البطريرك ملاتيوس الثاني

الشعار الرومي (لشعار الرومي (البيزنطي) الشعار الأرثوذكسي
الشعار الرومي (البيزنطي)
الشعار الأرثوذكس

هو البطريرك العربي الأول بعد فترة البطاركة اليونانيين 1724 – 1898 وهو من وضع أسس وركائز البطريركية الأنطاكية بواقعها الحالي، والتي سبق للعلامة أبي خلدون ساطع الحصري أن وصف حادثة التعريب هذه بأنها أساس للنهضة العربية التي تتوجت باستقلال بلاد الشام والمنطقة العربية عن الدولة العثمانية مشيداً بدور المسيحيين العرب في هذا التعريب والاستقلال لاحقاً.(1)( اقرأ المزيد…)

البطريرك ملاتيوس الثاني
البطريرك ملاتيوس الثاني

السيرة الذاتية

هو ميخائيل بن موسى الدوماني( الدمشقي)، ولد في 8 تشرين الثاني سنة 1837 في مدينة دمشق القديمة، في محلة الجورة بمنطقة باب توما القديمة، وهي تقع إلى اليمين من الباب الأثري في حارة دعيت بالجورة، كونها كانت منخفضة في دمشق القديمة، وكانت تعيش فيها أغلبية مسيحية أرثوذكسية تميزت في معظم عائلاتها بأنهم من الميسورين، وتعيش معهم أقلية مسلمة شيعية بحب ووئام واحترام. وهذا ما تطبع به علمنا من حب للآخر والانفتاح عليه وتفهمه.

باب توما
باب توما

كانت عائلته كمثل عائلات ذاك الزمان متمسكة بإيمانها القويم وممارسة لطقوسها في مريمية الشام والكنيستين الأخريين : مار نقولا، وكبريانوس ويوستينة، الواقعتين في الصرح البطريركي وقتئذ. لذا فانه ومنذ نعومة أظفاره ارتسمت على محياه سمات التقوى المتصلة إليه وراثة من عائلته، والحائز عليها اكتساباً بممارسته والعائلة للطقوس من صوم وصلاة وتعبد. ولما ترعرع أدخله والداه في “المدرسة الأرثوذكسية الدمشقية – المدرسة الآسية الأرثوذكسية” التي كان قديس دمشق الخوري يوسف مهنا الحداد قد أعاد فتحها(2) عام 1836 ، كما أعاد تنظيمها وفق المدارس الأوربية بعدما أخرجها من واقع الكتاتيب(3) فأخذ منها ميخائيل في طفوليته وحداثته مبادئ اللغات العربية واليونانية والتركية والإيطالية وبقية مبادئ العلوم والمعارف، في مرحلتها الابتدائية. وتابع في دراسته الرشدية ( الإعدادية ) ثم الثانوية (في مفهومنا حالياً) وظهرت فيها مواهبه وتفوقه العلمي، إضافة إلى نمو ملحوظ في روحانيته وانتمائه الكنسي وخدمته وترتيله في الكنيسة، حيث شاء الله أن يعدّه أميناً على تعاليمه، وراعياً لخرافه الناطقة في المرحلة القادمة من حياته، فمال بكل عواطفه إلى التوشح بالأسكيم الملائكي (الرهباني).

