ميخائيل نقولا كليلة الدمشقي

 

نبذة في السيرة الذاتية

شعار الكرسي الأنطاكي المقدس
شعار الكرسي الأنطاكي المقدس

– وِلِدَ ميخائيل نقولا كليلة الدمشقي في دمشق، منتصف آذار عام 1838، في أسرة تقية ممارسة للصلاة والطقوس الأرثوذكسية. أدخله والده مدرسة الطائفة (الآسية) التي كان قد أحدثها الخوري يوسف مهنا الحداد) ( الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي). ثم توفي والده وكان هو لم يتجاوز السابعة من عمره، فانصرف الى العمل بالحياكة حتى عام 1852، عندما اختاره معلمه الخوري يوسف الحداد ليكون من ضمن 12 تلميذاً كانوا نواة المدرسة الإكليريكية العليا التي كان قد افتتحها عام 1851، بعدما أقنع البطريرك ايروثيوس (1850 -1885 ) فانصرف بكل طاقته إلى دراسة العربية وآدابها مع اليونانية.(مشاهدة المزيد…)

الخوري يوسف الحداد القديس يوسف الدمشقي
الخوري يوسف الحداد
القديس يوسف الدمشقي

ميخائيل كليلة معلماً في الآسية

في عام 1858 عيّنهُ البطريرك ايروثيوس أستاذاً لبعض فروع العربية والرياضيات في مدرسة الآسية، فاستمر في عطائه التربوي إلى حين وقوع الكارثة المدمرة للوجود المسيحي في دمشق ومحيطها عام 1860…

نبذة في مجزرة مسيحيي دمشق 1860

بدأت المجزرة الطائفية في دمشق على المسيحيين(بعدما كانت قد بدأت في زحلة ودير القمر وجبل لبنان والبقاعين الأوسط والغربي) من 28 حزيران ش = 10 تموزغ 1860الى 30 حزيران ش =12 تموزغ، يوم نُكب مسيحيون دمشق مع من التجأ إليهم من إخوتهم المسيحيين سكان جبل الدروز وجبل الشيخ( حيث الأكثرية درزية فيهما) بهجوم الرعاع من المسلمين الدمشقيين، وقد تعرضوا جميعاً للقتل والهلاك، ودُمرت ممتلكاتهم ونهبت أرزاقهم وهتكت أعراض نسائهم، ولم يبق للقلة التي بقيت حية أي مكان لها تلتجئ إليه احتماء من الفناء، بعدما دمرت بيوتها في حي المسيحيين بدمشق القديمة بالكامل. ونذكر بفخر ماقام به مسلمون أشراف من أعيان دمشق ومن فقرائها فتحوا بيوتهم لإيواء المسيحيين وحمايتهم ، تحت خطر الاعتداء عليهم من قبل الرعاع والأكراد بقيادة شمدين أغا ومن قبل الجنود الأتراك، وبدلالة من اليهود الذين كانوا يقدمون الماء المثلج للمعتدين ثم يدخلون الدور المحروقة مع الرعاع ليأخذوا التحف الرائعة التي كانت تذخر بها

من بيوت المسيحيين في دمشق قبل دمارها في فتنة 1860
من بيوت المسيحيين في دمشق قبل دمارها في فتنة 1860

بيوت المسيحيين، أوليشتروها من هؤلاء الرعاع بثمن بخس(وكان من عادة المسيحيين الدمشقيين تجميل منازلهم لتكون لهم متنزهاً، سيما وأنهم كان ممنوعاً عليهم الترويح عن النفس في المتنزهات المحيطة بدمشق وقتئذ). أما قلعة دمشق فكانت الملاذ الوحيد لالتجاء المسيحيين المنكوبين إليها التي كان الأمير العظيم والوطني العربي الشريف المؤمن بربه عبد القادر الجزائري( طيب الله ثراه)وجنوده المغاربة يحمون المسيحيين الذين نقلوهم من أحيائهم المدمرة إليها من المعتدين. هؤلاء الشجعان كانوا يتولون أيضا الدفاع عن المسيحيين، ليس فقط من الرعاع المسلمين،بل ومن الدروز والأكراد الوافدين من أحياء دمشق وقرى غوطتها، بل ومن جبل الشيخ وجبل الدروز، وقد توافدوا ليها، وأحاطوا بحي المسيحيين اي المنطقة الممتدة من الشاغور مقابل سوق البزورية الى باب الشرقي شرقاً مروراً ببطريركية الروم الأرثوذكسية في محلة الخراب ونزولا الى قرب باب السلام في منطقة الفرايين الى باب توما شمالاً، وهم مسلحون بكل ماتمكنوا من اسلحة بمافيها المناجل والفؤوس…

