مثلث الرحمات البطريرك الكسندروس الثالث

 

من هو

البطريرك-ألكسندروس-االثالث-
البطريرك-ألكسندروس-االثالث-

هو اسكندر بن ميخائيل بن جبرائيل طحان الدمشقي والدته لبيبة، ولد في دمشق في 9أيار سنة 1869 من عائلة أرثوذكسية تقية تلقّنَ فيها حب الكنيسة والوطن.( مشاهدة المزيد…)
في دراسته

أدخله والده للدراسة في « المدرسة الآسية » التي كانت تُدعى بالإضافة إلى « الآسية » بالمدرسة الأرثوذكسية الكبرى، حيث استمر إلى عام 1880. عندما أصبح عمره إحدى عشرة سنة، اتخذه الارشيدياكون ( كبير الشمامسة ) أثناسيوس عطا الله ( مطران حمص لاحقاً ) تلميذاً خاصاً له، وصار يتردد إلى دار البطريركية ويواظب على دروسه في المدرسة

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق


في 10 تموز سنة 1885، التحق بأستاذه الارشمندريت أثناسيوس عطا لله في دير مار الياس شويا البطريركي في ضهور الشوير، بعدما تولّى هذا الأخير رئاسته فمكث هناك مناظراً لأعمال الدير، وفي بيروت أيضاً إلى 25 آذار سنة 1886 حين أقيم الارشمندريت أثناسيوس عطا الله مطراناً على أبرشية حمص وتوابعها على يد البطريرك الانطاكي جراسيموس ( 1885 – 1891

وفي 12 أيار من العام ذاته، ألبسه البطريرك جراسيموس الاسكيم الرهباني وأصبح تابعاً للمقر البطريركي بدمشق. ثم في 15 أيلول من عام 1887 أدخله  مدرسة خالكي اللاهوتية في استانبول كتلميذ قانوني في الصف الأول( وكانت طريقة الإنتساب الى هذه المدرسة اللاهوتية العليا وهي الأولى في العالم الأرثوذكسي وقتها ان يمضي التلميذ صفاً تمهيدياً فإذا نجح في المواد المقرر يُقبل كتلميذ قانوني أو يرفض في حال العكس)

معهد خالكي اللاهوتي في القسطنطينية
معهد خالكي اللاهوتي في القسطنطينية


في 6 شباط سنة 1894، رُسم شماساً في كنيسة الثالوث الأقدس ( في مدرسة خالكي)، وفي 4 تموز من العام ذاته، حاز شهادة معلم في اللاهوت التي كانت تمنحها المدرسة بتقدير ممتاز.

معهد خالكي اللاهوتي في القسطنطينية
معهد خالكي اللاهوتي في القسطنطينية


وبالرغم من تبعيته للمقر البطريركي، كان في الفترة مابين 1894-1897 بمعية مربية مثلث الرحمات مطران حمص عطالله كشماس وواعظ في كنيسة الأربعين شهيد ومدرّس في المدارس الغسانية الأرثوذكسية بحمص.

في 25 أيلول عام 1897، دخل الأكاديمية الروحية في كييف في روسيا القيصرية لتلقي العلوم اللاهوتية العالية واستمر فيها حتى نيسان 1900 .

في كهنوته :

قلنا أنه في 6 شباط سنة 1894 رُسم شماساً في كنيسة الثالوث الأقدس ( في مدرسة خالكي )، وفي 20 نيسان عام 1900 رٌُسم قساً في الكاتدرائية المريمية بدمشق على يد البطريرك الانطاكي ملاتيوس الثاني الدمشقي الذي عيّنه رئيساً للأمطوش الانطاكي في موسكو. وفي موسكو وعلى يد مطرانها فلاديمير، رُقي في نيسان عام 1903 لدرجة ارشمندريت في كنيسة « المسيح المخلص ».

