تحديد تاريخ عيد الميلاد المجيد

 

تحديد تاريخ الحدث

يعود تحديد سنة ميلاد الرب يسوع الى العام 753 من بناء مدينة روما ( عاصمة الإمبراطورية الرومانية ) وكان أول من أدخل هذا التاريخ هو الراهب ديونيسيوس الذي عاش في القرن السادس المسيحي .

حتى ذاك الوقت، كانت هناك عادات مختلفة متبعة في التأريخ، البعض منها يعتمد زمن بدء الكون مقياساً فيكون ميلاد السيد قد وقع سنة 5508 من بدء البشرية، ويقال: “لآدم”، والبعض الآخر يعتمد مقاييس أخرى مبنية على شخصيات كبرى أو أحداث تاريخية، على سبيل المثال : إبراهيم، أول الألعاب الأولمبية، أو حكم سلالات مثل بطليموس … وغيرهم.

أما اعتماد التأريخ تبعاً لتاريخ ميلاد المسيح فدخل تدريجياً على حياة البشرية جرى الاعتقاد تحديد الميلاد لسنة 753 لبناء روما. ولكن البعض رأى أن هناك خطأ حسابياً يتراوح بين سنتين وسبع سنين. ترجح الدراسات ان ميلاد المسيح يقع بالتدقيق قبل 4 سنوات من بدء الروزنامة الميلادية المعمول به اليوم.

ارتباط عيد الميلاد بعيد الظهور الإلهي (الغطاس)

كان ميلاد السيد يشكل أحد عناصر دورة احتفالات تشمل الميلاد والظهور وموضوعها الاحتفال بالتجسد والظهور الإلهي بالإضافة الى سجود الرعاة والمجوس. إن حدث الميلاد أو كجزء من العيد لم يُذكر عند آباء الكنيسة في النصوص الليتورجية قبل القرن الرابع، لأن ما يسميه إكليمنضوس الإسكندري ” ظهوراً “كان دون شك يعني عيد الغطاس (المعمودية). أما تعييد الميلاد مع الغطاس سوياً في 6كانون الثاني فقد ذُكر لأول مرّة على بردية مصرية في القرن الرابع.

ابتدأ تعييد الميلاد في 25 كانون الأول منذ سنة 354 في الروزنامة الرومانية إلا أن الميلاد بقي تعييده مرتبطاً بتاريخ 6كانون الثاني في الشرق حتى القرن السادس.

لقد كان تحديد يوم ميلاد المسيح موضوع خلاف بين الكنيسة والهرطقات القديمة خاصة الغنوصيين، حيثُ حدّد بعضهم يوم الميلاد في شهر كانون الثاني، وبعضهم في 20 أيار، وآخرون في 19 أو 20 نيسان. أول من يذكر عيد الميلاد بشكل مستقل هو إكليمنضوس الإسكندري في رده على الهرطقات السابقة في كتابه ” البساط ” (الجزء الأول،26).

تحديد التعييد بالميلاد في 25 كانون الأول


يثبت القديس يوحنا الذهبي لمستمعيه يوم العيد في 25 كانون الأول وذلك من نص الكتاب المقدس، إذ يقول: ” إذا ابتدأنا من البشارة بيوحنا المعمدان، حين بشر به الملاك والده الكاهن زخريا، نلاحظ من النص الإنجيلي أن زخريا كان واقفاً إلى يمين مذبح البخور، أي بحسب الطقس اليهودي نحن في عيد الغفران” وهذا العيد يحتفل به اليهود في العاشر من الشهر اليهودي السابع وذلك حسب كتاب اللاويين:

” أما العاشر من هذا الشهر السابع فهو يوم الكفّارة. محفلاً مقدساً يكون لكم تُذللون نفوسكم وتقَربون وقوداً للرب (لاويين 27:25)، ثم تُعبر بوق الهتاف في الشهر السابع في عاشر الشهر في يوم الكفارة وتعّبرون البوق في جميع أرضكم” (لاويين9:25).

إذ كان العيد يبدأ من القمر الجديد في شهر أيلول. هكذا حدّدت الكنيسة عيد الحبل بيوحنا المعمدان في 23 أيلول. يمكن تحديد التواريخ الأخرى إنطلاقاً من هذا العيد: الحبل بيوحنا المعمدان في 23 أيلول,ولادة يوحنا المعمدان في24 حزيران، بشارة العذراء في 25 آذار، وولادة المسيح في 25 كانون الأول، استنادا إلى أن فارق العمر بين المعمدان والمسيح هو ستة أشهر، “في ذلك الزمان حبلت أليصابات إمرأة زخريا فاختبأت خمسة أشهر قائلةً هكذا صنع بي الرب في الأيام التي نظر إليّ فيها ليصرف عني العار بين الناس، وفي الشهر السادس أرسل الملاك جبرائيل من قبل الله إلى مدينة في الجليل اسمها الناصرة. غلى عذراء مخطوبة لرجل اسمه يوسف…”(عيد بشارة العذراء من إنجيل لوقا).

