سورية مهد المسيحيّة

أنا هنا منذ فجر التكوين، حضارتي كانت منذ كان الكون.

شارة الأرثوذكسيالشارة الأرثوذكسية النسر البيزنطي ذي الرأسين
الشارة الأرثوذكسية
النسر البيزنطي ذي الرأسين

على أرضي عاش الإنسان منذ أكثر من عشرة آلاف سنة.

حفرت اسمي على صفحات التاريخ المجيدة.

تبارك ترابي بأقدام الرسل والأنبياء والقدّيسين.

على أبواب عاصمتي ظهر الربّ لشاول، ومن على أسواري هرب بولس الرسول إلى العربيّة وبقي فيها ثلاث سنوات عاد بعدها إلى دمشق.(مشاهدة المزيد…)

باب بولس من ابواب سور دمشق
باب بولس من ابواب سور دمشق

كانت أرضي مسرحًا لأحداث الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد.

أنا مهد اللغة الآراميّة لغة يسوع المسيح التي ما تزال حيّة في معلولا.

تناقلت أخباري أسفار العهد القديم من التكوين إلى صموئيل والملوك وأشعياء وحزقيال وعاموس، وتغنّى الأنبياء بجبالي واقتسمت الشعوب ثرواتي.

عاصمتي الحبيبة المعطّرة بشذا الياسمين والنارنج ورد اسمها في أعمال الرسل الأطهار.

من عربيّتي جاء المجوس مقدّمين المرّ واللبان والذهب لطفل المذود.

من أرضي انطلق الرسل فكنت معبرًا للبشارة السارّة إلى العالم.

وصدحت أصوات أجراس كنائسي معانقة أصوات مآذني.

يا شعبي ماذا فعلت بي؟

دمرّتني عوضًا من أن ترفعني إلى المجد وتكلّلني بالغار.

حرقتني عوضًا من أن تزرع أرضي بالأشجار والأزهار.

قتلتني عوضًا من أن تحييني.

كبّلتني بالحقد عوضًا من أن تزرع المحبّة بين أبنائي.

قطّعت أوصالي وشرّدت أحبّائي بدل أن تضمّهم إليّ.

إلى جلجلة الآلام أخذتني وعلى صليب الأحزان سمرّتني.

قطّعتني أشلاء عوضًا من أن تضّمد جراحي.

أهكذا تكافئني؟ يا شعبي ماذا فعلت بي؟

في هذه الأسطر القليلة نوجز تاريخ سورية المسيحيّ مع أنّنا نعلم أنّنا مهما قلنا لن نوفيها حقّها، ومع أنّنا أيضًا لا نستطيع أن نطمس تاريخًا مجيدًا، أو نتغافل عن دور قام به مسيحيّو سورية عبر الزمن، إذ كانوا المداميك الصلبة التي بُنيت عليها حضارة عريقة دامت قرونًا، ولا تزال هي القلب النابض في مجتمع يؤمن بالتعدّد والتعايش والأخوّة.

سورية المسيحيّة

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق


لسورية مع المسيحيّة تاريخ عابق بالقداسة، ومسيرة مكلّلة بالشهادة لربّ الأرباب وملك المجد. حدودها الجنوبيّة القريبة من الأراضي المقدّسة، جعلت منها ممرًّا لتلاميذ المسيح يسوع ورسله، من بطرس إلى بولس إلى تيمن ويوسي ويعقوب وبرثلماوس وغيرهم كثر. كلّهم انطلقوا من أورشليم إلى حوران فدمشق فالعالم بأسره.

دمشق في العصور الوسطى
دمشق في العصور الوسطى

وفي طريقهم أسّسوا الكنائس والأسقفيّات ونصّبوا الأساقفة، حوّلوا معابد الأوثان إلى دور عبادة للإله الواحد الأحد. من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال وصلت البشارة السارّة، واقتبل سكّان سورية الرسالة الجديدة واعتنقوها. كثر الرهبان والراهبات وبُنيت الأديرة واتّخذ النسّاك من المغاور والكهوف مساكن لهم، ومنهم من عاش حياته زاهدًا على عمود. وبين القرنين الرابع والسادس كانت سورية أغنى مناطق الأمبراطوريّة الرومانيّة، إن من حيث عدد الأديرة والكنائس، أو من ناحية الزخرفة المعماريّة والنحت وأنماط الهندسة.