لم يطل الأمر على علمنا حتى انتخبه المجمع الانطاكي المقدس مطراناً على أبرشية ترسيس وأدنة (مرسين وتوابعها) ونال نعمة رئاسة الكهنوت وتسلّم عصا الرعاية عام 1905 في الكاتدرائية المريمية على يد مثلث الرحمات البطريرك ملاتيوس الثاني، لكنه لم يتسلّم مهام أبرشيته عملياً حتى الخامس من تشرين الثاني من ذلك العام يوم وصل إلى مرسين

البطريرك ملاتيوس الثاني
البطريرك ملاتيوس الثاني


في 6 شباط سنة 1906 عاد إلى دمشق بسبب وفاة البطريرك الانطاكي ملاتيوس، وفي 31 كانون الثاني 1908، انتخب مطراناً على أبرشية طرابلس التي  شغرت بانتخاب مطرانها غريغوريوس حداد بطريركاً للكرسي الانطاكي

وفي 2 شباط عام 1913، رافق مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع في الرحلة التي قام بها إلى روسيا لرئاسة احتفالات آل رومانوف بمناسبة مرور 300 سنة على اعتلائهم العرش الروسي وقد زار غبطته وحاشيته السلطان العثماني في استنبول وقلدهم الأوسمة ومنهم علمنا. وحاز وساماً آخر من القيصر الروسي نقولا

في بطريركيته

ما فتئت سلطات الانتداب الفرنسي منذ أول وجودها في سورية تحاول شق الكنيسة الأرثوذكسية (كما ظهر في ترجمتنا للبطريرك غريغوريوس) بأية وسيلة وخاصة بالعزف على نغمة « سوري ولبناني »، لذلك راحت تعمل في الخفية على تقسيم بطريركية أنطاكية إلى بطريركيتين: سورية في دمشق، ولبنانية مقرها بيروت لإضعاف كلمة الأرثوذكس بصفتهم متجذرين في أرضهم وقوميتهم العربية..

وعندما أحسّت فرنسا بأن سياستها غير نافذة في عهد مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس، استكانت ثم استغلت موته عام 1928 لتدقّ إسفيناً أسفر عن حصول انقسام في المجمع الانطاكي المقدس وفي الرعية أدّى إلى انتخاب بطريركين للكرسي الانطاكي في آن واحد هما مطران اللاذقية السيد أرسانيوس(حداد) وقد انتُخِبَ في دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي في وادي النصارى،  ومطران طرابلس السيد الكسندروس (طحان) في المقر البطريركي بدمشق. وعندما نجحت السياسة الفرنسية بهذا الشكل وحصلت الأزمة البطريركية التي شقت الرعية الأنطاكية في ابرشيات الوطن والاغتراب، تم اللجوء إلى تحكيم البطريركيات الأرثوذكسية الرسولية الأخرى (القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم)  فأفتت بصحة انتخاب المطران الكسندروس وفق النظام الاساسي لبطريركية انطاكية وسائر المشرق، ونُصِّب في 30 كانون الثاني 1931 في الكاتدرائية المريمية بطريركاً على الكرسي الأنطاكي المقدس على أن يحتفظ البطريرك أرسانيوس بلقب بطريرك مدى الحياة ويبقى مقره في اللاذقية وتقرر على انه في حال وفاة البطريرك الكسندروس يتولى الثاني البطريركية بدمشق الى وفاته.

البطريرك الكسندروس ورئيس الجمهورية العربية السورية ورئيس مجلس الوزراء
البطريرك الكسندروس ورئيس الجمهورية العربية السورية ورئيس مجلس الوزراء

بعد مرور سنة تقريباً، تدهورت صحة مثلث الرحمات البطريرك أرسانيوس فأُدخل إلى مستشفى القديس جاورجيوس(الروم) في بيروت وقام البطريرك الكسندروس بعيادته هناك مدلّلاً بذلك على موقف نبيل أذهل الجميع وخاصّة سلطات الانتداب التي نصحت أتباع البطريرك أرسانيوس ( وفي مقدمهم المطران زخريا مطران حوران المستقيل والوكيل البطريركي في عهد سلفه البطريرك غريغوريوس) أن يعودوا بعد وفاته إلى حضن الكنيسة ويلتزموا السكينة لأنها أدركت بالتجربة أن ألكسندروس لا يقلّ عن سلفه البطريرك غريغوريوس في قوة الشكيمة وصلابة المواقف الوطنية.