الخوري يوسف الحداد القديس يوسف الدمشقي
الخوري يوسف الحداد
القديس يوسف الدمشقي


دراسته اللاهوتية وكهنوته

تتلمذ في المدرسة الاكليريكية العليا وهي القسم اللاهوتي الجامعي في مدارس الآسية في دمشق والتي كان قد أحدثها الخوري يوسف مهنا الحداد باني النهضة الأنطاكية ( القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي) وقتئذٍ  وكانت كلية لاهوتية جامعية بالقياس على كليات ومعاهد اللاهوت حالياً، وكانت بإدارته وقد ضم إليها والى مدرسة الموسيقى الرومية العليا التي أحدثها أيضاً بمباركة من البطريرك ايروثيوس، وبعم مالي وعيني من تلميذه القديس المنسي ديمتري شحادة الصباغ الدمشقي المقيم في اسطنبول بقصد العمل (4) وكانت هذه المدرسة أيضا بمثابة أكاديمية عليا للموسيقى الكنسية، وذلك لتطوير الترتيل الرومي في الكاتدرائية المريمية والكنائس الدمشقية الأخرى خصوصاً، وفي أبرشيات الكرسي الأنطاكي الأخرى عموماً ، وكان قد أحدثها وضم اليهما 12 طالباً اكليريكياً كانوا هم من أسس للنهضة الأنطاكية، وفي مقدمهم كان الراهب ملاتيوس الدوماني فاستنفد  علمنا علوم هاتين المدرستين واتشح بالأسكيم الملائكي سنة 1857 ونال من البطريرك الأنطاكي ايروثيوس الذياذوخوس 1850 -1885  عناية خاصة فاعتبره من أمانة سره وأخذه معه في (17 أيلول سنة 1858).    من ضمن حاشيته البطريركية المرافقة له إلى  القسطنطينية، وكان هناك مجمع أرثوذكسي بدعوة من البطريرك القسطنطيني وضم الإسكندري، والأنطاكي، والأورشليمي، للتباحث في أمور تهم العالم الأرثوذكسي والكنيسة الأرثوذكسية الواقعة في دائرة الدولة العثمانية. وهناك لفت انتباه  البطاركة الأربعة، نظراً لمواهبه العلمية وروحانيته وصوته وأدائه الكنسي الجميل حتى أنه رُسم من المطوّب الذكر البطريرك الأورشليمي كيرلس شماساً بإرادة من معلمه البطريرك الأنطاكي  السيد ايروثيوس وذلك في يوم أحد العنصرة الواقع في 22 أيار سنة 1860.

أسقفيته

عاد مع معلمه البطريرك الأنطاكي ايروثيوس سنة 1861 إلى بيروت. ومنها إلى دمشق بعد نكبة مسيحييها في مجزرة 1860 وكان البطريرك ايروثيوس يقدر أتعابه فكلفه بإدارة ضبط وتوزيع التعويضات التي قدمتها الدولة العثمانية للمسيحيين الأرثوذكسيين المنكوبين في دمشق بهذه النكبة والتي توزع بمعرفة رئاساتهم الروحية(5). واستطاع وبفضل من أمانته إحقاق الحق بتوزيع هذه المعونات التي كان يتلاعب بها الوكيل البطريركي المطران ايوانيكيوس مساميري.

مجزرة 1860 ودمار الأحياء المسيحية في محيط مريمية الشام
مجزرة 1860 ودمار الأحياء المسيحية في محيط مريمية الشام

قد حقق محبة الرعية الدمشقية كلها التي كانت تعرفه حق المعرفة من خلال أسرته أولاً ومن خلاله لاحقاً، وما قام به لمصلحتها في محنتها، ولذلك فإن معلمه الذي كان بدوره يقدر أتعابه، وتنفيذاً لرغبة الرعية به، أخذ يرقيه في درجات الكهنوت، فرقاه أولا قساً، فكاهناً بحجر( منحه قبول سر الاعتراف)، ثم رفعه إلى رتبة ارشمندريت، فكان كاهناً حقيقياً أحبته الرعية، وبادلها الحب ذاته، إضافة إلى خدمته في دار البطريركية بدمشق، وأبرزها أمانة سر البطريرك. فلما ترمّلت أبرشية اللاذقية سنة 1865 بوفاة مطرانها، رشحه لرعايتها، فانتخبه مطارنة الكرسي الأنطاكي وقتئذ بالإجماع، ورُسم مطراناً في تشرين الثاني سنة 1865. وجاء إلى أبرشيته في 5 كانون الثاني سنة 1866.

أعماله في اللاذقية

كانت أبرشية اللاذقية من أفقر الأبرشيات الأنطاكية، فاستلم مهامها وجمع أوقاف كنائس اللاذقية إلى سجل واحد لتنظيمها، وحصرها خدمة للأبرشية ومشاريعها، وأسس فيها مدرسة للذكور يعلم فيها العربية والفرنسية واليونانية وغيرها… وخصص وإرادات الأوقاف للمدرسة، واعتنى بترميم الكنائس في المدينة والقرى،