وكانوا يتسلحون منذ ماقبل هذه المذبحة التي استمرت 3 أيام بلياليها، و5 أيام في مصادر أخرى. بل وكانوا مواكبين من الجنود العثمانيين الذين وفروا لهم الحماية، فيما كان يتوجب العكس على هؤلاء الذين كان يفترض بهم حماية هؤلاء المسيحيين المنكوبين العزل في بيوتهم ومعظمهم من النساء والأطفال بل انصرف همهم جميعاً الى هتك أعراضهم واختطافهم سبايا.

بناء مدرسة الآسية بعد دماره في مذبحة 1860
بناء مدرسة الآسية بعد دماره في مذبحة 1860

دوره في الدفاع عن المدرسة والتلاميذ

يوم بدأت المجزرة ظهراً كان علمنا آنذاك في مدرسة الآسية، فقام بالذود عن تلاميذها ضد المهاجمين الذين حاولوا الدخول الى المدرسة، بالرغم من إطلاق النار بكثافة على المدرسة لقتل تلاميذها والقائمين عليه. وكانوا يرمون أبنية المدرسة بكرات النار المشتعلة فاستطاع ومعه الكادر التدريسي البسيط الأعزل من السلاح من صد المعتدين وإطفاء النيران ببسالة، والاعتناء بالتلاميذ. ولكنه لما أيقن أن المدرسة واقعة بيد المعتدين لا محالة، ولم يكن أمامه أي مجال سوى الخروج بالتلاميذ منها، ونقلهم الى قلعة دمشق. حيث سار بهم تحت خطر القتل الى أن بلغ بهم قلعة دمشق (وكان إنقاذهم على يديه كمعجزة إلهية، ويقال انه سار بهم في منطقة العمارة القديمة حيث كان بيت ثان للأمير عبد القادر الجزائري مخفور من اتباعه كما روت لي احدى حفيدات هذا المير الشهم) وكانت قلعة دمشق،وكما أسلفنا، كان تغص بالمنكوبين ممن بقي حياً من مسيحيي دمشق وريفها… فيم بقي مساعدوه يدافعون عن المدرسة التي دمرت أبنيتها بالكامل بعدما شبت فيها النيران، ولقي المدافعون عنها حتفهم ونالوا إكليل الشهادة. وهنا نعود لنؤكد على الدور المشرف الذي لعبه العديد من أعيان ووجهاء ومشايخ المسلمين الدمشقيين في دمشق القديمة عموماً، وفي محلة الميدان خصوصاً في إيقاف المعتدين، إضافة الى ماقام به تحديداً أتباع الأمير عبد القادر الجزائري في ردعهم مع بعض قادة الحامية العثمانية العرب الشرفاء، الذين كانوا يتولون حماية بعض مداخل حارات حي المسيحيين، وإغلاقها في وجه المعتدين… وفعلاً تمكنوا من منعهم في أول الأمر، ولكن لموقفهم الوطني والانساني هذا، كان نصيبهم وقتئذ العزل والنقل بقرار من والي دمشق أحمد باشا الذي كان هو المدبر لهذه المجزرة والحشد لتنفيذها، أومن قادتهم الأتراك جزاء لهم على إنسانيتهم ووطنيتهم. كما يتوجب علينا أن نذكر بالخير أن هؤلاء الأشراف من أعيان دمشق ومشايخها والأميرعبد القادر كانوا يقومون مع أتباعهم بإطعام المنكوبين في قلعة دمشق على نفقتهم اضافة الى حماية نسائهم واولادهم من خطر الاغتصاب بيد العثمانيين والرعاع المتسللين بينهم!!! وخاصة منهم الذين فقدوا رجالهم شهداء… حتى توقفت الفتنة الطائفية وماتم لجل عودة من تبقى حياص منهم الى بيته اوحيه او بتدبير مساكن بديلة من قبل فؤاد باشا الوالي الذي ارسلته الحكومة العثمانية لضبط الأمور بعدما تدخلت جيوش الدول الكبرى ووصول القوات الفرنسية الى سهل البقاع فيم ضرب الأسطول الروسي ميناء بيروت وحاميتها العسكرية العثمانية.