ومن مواقفه الحكيمة أيضاً أنّه قاد السفينة الانطاكية بأمان وسط حركات الانشقاق التي عصفت في عهده والأحداث المحلية والعالمية، من أهمّها الحرب العالمية الثانية، والوجود الفرنسي، ثم حكومة فيشي، فعهد الجلاء، وماتبعه من الانقلابات وعدم الاستقرار وسياسة الأحلاف وغيرها إضافة إلى ظهور انشقاق في الكرسي بقيادة المطران ابيفانيوس زائد مطران اللاذقية ( قبلاً حمص ولاحقاً عكار) وبروز ماسمي « الكنيسة الأرثوذكسية السورية المستقلة » في كل الأبرشيات الانطاكية وكان بحق انشقاق مؤسف، وأدى الى ضعضعة شديدة في الكرسي الأنطاكي المقدس وغذته اصابع الانتداب الفرنسي ايضاً…!

في أعماله

فعندما كان الارشمندريت الكسندروس رئيساً للأمطوش الأنطاكي في موسكو لمدة زادت عن الثلاث سنوات… كان نشيطاً في إتمام واجباته كسفير للكرسي الأنطاكي المقدس وممثلاً للبطريرك الأنطاكي لدى بطريركية روسيا والمجمع الروسي المقدس، وقد عزز العلاقات بين الكرسيين بحكمته ودماثته وحسن تواصله مع الكنيسة الروسية والبلاط الأمبراطوري وسائر الفعاليات الروسية وخاصة مع الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية…

أما على صعيد مقر الأمطوش(السفارة الروحية) رفع من شأن الكنيسة وجمّلها بإتقان التراتيل حتى أصبحت تغصّ بالمصلّين، كما بنى في ساحة الأمطوش محلات تجارية بلغت بدلات إيجارها خمسة أضعاف ما كانت عليه.

لذلك كان يوم وداعه في موسكو يوماً مشهوداً أجمع فيه علية الروس على قدره وقدموا له أجمل الهدايا، اضافة الى عامة الروس المشهود عنهم حبهم للكرسي الأنطاكي المقدس.

ومن حكمته انه عندما انتخب مطراناً على أبرشية ترسيس وأضنة (مرسين) ووصل إلى مرسين مقرأبرشيته الجديدة، أظهر كثيراً من التعقل والمرونة رغماً عما صادفه من رعيتها اليونانية من مضايقات ومقاطعة سببها أنهم كانوا يرغبون بأن يكون مطران الأبرشية يوناني الجنسية، وقد ظهر ذلك جلياً في رسائله (الوثائق البطريركية- وثائق مرسين) إلى البطريرك ملاتيوس وأدى إلى ضيق مادي شديد بسبب تلك المقاطعة!بالرغم من احتضان مابقي من الرعية (التي كانت سورية) له.

أما في طرابلس أبرشيته الثانية، فقد ظل ربع قرن تقريباً يعمل على تطوير مدارسها وتنمية ريع أملاكها بإقامة الأبنية الجديدة إلى جانب بناء دار المطرانية الفخمة التي احترقت أثناء الحرب اللبنانية الطاحنة من عام 1975 حتى اتفاق الطائف، وأخرى مثلها في الميناء ( طرابلس ). خلال هذه المدة، حافظ على حسن العلائق وصدق المودة مع جميع الطوائف وتابع ماكان قد بدأه سلفه المطران غريغوريوس.

ولعل أهم ما انصرف إليه اهتمامه، بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، القيام بتأسيس مدرسة للإناث في مدينة طرابلس (داخلية وخارجية)، واستمرت نحو عشر سنوات تخدم المجتمع بنجاح مطّرد إلى أن غادر عَلَمنا طرابلس وانتقل إلى دمشق إثر انتخابه بطريركاً على الكرسي الانطاكي…

في دمشق، فُتح أمامه بابٌ واسع للإصلاح والتعمير في المقر البطريركي الذي تراكمت عليه الديون في عهد سلفه نتيجة اعمال الرحمة التي قام بها مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس بطريرك الرحمة في إطعام الجياع (أيام سفر برلك كما سبق الحديث) فاضطر علمنا إلى بيع معظم من أوقاف البطريركية ليسدد بقيمتها ماتراكم على البطريركية من الديون وفوائدها الفاحشة من بعد الحرب العالمية الأولى عام 1918الى سنة الوفاء عام 1935…