بصرى
بصرى

أدرك الرومان موقعها الجغرافيّ المميّز، فهي في قلب حركة التبادل بين الشرق والغرب، وهي كذلك حلقة وصل بين حضارات العالم القديم، فاتّخدوها مقرًّا لهم وأعطوا أبناءها حقوق المواطن الرومانيّ، وجعلوا منها بوّابة إلى الشرق الأقصى معتمدين على رجالها الأشدّاء في حماية حدود الأمبراطوريّة. آثارها القيّمة وحجارتها الضخمة خير دليل على ثرائها، من أوغاريت إلى إيبلا وماري وبصرى

كنيسة قلب لوزة في منطقة ادلب
كنيسة قلب لوزة في منطقة ادلب

وطفحة وسرجيلا والأندرين وبراد ودورا أوروبوس وقنوات وإزرع واللاذقيّة وحمص وحلب وتدمر والرصافة وأفاميا، وغيرها من المدن التي نافست مدن العالم بالرقيّ والتي يشهد لها التاريخ بالعظمة والرفعة. فزائر سورية إن قلّب كلّ حجر فيها وجد تحته كنزًا مسيحيًّا.

سورية الحضارة هي التي زارها مرّة تلو مرّة علماء الآثار والباحثون في التاريخ والآثار والتراث، وما تزال إلى اليوم تستقبل البعثات الأثريّة من مختلف الجنسيّات والجامعات لتنقّب في رحابها وتنقذ التراث الدفين بين حبّات ترابها. ومن العلماء والرحّالة الذين توافدوا إليها منذ أوائل القرن الثامن وتركوا مصنّفات للتاريخ تحكي عن تراث عريق، نذكر على سبيل المثال لا الحصر الكونت شارل ملكيور دو فوغويه وجون لويس بوركهارت، وجورج روبنسون وج. لسلي بورتر وهاورد كروسبي باتلر، وجيمس سيلك باكنغهام ووليام جون بانكس…..

الأمبراطور فيليب العربي ابن شهبا وهو اول امبراطور مسيحي
الأمبراطور فيليب العربي ابن شهبا وهو اول امبراطور مسيحي

سورية هي التي شهدت ولادة الأمبراطور فيليبّس العربيّ في شهبا، جنوب دمشق، من أبوين مسيحيّين فكان الأمبراطور المسيحيّ الأوّل قبل قسطنطين، وهو الذي ترأس احتفالات روما بالألفيّة الأولى، وهو الذي منح المسيحيّين في سورية حرّيّة إقامة الشعائر الدينيّة وأوقف اضطهاد المسيحيّين ووظّفهم في الدوائر الرسميّة، فانتشر الإنجيل وازدهرت الكنيسة،.

سورية أرض القداسة منها خرج القدّيسون والقدّيسات والشهداء، سورية أرض إليان الحمصيّ ومكسيموس المعترف وقوزما ودميانوس، وموطن رومانوس المرنّم ويوحنّا الدمشقيّ

القديس يوحنا الدمشقي امين بيت مال المسلمين ( وزير المالية) في العهد الأموي
القديس يوحنا الدمشقي امين بيت مال المسلمين ( وزير المالية) في العهد الأموي

وسلوان الحمصيّ ومارون الناسك، وأفرام السريانيّ وحنانيا الرسول، وأرض أفجانيوس وبطرس الحورانيّين وهيبوليتوس أسقف العربيّة وثيوفانيس المرنّم. تطول اللائحة ولن تكفي هذه الأسطر لتروي بطولات هؤلاء القدّيسين والشهداء الذين كان آخرهم الأبوان باسيليوس وفادي اللذان انضمّا إلى قافلة الشهداء الأبرار. إلى أرواح هؤلاء وإلى روح كلّ صدّيق توفّي على الإيمان أهدي هذه الكلمات.