أعاد علمنا ميخائيل كليلة التلاميذ الى من تبقى من ذويهم سالمين بعد توقف المذبحة، أما من استشهد ذووهم فقد بقي يتعهدهم الى أن تيسر له ترتيب أمورهم، سواء بإيداعهم مؤقتاً في الميتم المحدث وقتئذ لهذه الغاية، أو بإرسالهم مع من هاجر الى بيروت أولاً، ثم الى مصر والسودان، والمقلب الآخر من العالم أميركا، وكانت هذه الحادثة التاريخية المشؤومة هي السبب في بداية الهجرة إليها.

في مصر

سافر علمنا الى مصر مع من سافر، لاسيما وان المدارس الأرثوذكسية الدمشقية (الآسية ومار نقولا ومدرسة البنات) كانت مدمرة بالكامل كما دار البطريركية والمريمية وكنائسها الملحقة مار نقولا، وكبريانوس ويوستينا…

في مصر حيث تم تعيينه أستاذاً للعربية والحساب والجغرافيا في المدرسة العبيدية بمصر الى عام 1862.

ميخائيل كليلة وكيلاً للمدارس الأرثوذكسية الدمشقية

في عام 1873 عاد الى دمشق وتولى إدارة محل تجاري فيها ، ونظراً لمناقبيته في التعليم، ودفاعه المشرف عن المدرسة وتلاميذها في مذبحة 1860، فقد أجمعت كلمة رعية دمشق الأرثوذكسية على توّليه مع الياس بك القدسي ” وكالة المدارس الطائفية” اي عمادة المدارس الأرثوذكسية( الآسية – مار نقولا) فأدخلا المدارس في عهد

ميخائيل كليلة الدمشقي الأول من اليمين في الصف الثاني
ميخائيل كليلة الدمشقي الأول من اليمين في الصف الثاني

زاهر، ووضعا قانوناً لها مع مناهج للتدريس، كما تعهد علمنا أوقاف هذه المدارس وأهمها أوقاف الآسية بالإصلاح، فزاد ريعها زيادة كبيرة، وطوّر مناهجها لتواكب عصر التنوير الذي كان قد بدأ في بلاد الشاموقتئذ، وليكمل ماكان قد بدأه معلمه القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي من تحديث وتطوير، ومنها اختيار المدرسين والمعلمين الأكفاء، فأقبل عليها الطلبة من كل أبناء دمشق ومنهم نسبة كبيرة من المسلمين واليهود.

طلاب مدرسة الآسية
طلاب مدرسة الآسية


ثم تنحى عن الوكالة مدة 6 سنوات، ليعود بعدها بضغط من الشعب الدمشقي الأرثوذكسي والكهنة والمجلس الملي البطريركي، وحتى من البطريرك ايروثيوس ذاته كما أن السيد ديمتري شحادة الدمشقي والوجيه الأرثوذكسي والقديس الذي لم يطوب!… مارس عليه ضغطاً كبيراً جداً من مغتربه في اسطنبول ليقبل، وكانت الآسية قد وصلت وقتئذ إلى حالة مالية سيئة جداً من حيث تراكم الديون وتداعي الأوقاف. فبادر بنشاط الشباب وحكمة الشيوخ إلى إدارتها مقتصداً في النفقات الى أن سدد ديونها، وقد ساعده كعادته في خدمة دمشق والكرسي الأنطاكي وابرشياته، المحسن المذكور السيد ديمتري شحادة بإحسانات متتالية سخية أرسلها إليه من اسطنبول، فقام برصف سقف المدرسة بالقرميد، وأعاد بناء دكان من أوقافها كانت البلدية قد أمرت بهدمها،إضافة الى بناء غرفة رابعة في مدرسة القديس نيقولاوس.

ميخائيل كليلة وكيلاً لأوقاف دير القديسة كاترينا/ سيناء/ في دمشق

نظراً لسجاياه وورعه،اختارته رئاسة أساقفة دير القديسة كاترين في سيناء لإدارة أوقاف الدير الكثيرة في دائرة الكرسي الأنطاكي ودمشق ومحيطها، وأولها كنيسة القديسة كاترين في داخل الصرح البطريركي الأنطاكي بدمشق. فقام برعاية هذه الأوقاف متطوعاً بدون مقابل ونماها، وزاد مواردها.