كان أوّل ماعني به من هذا القبيل أنّه أمّن إيراداً سنوياً ثابتاً لمقام البطريركية عن طريق استبدالبعض المتبقي من الأوقاف (أراضٍ وعقارات) ذات ريعية قليلة أو معدومة بأبنية جديدة ذات ريعية جيدة يكفل لها الاستمرار. ومن الجدير بالذكر أن ريع الأبنية الجديدة التي رعاها وخاصة في دمشق اضافة الى طرابلس وبيروت وضهور الشوير يبلغ الآن أضعاف ماكانت تعطيه الأبنية السابقة. فضلاً عن ذلك قام غبطته بتجديد بناء الكاتدرائية المريمية التي ظهر تصدع شديد في سقفها عام 1953، لأنه استطاع أن يحصل من الحكومة السورية (بحكم علاقاته المتميزة مع اركان الحكومة والبرلمان) على منحة قيّمة ساهمت بهذا العمل الجليل، ولكنه عمل عليها بصمت ودأب بالتعاون مع المخلصين من ابناء الملة، ومنهم عضو المجلس النيابي عن المقعد الارثوذكسي الدمشقي المرحوم الصحفي حبيب كحالة ( صاحب مجلة المضحك-المبكي)

إيماناً منه بالعلم وأهميته، وهو الذي كُنّي بالعلاّمة، أعاد فتح مدرسة دير البلمند الاكليريكية لتخريج مايحتاجه الكرسي الأنطاكي من رجال الاكليروس الأنطاكي، إضافة الى مدارس اللاهوت الأرثوذكسية العالية في خالكي(البطريركية المسكونية وكان من  أقدم خريجيها الكبار، وكُّرِم بهذه الصفة) وأثينا وسالونيك وموسكو وبطرسبرج وسان سيرج في باريس للروس البيض..

أمّا في ميدان الدراسة الرسمية، فقد شهدت مدارس دمشق الأرثوذكسية( الآسية، ويوحنا الدمشقي، ومار نقولا،وحنانيا الرسول في الميدان إضافة الى مدارس ريف دمشق) في عهده تقدماً مطرداً ملحوظاً لأنه اهتم شخصياً كل الاهتمام بتطويرها بحيث تعود إلى احتلال مركز الصدارة كما كانت في عهد محدثها القديس يوسف الدمشقي.

وكان أهم ماقام به بناء ماكان يسمّى « القصر البطريركي » أي الدار البطريركية عام 1953. كان – كما يحكي عنه الدمشقيون وقد رواه لي المرحوم والدي جورج – يتدثّر في الصباح الباكر بمشلحه الصوفي ليراقب بنفسه العاملين في بناء دار البطريركية. كثيراً ما سئل : « لماذا أنت ياسيدنا تقوم بهذه المراقبة وعندك من يقوم بها  وخاصة بهذا الجحو البارد؟ » وكان جوابه الدائم : « أريد إكمال البناء لأراه كاملاً وتطمئن نفسي وأخشى ان أموت ولم يكن قد أُنجز بعد عندها لن يُكمل!». ومن الجدير بالذكر أن هذا البناء الذي توقّف عام 1953 قد أُكمل نهائياً في التسعينات على يد مثلث الرحمات إغناطيوس الرابع الذي كان من همومه الأساسية بناء الإنسان والمؤسسات.

وفي سنة 1945، قصد موسكو لحضور احتفالات تنصيب الكسي الأول بطريركاً على موسكو وكل الروسيا.

وفي عام 1951 قصد أثينا بدعوة خاصة لحضور الاحتفالات بمرور 1900 سنة على تبشير بولس الرسول بالمسيحية.

وفي 15 تموز من العام ذاته، قصد روسيا للمرة الثانية للمطالبة بحقوق الأمطوش الانطاكي في موسكو، وتمكّن من استعادة هذه الحقوق، وزار بهذه المناسبة رومانيا وللغرض ذاته لكنه لم يفلح لأن الحكومة الرومانية اعتبرت الأمطوش الأنطاكي والأديرة التي اُوقفت للكرسي الأنطاكي من املاك الدولة كما زار تشيكوسلوفاكيا وكتلة العالم الشيوعي لتقوية ايمان شعوبها ورئاسة كنائسها الأرثوذكسية  تحت القمع الشيوعي…