مطرانية الروم الأرثوذكس في اللاذقية
مطرانية الروم الأرثوذكس في اللاذقية

وإعادة تعميرها مجدداً، فجدد وأعاد إعمار سبع كنائس في الأبرشية(6). وفي سنة 1869 منحه السلطان العثماني عبد العزيز الوسام المجيدي من الطبقة الرابعة، كما منحه ملك اليونان جورج وسام صليب المخلص الذهبي. وقد اتصف بصفات رعوية منها انه كان لين الجانب، متواضع، قنوع، نزيه، كريم، مهاب الطلعة، ملبٍ للنداء يسبق فعله قوله، تقي يمتاز بغيرة متقدة على ترقية رعيته بالعلوم والمعارف ونجاحها. فهو لم يكن يبالي بالمال من أجل النفع العام، وقد سهر الليالي في هذا السبيل. ومع أن واردات الأوقاف كانت لا تفي بنفقة المدرسة فقد ثبتها بمساعيه مسدداً عجز ماليتها من  ماله الخاص (وكان كما عرفنا أنه ابن عائلة دمشقية ميسورة) وقد اعتمد نهجاً لتخفيف نفقات المدرسة ومصاريفها، وهو قبول أساتذتها ومعلميها في أكثر السنوات مقيمين في دار المطرانية على نفقته ومائدة المطرانية. وكان يسعى بشتى السبل لتمد الجمعية الأمبراطورية الروسية – الفلسطينية الأرثوذكسية (7) وزيادة في اهتمامه بنشر العلوم الروحية الأكاديمية في شباب رعيته، فأرسل على نفقته الشخصية الشماس جراسيموس مسرة من اللاذقية، والأستاذ باسيل جبارة من دمشق إلى مدرسة خالكي اللاهوتية في اسطنبول، وبرعاية وإنفاق أحياناً من رفيق دراسته في الآسية السيد ديمتري شحادة الصباغ الدمشقي المقيم في القسطنطينية، وبمتابعة حثيثة من الأخير الذي ساهم في قبولهما وقبول الشماس روفائيل هواويني الدمشقي( القديس) وغيرهم، وكان وكيلاً عنه، وعن بقية المطارنة في تدبير أمور الطلبة الموفدين من سائر أرجاء الكرسي الأنطاكي للدراسة في هذه الجامعة اللاهوتية الأرثوذكسية الأعلى في العالم وقتئذ – خالكي فنال مسرة وجبارة شهادتها العليا وعادا إلى اللاذقية الأول شماساً ومديراً ومدرساً في مدرستها وواعظاً في كنائسها(8)، والثاني مدرساً في مدرستها وهو شقيق مطران حماة.

بطريركيته

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكاتدرائية المريمية بدمشق

انتُخب بطريركاً على أنطاكية عام 1898 بعد الحراك الشعبي الدمشقي الأرثوذكسي ضد البطريرك اسبريدون اليوناني الذي أكره الأخير على الاستقالة. ( وكان قبلاً قد رُشح للبطريركية إثر وفاة البطريرك ايروثيوس عام 1885وكان عميداً للمطارنة في المجمع وأقدم أعضائه، وقائدًا للحراك الشعبي الدمشقي وفي الأبرشيات الأخرى، المقيم في الوطن والمغترب عنه وفق مراسلات السيد ديمتري حيث كان للأخير الدور القيادي في إسقاط اسبريدون وانتخاب ملاتيوس، وكان لديمتري ايضاً دوراً في الحراك المجمعي بين مطارنة الكرسي وجميعهم من رفاق دراسته ولكن كان الدور الرئيس فيه للشماس جراسيموس مسرة الذي انتقل إلى دمشق لخدمة البطريرك ايروثيوس. ولكن لم يحالفهم النجاح وقتها، بسبب ماحيك من وراء الستارة بهدف إبقاء الكرسي الأنطاكي محصوراً ببطاركة يونانيين، وانتخب وقتها البطريرك جراسيموس وهو من رهبنة القبر المقدس الأورشليمية)(8)، وخلفه البطريرك اسبريدون الذي استقال نتيجة الضغط الشعبي في الشارع

الدمشقي…وانتَخَبَ السيد ملاتيوس من أعضاءُ المجمع الأنطاكي المقدس بشبه إجماع عام 1898، عدا ثلاثة مطارنة يونانيين رفضوا انتخابه وما لبثوا أن استقالوا من أبرشياتهم، هم مطارنة حلب وارضروم وكيليكيا، وتركوا الكرسي الأنطاكي احتجاجاً على هذه النتيجة. ونظراً لنفوذ البطريرك القسطنطيني لم يُصدر السلطان العثماني مرسوم تثبيته كالعادة، إلا بعد سنة. وبعدما بذلت جهودٌ جبارة من قبل كمال بك قزح وكيل الكرسي الأنطاكي في الأستانة، فصدرت الإرادة السلطانية المثبتة لبطريركية علمنا، وجرى تنصيبه في الكاتدرائية المريمية في 31 تشرين الأول باحتفال غير مسبوق شهدنه دمشق عام 1899.