يرد أول ذكر للتعييد بهذا التاريخ في أواسط القرن الرابع في كنيسة القديس بطرس، حين أُلبست يومها مرسيلينا الرداء الرهباني وكان في الميلاد. ومن روما شاعت هذه العادة في الغرب والشرق. شرقاً في كبادوكية، نجد ذكراً لذلك عند القديس باسيليوس في قيصرية (+379). هكذا كان العيد أيضاً أيام غريغوريوس اللاهوتي في القسطنطينية (379-385)، وفي أورشليم سنة (431). وفي عهد الإمبراطور يوستنيانوس عُمِّمَ هذا التاريخ على كل الإمبراطورية الرومية، ولكن لم يلتزم به الأرمن الذين حافظوا على تعييد الميلاد والظهور معاً في آن واحد في 6كانون الثاني. هناك شواهد أخرى على تعييد الميلاد بتاريخ 25 كانون الأول في القرن الرابع عند القديس أفرام السوري والقديس أمبروسيوس أيضاً. تحدث القديس غريغوريوس النزينزي عن الإحتفال بالعيد في القسطنطينية في عظته ال38،ويمّيزها القديس غريغوريوس النيسي عن عيد الغطاس في عظة جنائزية في القديس باسيليوس الكبير.

ثمة دواع أخرى حَدَت بالكنيسة إلى تحديد الميلاد بتاريخ 25 \ 12 لا علاقة لها بالاعتبارات السابقة وهي مناسبة عيد “الشمس التي لا تقهر” أوعيد ميلاد الشمس، وهو عيد كان يُقام يوم حدوث الانقلاب الشتوي في دوران الأرض حول الشمس.

وإذ يصل عدد ساعات الليل الى حدها الأقصى في ذلك التاريخ تبعاً للحسابات الفلكية آنذاك، فقد أوحت الصورة المعاكسة، أي ازدياد عدد ساعات النهار ابتداء من ذلك اليوم، للقديس غريغوريوس النيسي أن يستخلص منها معنى ميلادياً: “الآن الظلمات تتراجع، ليل الخطيئة والضياع يبلغ أقصى حدود الإنجراف، الآن (بالميلاد) تبدأ تتلاشى” وعثر أيضاً على خلفية نشوء عيد الميلاد على حساب عيد الشمس في طروبارية الميلاد، إذ نرتل: ” لأن الساجدين للكواكب به تعلموا من الكوكب السجود لك ياشمس العدل” علماً أن الساجدين للكواكب هم المجوس الذين أتوا للسجود للمخلص.

ملاحظة

كل التواريخ السابق ذكرها هي حسب التقويم اليولياني ( نسبة الى يوليوس قيصر)، لكن تم تعديل التاريخ في الكنائس الغربية حسب طلب البابا غريغوريوس الثالث عشر بعد حسابات فلكية جديدة:أن يعد اليوم الرابع من شهر تشرين الأول سنة 1582 اليوم الخامس عشر من تشرين الأول (وذلك بحذف عشرة أيام من هذا الشهر). أما اليوم فالفرق بين التقويم الشرقي اليولياني وبين التقويم الغربي الغريغوري هو 13 يوماً.

فالكنيسة الغربية تحتفل بعيد الميلاد المجيد بتاريخ 25 كانون الأول غريغوري وتحتفل معها كنيستا الروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس في الكرسي الأنطاكي* إضافة الى الكنيسة اليونانية…

أما بطريركيات أورشليم وموسكو وأوربا الشرقية الأرثوذكسية مع كنائس الأقباط والأحباش فتحتفل بعيد الميلاد المجيد بتاريخ 25 كانون الأول يولياني أي الواقع في 7 كانون الثاني غريغوري، لأن الفرق بين التاريخين هو 13 يوماً كما ذكرنا سابقاً. أما الأرمن فيحتفلون بعيدي الميلاد والظهور معاً بتاريخ 6 كانون الثاني( حيث يؤجلون تدبيرياً عيد الغطاس الى اليوم التالي اي 7 كانون الثاني) ويصادف وفقاً للتقويم الغريغوري 19 كانون الثاني.

————————————————————————

*– انظر تطبيق التقويم الغريغوري في الكرسي الأنطاكي في موقعنا هنا.

مراجع البحث

د. أسد رستم تاريخ الكرسي الأنطاكي

بابادوبولس: تاريخ كنيسة أنطاكية، تعريب الأسقف استفانوس حداد

سميرنوف: تاريخ الكنيسة المسيحية، تعريب المطران الكسندروس جحا

مجلة نور المسيح ، عدد 5 كانون ثاني 2008

الوثائق البطريركية ( أبرشية دمشق – مصر – أورشليم)

أضف تعليقاً