في عام 1953، زار قداسة البطريرك المسكوني الشهير أثيناغوراس في استانبول ورئس في تلك المناسبة تخريج أقدم طلاب مدرسة خالكي الذين مازالوا على قيد الحياة بصفته اولهم وأقدمهم وتم تكريمهم بشكل لائق…

في يوبيله

تكريماً لمسيرته النضالية الطويلة في حقلي الكنيسة والوطن، قرّر المجمع الانطاكي المقدس، في دورته المنعقدة بتاريخ 29 تشرين الأول 1953 في دير سيدة البلمند، الاحتفال باليوبيل الذهبي لرئاسة كهنوته فأقيمت الاحتفالات من السبت 3 تموز 1954 لغاية يوم الاثنين 5 تموز 1954 تحت إشراف لجنتين شكلتا خصيصاً لهذه الغاية : 1- لجنة الشرف، 2- اللجنة التنفيذية، ووضعت كلتا اللجنتين تحت رئاسة مثلث الرحمات السيد ثيوذوسيوس أبورجيلي مطران طرابلس ( بطريرك أنطاكية 1958 – 1970)، كما شاركت في اليوبيل وفود من الكنائس الأرثوذكسية وغيرها فكان اليوبيل عيداً حقيقياً بلغت الاحتفالات به ذروتها في القداس الإلهي الذي ترأسه غبطته بحضور رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي ورئيس الوزراء سعيد الغزي ورئيس مجلس النواب د.ناظم القدسي وممثّل رئيس الجمهورية اللبنانية… وكل اركان الحكم من مدنيين وعسكريين في الدولتين واعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى سورية، بالإضافة إلى رؤساء الكنائس الشقيقة الأخرى ومفتي الجمهورية والقاضي الشرعي الأول بدمشق وحركة الشبيبة الأرثوذكسية والكشاف الأرثوذكسي الدمشقي ( الفوج الثاني جاورجيوس) وسائر الجمعيات في دمشق وريفه ومن الأبرشيات الأنطاكية ووفود شعبية منها، وجمع أرثوذكسي غفير غصّت به ساحات البطريركية محبة من الناس لهذا الإنسان الجدير بأن يُعتز به و بإنجازاته على كافة الأصعدة وشملت المنطقة المسيحية في دمشق برمتها وكانت قاعدتا الاحتفالات الكاتدرائية المريمية وكنيسة الصليب المقدس بالقصاع….قيلت فيه الأشعار والمدائح منها قصيدة لمختار بلدة المحيدثة طانيوس خليل الحداد نكتفي ببعض الابيات منها:

” ياجلق ما ابهاك………………………….الشمس على قبابك مالت

وفوق مرابع مغناك……………………….تواريخ المجد توالت

وصار الأقمكار يحاكي………………….فيك اسكندرنا الثالث

وعز الكرسي الأنطاكي…………………والطالع بدل الفضة

تردَّى ياقوت ومرجان”

في وفاته

استمر عَلَمنا يجاهد حتى وفاته في 17حزيران عام 1958 عن عمر ناهز تسعاً وثمانين سنة قضاها في خدمة الوطن والدين. وشارك في مأتمه الرؤساء الثلاثة وكل الفعاليات الرسمية من مدنية وعسكرية واعضاء السلك الدبلوماسي اضافة الى رئيس وزراء لبنان وفعالياته… في الكاتدرائية المريمية.

(ومن ذكرياتي المترسخة انني كنت في السادسة من عمري عند وفاته واصطحبني والدي (رحمهما الله) معه لإلقاء نظرة الوداع الأخير على جثمانه الطاهر في الكاتدرائية المريمية، ومازلت حتى اليوم أذكر أنني – على الرغم من كوني يومئذ دون سن التميّز – شاهدته جالساً على الكرسي والجميع يأخذون البركة من ثيابه ويمينه. حذا والدي حذوهم وأشار إليّ بأن أفعل مثله.)

بذلك الاحتفال العظيم دفن مثلث الرحمات البطريرك الكسندروس الثاث في مدفن البطاركة الكائن في حرم الكاتدرائية المريمية.