وصف ابن جبير العاصمة السوريّة دمشق في القرن الثاني عشر1184م، فقال إنّها جنّة المشرق وعروس كلّ المدن التي زارها. ويعود الفضل في ذلك إلى أبناء دمشق النصارى الذين زاولوا الحرف اليدويّة وتعاطوا المهن الحرّة، فكان منهم البنّاؤون والنحّاتون والمهندسون والخبراء في الزخرفة. واحتكر المسيحيّون بعض المهن، وبرعوا فيها كالصياغة وتجارة الذهب والتطعيم بالصدف والفسيفساء والخياطة، وصنع الأحذية والتجارة والصناعة. كما امتلك المسيحيّون في دمشق مخازن ومحالّ تجاريّة كثيرة غصّت بالملابس والحرير والسندس والأطلس والمخمل والأواني النحاسيّة، وكانت لهم حوانيت في أحياء عديدة، وكانوا أحرارًا في ممارسة جميع المهن والحرف.

بيت دمشقي
بيت دمشقي

وكانوا قائمين على مخازن السلاح ومعاملها وهم من شيّدوا أبواب دمشق، وابن عساكر في تاريخه يُرجع بناء باب توما إلى عظيم من عظماء الروم اسمه توما. وشهد الفنّ الدمشقيّ، بعامّة، ازدهارًا منقطع النظير في القرون المسيحيّة الأولى، وانطبع بمظاهر الفنّ اليونانيّ بحيث فرض ذاته على الفاتحين العرب المسلمين، الذين أتوا من منطقة فقيرة ولم تكن لهم ثقافة خاصّة ولا أيّ تقليد فنّيّ. كما طلب الفاتحون، لقلّة خبرتهم الإداريّة، مؤازرة النصارى في الشؤون الإداريّة والماليّة واعتمد معاوية على الجيوش المسيحيّة في معركة صفّين. وحتّى مطلع القرن الثاني الهجريّ بقي كتبة الدواوين مسيحيّين يصرّون على إثبات رسم الصليب على ظهر الرسائل الرسميّة، واشتهر منهم عبدالله بن الصنيعة، المعروف بالصاحب شمس الدين غبريال النصرانيّ، ناظر الدواوين بدمشق، بنيابة الأمير سيف الدين تنكز بن عبدالله الحسامي الناصريّ، نائب الشام في عهد السلطان المملوكيّ الناصر محمّد بن قلاوون ( 712هـ- 740هـ).

واتّجه أوّل الخلفاء الأمويّين إلى اعتماد مهندسين وفنّانين مسيحيّين شيّدوا ما نراه اليوم من روائع فنّ البناء والزخرفة، وعيّنوا في بلاطهم أطبّاء دمشقيّين مسيحيّين ذاع صيتهم. واعتمدوا على المسيحيّين في تعريب روائع الأدب والفكر والعلم والفلسفة، فكانوا صلة الوصل بين العالم العربيّ الناشئ والعالم الغربيّ المتحضّر. وهكذا كانت المسيحيّة وحضارتها إحدى الركائز الثلاث التي استند إليها العرب في بدء حكمهم، والمسيحيّون إذًا هم من صنع ليس فقط مجد دمشق بل عظمة سورية وخلّد اسمها في سجلاّت التاريخ.

الكنائس والأديرة في سورية

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

تتناثر الكنائس والأديرة على الأرض    السوريّة مثل حبّات اللؤلؤ مثلألئة تحت أشعة الشمس، منها ما هو قائم يستقطب المؤمنين من الأديان كافّة، ومنها ما هو أثر بعد عين، وذلك بفعل الحروب وبخاصّة الحرب الأخيرة أو بسبب هجرة المسيحيّين عبر العصور.