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس


أعماله البطريركية

اهتم البطريرك ملاتيوس أولاً بالمدارس الأرثوذكسية في أبرشية دمشق كالآسية ذكور وإناث، ومار نقولا… و كذلك في سائر أرجاء الكرسي، نظراً لحبه الشديد للتعليم وإيمانه بأن الرقي المنشود للكنيسة يقضي برفع سوية التعليم العام والديني( كما مر). كما اهتم بالأوقاف، وتنمية مواردها. وأعاد فتح مدرسة البلمند الاكليريكية في عام 1900، وجاء لها بالأساتذة اللاهوتيين الكبار من اليونان وروسيا. كما اهتم بالأوقاف في دمشق وفي الأديار البطريركية وسائر الأبرشيات، وتنمية وارداتها للإٌنفاق على خطواته التحديثية في المجالات كافة. كما أنه واكب إحداث كنيسة للرعية ومقر لمدرسة القديس يوحنا الدمشقي في حي القصاع الناشئ وقتئذٍ، وأقيمت بتوجيهاته أخوية للسيدات في كنيسة حي القصاع للصلاة ومتابعة الفقراء ومدهم بالإحسان وهي الأساس الأخوية الحالية( أخوية السيدات الأرثوذكسيات) في كنيسة الصليب حالياً. والأكبر مع وجود أخويتين أخريين للسيدات…

وكان علمنا قد زار أبرشيات الكرسي الأنطاكي المقدس، ومنها زيارته لأنطاكية ولواء الاسكندر ون وكيليكيا عام 1900، بحراً من بيروت، فالأبرشيات الساحلية (حيث خُلدت زيارته تلك لما قدمه إلى كنائسها من تقدمات كنسية وآنية وأيقونات… (عايَّنا بعضها في زيارتنا إلى أنطاكية والاسكندرونة وكيليكيا بمعية مثلث الرحمات البطريرك أغناطيوس الرابع وقد دَّونا ذلك في كتابنا عن تلك الزيارة التاريخية التي تمت بعد مرور 92 سنة على زيارة البطريرك ملاتيوس إليها، المطبوع بدمشق عام 1994) ثم منها عاد إلى بيروت بحراً. وتابع جهاده في سبيل الكرسي الأنطاكي بالرغم من مقاطعة شاملة ووقف الشركة مع الكرسي الأنطاكي من قبل الكراسي الأرثوذكسية اليونانية:( القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم…)

وفاته

توفي غبطته بسكتة دماغية مفاجئة لم تمهله، ودفن باحتفال لائق في مدفن البطاركة في حرم الكاتدرائية المريمية، وكان ذلك عام 1906.

والحق يقال أنه لولا وفاته مبكراً لكانت إصلاحاته أشمل وأعم، وقد خلفه خير خلف هو مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع..

الحواشي

1- د. جورج جبور رأي في تعريب السدة البطريركية الأنطاكية

2- سيرة الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي (انظرها في موقعنا هنا).

3- المصدر ذاته. ومفردها كتَّاب: وهي أشبه بمدرسة بدائية كان يعلم فيها شيخ الحارة الأولاد مبادئ القراءة والكتابة.

4 – المصدر ذاته. وكان قد انتقل عام 1844 للعمل في اسطنبول وبقي هناك حتى السنة1890 ونحن بإذن الله بصدد طباعة كتاب عنه.

5- بواسطة لجان خاصة دعيت قومسيون التعويضات ( الوثائق البطريركية )

6- وثائق أبرشية اللاذقية.

7- المصدر ذاته. وسنفرد قريباً بحثاً ضافياً عن هذه الجمعية.

8- المصدر ذاته.

9- البطريرك جراسيموس 1895-1892 استقال بعد انتخابه بطريركاً على الكرسي الأورشليمي، وخلفه البطريرك اسبريدون وهو من رهبنة القبر المقدس ذاتها، واستقال هو الآخر بضغط شعبي من رعية دمشق عام 1898.


أضف تعليقاً