في صفاته

عرف أثناء دراسته بالاجتهاد وكان يحتل المرتبة الأولى في صفه. امتاز بتفوقه في الموسيقى البيزنطية حتى استطاع أن يضع، كما قيل، عدة مقطوعات كنسية رائعة وهو طالب. اشتهر بقوة الذاكرة، ولاسيما في معرفة الأشخاص وتذكّر الحوادث، حتى انه كان يستطيع أن يسمّي الشخص باسمه بعد مرور أكثر من 30 أو 40 سنة على لقاء به ولو لمرة واحدة. كان مجلسه مجلس أنس وفكاهة، وحاضر النكتة في أحاديثه الرصينة القوية يخاطبه أو كان محباً للشعر حافظاً لألوف الأبيات. كان يجيد الروسية واليونانية كأهلهما ويتكلم التركية والفرنسية ويفهم الإنكليزية وقد درس اللغتين الأخيرتين على نفسه. كان ممن يهتمون بالعمران، شهدت على ذلك موسكو وطرابلس ودمشق والأديار والصرح البطريركي. ظنه البعض بخيلاً غير أن الواقع دحض هذا الظن. كان لايصرف الأموال إلا عند الضرورة، كما كان شديد الإيمان بالله وبعنايته، وكثيراً ما كان يناجي ربه ليلاً في القضايا العصيبة وما أكثرها في عهده ليستبين المستقبل.

تميز كسائر رجال الاكليروس الأنطاكي والبطاركة بوطنية معروفة شهد بها الأتراك والفرنسيون. كان قوي الشكيمة لايخشى في الحق ملامة، ومن مواقفه الرجولية التي يفاخر بها الدمشقيون أنه ذات يوم اتصل هاتفياً بالرئيس أديب الشيشكلي ليبحث معه أمراً يهم الرعية. وعندما سمع منه رداً لم يرضيه، قال له فوراً وبالحرف:« يا أديب … خليك أديب ».(وكان معروفاً عن الشيشكلي شدة البطش والديكتاتورية) وتقديراً لهذا الموقف الرجولي، قام الشيشكلي بزيارة إلى الدار البطريركية خصيصاً ليعتذر له، عما بدر عنه، وقد انكب أديب الشيشكلي على يد البطريرك مُقبلاً إياها ومُعتذراً (شهادة شفهية من المطران كيرلس دوماط مطران الأرجنتين وكان وقتئذ شماساً لدى علمنا وقد رواها لي في أواخر حياته، وكان بزيارة الى الوطن ونزيلاً في دار البطريركية).

كانت أرثوذكسيته قوية وقويمة بدون تعصب أو ذم بمبادئ الغير.

وفي عهده تم الاتفاق بين الكرسي الأنطاكي المقدس والكنائس الكاثوليكية الشرقية تطبيق التقويم الغريغوري على الأجندة الكنسية الأرثوذكسية باستثناء الصوم الكبير المقدس والقيامة المجيدة وفقاً للتقويم اليولياني وطبق الكرسي الأنطاكي الاتفاق وعُيِّدَ الميلاد غريغورياً…ولكن الاخوة الروم الكاثوليك نكلوا عن تنفيذ ماتعهدوا به واصروا على ان يتم تحديد يوم لتعييد الفصح بموجبه، وبالرغم ممامورس عليه من ضغوطات اصر عليهم لتطبيق الاتفاق، ولكن بكل أسف لم نزل حتى الآن متشرذمين ونسمع هذه النغمة بتحديد يوم وحتى الآن ويترافق مع انتقاد كاثوليكي لاذع بحق الارثوذكس بأنهم يرفضون توحيد العيد…!!! بالرغم من اجازة قداسة بابا رومة للكنائس الكاثوليكية الشرقية تعييد الفصح ارثوذكسياً لكونهم أغلبية مسيحيي المشرق…! ( انظر مقالنا عن تطبيق التقويم الغريغوري في موقعنا هنا)

كان ينام قليلاً ويأكل قليلاً اعتقاداً منه بأن قلّة الطعام تساعد على تجنب الأمراض، وكان جلوداً على العمل أكثر من الشباب. في الفترة مابين 1903 و1945حاز مايزيد على الستة عشر وساماً من الحكومات العثمانية والروسية واليوغوسلافية والفرنسية والسورية و اللبنانية كان آخرها وشاح القبر المقدس الأكبر ووشاح القديس مرقص الأكبر 1945. فاز ببراءة الدكتوراه 1950من روسيا، وبراءة الدكتوراه في اللاهوت من معهد بوخارست اللاهوتي سنة1951.


أضف تعليقاً