ومن النماذج على ما نقوله المدن المنسيّة، أو المدن الميتة، وهي مدن وقرى أثريّة سوريّة ممتدّة في جبال الكتلة الكلسيّة ووديانها وشعابها في شمال غرب سورية، على مساحة 5500 كم2، من قورش (النبيّ هوري) شمالاً وحتّى أفاميا جنوبًا ومن حلب شرقًا وحتّى وادي العاصي غربًا. وهي من أكثر تجمّعات المناطق الأثريّة في سورية، يعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأوّل والسابع للميلاد وأحيانًا حتّى القرن العاشر، وهي من المناطق المهمّة في تاريخ المسيحيّة، وبلغ عددها 800 موقع وقرية أثريّة، منها ما هو مأهول حاليًّا ومنها ما هو خالٍ من السكّان، ويقع معظمها في محافظتي حلب وإدلب، بني فيها في فترة ازدهار المسيحيّة بين القرنين الرابع والسادس للميلاد أكثر من 2000 كنيسة كانت درّتها بازيليك القدّيس سمعان العموديّ التي بُنيت بين 476-491 م كمجمّع دينيّ كامل كان محجّة في الماضي وهو اليوم موقع سياحيّ بامتياز. أحصى المعهد الفرنسيّ لآثار الشرق الأوسط عدد القرى والمواقع الأثريّة في هذه المنطقة من شمال سورية وهو 778 قرية، بينما زاد عدد هذه القرى والمواقع حسب بحث الآباء الفرنسيسكان بقيادة عالم الآثار الكاهن باسكال كاستيلانا، حيث تجوّلوا في جبال الكتلة الكلسيّة وبخاصّة في جبلي الدويلي والوسطاني وقاموا باكتشاف ما لم يكن معروفًا من القرى من قبل ليصبح عددها أكثر من 800 مدينة وقرية أثريّة. والمنطقة من أهم المناطق القديمة الغنيّة بالآثار والمعالم التاريخية، فالتتابع التاريخيّ للحضارات فيها ترك آثارًا عدّة في القرى الأثريّة والتلال التاريخيّة الأثريّة المنتشرة في كتلة الجبال الكلسيّة وعلى امتداد منطقة طولها 140 كلم، وعرض 20-40 كلم. أدرجت منظّمة الأونيسكو هذه المدن  على لائحة التراث العالميّ العام 2011. وتتألّف الكتلة الكلسيّة من سبعة جبال هي جبلي سمعان والحلقة، جبلي باريشا والأعلى، جبلي الدويلي والوسطاني، جبل الزاوية، وتأتي أهمّيّة الكتلة الكلسيّة من كونها واحدة من المجموعات الجغرافيّة النادرة في حوض البحر الأبيض المتوسّط التي تنقل واقع الحياة الريفيّة في الماضي عبر المواقع الأثريّة الكثيرة المنتشرة فيها.

كنائس سرجلة
كنائس سرجلة


ازدهرت معظم مدن المنطقة وقراها في العصرين الرومانيّ والبيزنطيّ بين 64 ق. م و 635 م.، ونذكر منها: براد، فافرتين، دير مشمش، قورش، قلب لوزة، باب الهوا، رويحة، سرجيلا، البارة، وقصر البنات….

بدأ انحدار القرى الأثريّة إثر غزوات الفرس المستمرّة بين 527 م وحتى627 م وقطعهم أشجار الزيتون حيث تعدّ المنطقة هي الموطن الأوّل لهذه الشجرة. منذ ذلك التاريخ بدأت تتفاقم أزمة داخليّة من أسبابها محدوديّة الأراضي الزراعيّة وازدياد عدد السكّان، بحيث ما عادت الأراضي كافية لتأمين معيشتهم. كما أثّرت الزلازل والأوبئة في القرن السادس نسبيًّا أيضًا ما أدّى إلى هجرة تلك المناطق. أضف إلى تلك الأسباب القطيعة التي حصلت بعد الفتح العربيّ الإسلاميّ العام 636 م بعد قيام الأمويّين بغزو القسطنطينيّة من البحر وانقطاع طرق التجارة أمام تصدير زيت الزيتون والكرمة إلى أوروبّا. كما كان للحروب بين الحمدانيّين والبيزنطيّين في المنطقة أثر في تدمير بعض القرى. احتلال الفرنجة الصليبيّين زاد من تدهور حالة القرى آنذاك فهجرت المنطقة إلى السهول الداخليّة وحوّلت بعض مبانيها وكنائسها إلى حصون دفاعيّة. وعادت الحياة في القرن التاسع عشر بشكل بطيء إلى بعض مراكز السكن الرئيسة وتسارع السكن الجديد والزراعة بعد الحرب العالميّة الأولى بفضل زيادة الأمان في الريف وفتح الطرق الجديدة. نما السكن في هذه القرى بشكل عشوائيّ وازدادت الدور السكنيّة المبنيّة بدون ترخيص بين المباني الأثريّة ومن دون رقابة ما أدّى إلى هدم العديد من المباني التاريخيّة الأثريّة المهمّة.

