وثلاثة قرون خلت… وكل منا يتمترس بكنيسته ولا يعترف بشقيقاتها في حين ان الأسباب التي أدت الى هذا الواقع الأليم هي النزعة البشرية بلا شك وحب الرئاسة والمجد الدنيوي فهل نتظر ان يتدخل المؤسس الالهي لكنيسته الرب يسوع له المجد ليعيدها كنيسة واحدة وهي التي بذل دمه المقدس لأجلها وائتمنا عليها أمانة ووديعة؟ ام نبادر الى تنفيذ مايريده بأن تكون كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، ونتخلى عن عثراتنا، بعدما شاركنا جميعاً في اقتسام ثوبه… بينما صاحب الثوب الرب يسوع هو واحد… وهو الكائن قبل الأزل، والآن، والى انقضاء الأجل.


أضف تعليقاً