ميخائيل كليلة وكيلاً لدير القديسة تقلا البطريركي

في الوقت عينه أسند إليه البطريرك الأنطاكي جراسيموس (1885 -1892) وكالة دير القديسة تقلا البطريركي في معلولا، وكذلك فعل البطريرك اسبريدون (1891-1898)، والبطريرك ملاتيوس الدوماني الدمشقي(1898-1906) وهو اول البطاركة العرب على الكرسي الأنطاكي منذ 1724.

خدماته ومآثره

كان السيد ميخائيل كليلة شديد الاعتداد بالمدارس الأرثوذكسية، مقتدياً بمؤسسها الحديث شهيد دمشق، معلمه الخوري يوسف الحداد. وقد سعى لرفع شأنها لينتظم فيها أبناء الرعية الأرثوذكسية، إذ كانوا ينتسبون إلى مدارس الإرساليات الأجنبية التبشيرية على المبدأ القائل” الفرنجي برنجي”. وكان يؤلمه الاقتناص المبرمج للأبناء الذين كانوا يتلقون العلم في هذه المدارس القوية المزودة بالمال والمناهج العلمية الأوربية الحديثة والتي كانت توفد المتفوقين فيها على نفقتها الى روما وباريس و… حيث يعودون كهنة كاثوليكاً. لذلك بقي يناضل حتى آخر لحظة من عمره لرفع سوية مدارس الرعية حتى باتت تنافس مدارس الإرساليات(مع كل قوتها). وكان يقول : “إن مدارس الأجانب لاتخلو من نزعة نأبى أن يقتبسها أولادنا وإنما نريد معاهد نلقنهم فيها مانريده نحن لا مايريده غيرنا، ونطبعهم فيها على الوطنية الصحيحة”.

لذلك أشاد والي دمشق المصلح مدحت باشا( أبو الدستور) بمدارس الآسية حينما زارها في ثمانينات القرن 19 بقوله :” أود أن تكثر في البلاد أمثال هذه المدارس فتبث في النفوس مبادئ الوطنية الحقة.”

كرمه البطريرك ايروثيوس(1850 -1885) آنذاك برسالة بطريركية تُليت في الكنائس، وبقي يخدم المدارس الأرثوذكسية إلى أن رقد بالرب في منتصف أيلول 1907. فبلغت خدمته لها نيف و 30 سنة، لم ينقطع فيها عن الخدمة سواء في التدريس أوالادارة، أومن خلال عضويته المجلس الملي /لجنة المدارس. حتى وهو يعاني مرض الموت. لقد أوقف حياته على الخدمة الصالحة في حقل الأرثوذكسية، بما فيها مصالح دير القديسة كاترينا.

لم يتزوج، وكانت الآسية عائلته وبيته، حيث كان يقضي نهاره فيها وحتى في عطلتها الصيفية. كان هادئ الطباع هنيء المعشر، عطوفاً على الطلاب الذين بلغ عددهم في عهده 521 طالباً كان منهم البطريرك العلامة والمعمار الكسندروس الطحان الدمشقي(1931- 1958) وعدد من الأعلام الأنطاكيين من اكليريكيين وعلمانيين.

ونظراً لقناعته بالمرأة، ودورها في الأسرة وفي تثقيف أولادها، فقد بادر الى تطوير عمل مدرسة الآسية للبنات ، واليه يعود الفضل في تطويرها من خلال تولي المدارس الإمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية. فأدخل فيها الفنون النسوية إضافة الى إدخال المناهج الحديثة كمدارس الصبيان ليتم تدريسها للبنات اسوة بمدارس الصبيان.

مدارس المسيحيين ( مدرس ( مدرسة  الآسية للبنات التي كانت برعاية

( مدرسة الآسية للبنات التي كانت برعاية الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية


لذلك واعترافاً من تلامذته بفضله عليهم بادروا الى إقامة تمثال له من المرمر الأبيض الناصع في باحة الآسية، ووافقهم البطريرك على ملتمسهم، إلا أن علمنا توسل إليهم بأن لايفعلوا ذلك بقوله: “لايستحق المرء على أداء الواجب جزاء أو شكراً.”


أضف تعليقاً