هذا فقط في شمال غرب سورية، فما رأيك عزيزي القارئ لو انتقلنا إلى الجنوب السوريّ، أي إلى محافظتي درعا والسويداء، إلى حوران حيث استقرّت المسيحيّة أوّلاً. في القرن الخامس لم تخلُ قرية واحدة من دار عبادة أو أكثر، وفي القرنين الخامس والسادس بلغت المسيحيّة كلّ قرى حوران ومدنها حتّى أصبح كلّ سكان إقليم العربيّة مسيحيّين، وتكاثر عدد المسيحيّين. وتزايد عدد الأبرشيّات والكراسي الأسقفيّة حتّى بلغ نحو ثلاثين. وانتشر الإيمان المسيحيّ بين القبائل العربيّة. خصّص المسيحيّون الكنائس في مقاطعة العربيّة لوالدة الإله وللقدّيسين والشهداء العظماء أمثال إستفانوس وقزما وذميانوس والقدّيسين الجنود لونجينوس وثيوذوروس وسرجيوس وباخوس، ونذكر أنّ الغساسنة بنوا كنائس كثيرة على اسم القدّيس سرجيوس. وترافق بناء الكنائس بنذر لغفران الخطايا أو لذكر المتوفّين وخلاصهم، وذلك بمساعدة الله والمحسنين والقدّيس الذي تكرّس على اسمه الكنيسة. وكان المؤمنون يتنافسون في تجميل الكنائس في المدن والقرى وفي الأديار.

اشتهرت العربيّة بالحياة النسكيّة وتكاثرت الأديرة ووصل عددها إلى نحو مئة وسبعة وثلاثين ديرًا ما تزال آثار بعض منها قائمة حتّى اليوم، وأهمّها دير شقّة أو دير الشرقيّة الذي يرقى تاريخ بنائه إلى القرن الخامس. من أقدم الأديار وأشهرها وهو مثال للهندسة الديريّة في المنطقة كلّها، كما يعتبره الكونت دو فوغويه. يتألّف من باحة داخليّة يُدخل إليها برواق ومن مكتبة وقاعة اجتماعات كبرى وكنيسة ومساكن للرهبان. على مدخله برجان ما يزال أحدهما قائمًا حتّى اليوم، لكن للأسف، كما في عدد كبير من الآثار، الدير تسكنه إحدى العائلات.

في الجنوب السوريّ لا يمكننا أن ننسى أكثر المباني الأثريّة أهمّيّة، لا يمكننا أن ننسى جوهرة الكرسيّ الأنطاكيّ ومفخرة الكنيسة الأرثوذكسيّة، إنّها كنيسة القدّيس جاورجيوس في إزرع، التي اعتبرها العلماء المثال الأوّل للكنيسة المربّعة وقالوا إنّها فريدة بهندستها ومبنيّة بالحجر البازلتيّ الأسود المحلّيّ. وقالوا أيضًا إنّها تشهد للبناء الدينيّ في العصر البيزنطيّ حيث بلغ هذا الفنّ أوجه وأبهى روعته وإتقانه، وإنّ أشهر كنيسة في حوران عند الروم الأرثوذكس هي دار المعموديّة المكرّسة على اسم القدّيس جاورجيوس في إزرع، والتي أعمدتها الثمانية ما تزال قائمة وتؤلّف مثمّنًا يدعم القبّة. هذه الكنيسة من العام 515 عجيبة غريبة ومهمّة ليس فقط في حوران وسورية إنّما في العالم المسيحيّ ككلّ، لكونها أقدم مثال على مخطّط مثمّن تغطّيه قبّة. ونضيف أيضًا أنّه في العام 2015 ستحتفل هذه الكنيسة بعيدها الخمسمائة بعد الألف، وأنّ كاتدرائيّة آجيا صوفيا في القسطنطينيّة بُنيت على طرازها.

من كنائس الجنوب هناك كذلك كنيسة القدّيسين سرجيوس وباخوس وليونتوس في بصرى التي شُيدت العام 512 ولكنّها لم تصمد بل هوت ولا يبقى منها سوى بعض الجدران والأعمدة.

لن نستطيع في هذه الوقفة أمام تراث سورية المسيحيّ أن نلمّ بمعالمها المسيحيّة كافّة، لكن سنلقي نظرة سريعة على بعض الأديرة المنتشرة في أرجاء الوطن السوريّ.

دير الشاروبيم

دير الشيروبيم / نصب الرب يسوع
دير الشيروبيم / نصب الرب يسوع

وهو قائم على أعلى قمم جبل قلمون شمال دمشق على ارتفاع ألفي كيلومتر، يرقى إلى عصر قديم جدًّا، ربّما في القرن الخامس بحسب التقليد السائد في المنطقة. بقرب الدير كهوف عديدة يُظنّ أنّها تعود إلى حقبة ما قبل التاريخ، وعلى الأرجح أنّ المسيحيّين الأوائل استعملوها كمخبأ لهم قبل تأسيس الدير. في القرن الرابع عشر زاره أحد الأديب العربيّ شهاب الدين العمريّ وقال إنّ الدير بناه البيزنطيّون من الحجر الكلسيّ. في العام 1737 التقى الأسقف الإنكليزيّ ريتشارد بوكوك راهبًا واحدًا في الدير، وقال إنّ الكنيسة بحالة جيّدة وهي صالحة لإقامة الاحتفالات الدينيّة. منذ ثمانينات القرن الماضي بدأت أعمال البناء والترميم، واليوم يرتفع دير الشاروبيم شامخًا ويستقبل زوّاره بحلّة بهيّة.

12381_360920810717453_2105606851_n

يقع دير القدّيس جاورجيوس عند المدخل الجنوبيّ لصيدنايا، وكما هو شأن معظم الأديرة تاريخ بنائه غير مؤكّد، إلاّ أنّ جدرانه تدلّ على قدم عهده. ورد ذكره عند الرحّالة الروسيّ بارسكي الذي يؤكّد قدم الدير بقوله إنّ الكنيسة صغيرة جدًّا وهي رغم قدمها صلبة وبناؤها حجريّ. رمّم المطران جرمانوس شحادة الأبنية في العام 1905 وأسّس فيه مقرًّا أسقفيًّا العام 1912، كما خطّط لبناء متحف تعرض فيه أيقونات يمكلها الدير وتعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر. هجر الدير فترة طويلة وأُعيد إحياؤه في العام 1985.

دير والدة الإله في صيدنايا أشهر معلم أرثوذكسيّ في منطقة القلمون يستقطب الزوّار من مختلف الأديان. يروي لنا التقليد أنّ الأمبراطور يوستينيانوس الأوّل (527 – 565) بناه وبعد أن اكتمل أصبحت أخته ثيوذورا أوّل رئيسة له.

دير سيدة صيدنايا للراهبات
دير سيدة صيدنايا للراهبات

بعد زلزال ضخم ضرب المنطقة أعيد بناء الدير بإذن خاصّ بفضل تبرّعات قدّمها أهل دمشق. يضمّ الدير مزارًا يُعرف بالشاغورة وهو يتألّف من غرفة صغيرة جدرانها مغطّاة بالأيقونات، يُقال إنّ إحداها رسمها الرسول لوقا بيده.

ومن الأديرة التي يؤمّها المؤمنون نذكر دير القدّيس جاورجيوس الحميراء في قضاء تلكلخ، ودير القدّيسة تقلا في معلولا، ودير النبيّ إلياس الريح قرب مدينة طرطوس.

دير القديس جاورجيوس الحميراء الرهباني من القرن الثاني المسيحي في طبقته ماتحت لأرض
دير القديس جاورجيوس الحميراء الرهباني من القرن الثاني المسيحي في طبقته ماتحت لأرض


مهما تقلّبت الأحوال والأزمنة تبقى المسيحيّة في سورية هي الوجه المشرق المفعم بالأمل والرجاء. تبقى المسيحيّة هي الشهادة ليسوع المسيح في هذا الشرق الجريح. ستبقى المسيحيّة في سورية ما دامت عين الله ساهرة عليها. من سورية انطلقت إلى العالم، وفي سورية ستبقى متسلّحة بالإيمان بإله واحد قادر على كلّ شيء.

لولو صيبعة

( نشرته صاحبته في مجلة النور لسان حال حركة الشبيبة الأرثوذكسية، العدد 5 السنة 69 2013 ، وتم نشره في موقعنا هنا بموافقة من الآنسة لولو صيبعة)