التعليم في ولاية سورية

قبل عصر التنظيمات

كان التعليم قبل عصر النظيمات تعليماً دينياً حراً، يبدأ في الكتَّاب وفي المنزل على يد مربِ أو شيخ ويتعلم فيه التلميذ أجزاء من القرآن الكريم.

أما مبادئ الحساب فكان يتعلمها من قباني القرية كما كان تعلم القراءة والكتابة هو الحد الأقصى للتعليم في القرى.

أما في المدن، فكان التلاميذ يتلقون العلم في المساجد، وفي الكتاتيب. وكانت مادة التدريس الأساسية هي حفظ القرآن وتلاوته، وكثيراً ما استُعمِلَتْ مساجد القرى كمدارس. ولم تكن الحكومة تنفق على المدرسين أو على أبنية المدارس، بل كانت المدارس تدين بوجودها إلى تبرعات المحسنين الذين أنشأوها وحبسوا عليها الأوقاف الكافية.( مشاهدة المزيد…)

الكتاتيب: شيخ الكتاب يعلم التلاميذ
الكتاتيب: شيخ الكتاب يعلم التلاميذ


كما كانت مرتبات شيوخ المدارس والكتاتيب قليلة،
لا تتجاوز 20 بارة في الأسبوع عن كل تلميذ. ولم يكن هناك نظام للتفتيش على أسلوب الفقهاء في التعليم أو مراقبته، وإنما كانت المراقبة مقصورة على الناحية المالية. وفي عصر التنظيمات فقد شهدت ولاية سورية تطوراً فكرياً وثقافيا سريعاً إذا ماقارناه سريعاً نسبياً إذا ما قارناه بتطور الثقافة والتعليم فيالعهد العثماني الأول. وقد مهدت الادارة المصرية لسورية (1831 -1840) لهذا التطور، وذلك بفضل المدارس الابتدائية التي أنشأها ابراهيم باشا في سورية وتطبيقه برنامجاً واسعاً للتعليم الابتدائي على نمط النظام الذي جرى تطبيقه في مصر.

كما كان للمدارس العالية التي انشاها محمد علي في مصر لتعليم الهندسة والطب والصناعات والتيتلقى العلم فيها بعض ابناء سورية، باٌضافة إلى ما أقامته الدولة العثمانية من مدارس عالية في اسطنبول والتي تمكن أبناء الأغنياء من الالتحاق بها. وتلقي العلم فيها اثر في ازدياد عدد المثقفين في ولاية سورية.

في عصر التنظيمات

وفي عصر التنظيمات أصبح للدولة سياسة تعليمية ذات اهداف.فسنت النظمة اللازمة التي استهدفت تنظيم ادارة التعليم في الولايات.ويمكننا ن نقسم انماط التعليم في عصر التنظيمات إلى ثلاثة أنواع هي:

الكتاتيب، المدارس الحكومية، والمدارس الخاصة.

وفي الجانب المسيحي: لم يخرج التعليم عن مفهوم التعليم الديني عند المسلمين، فكان كاهن القرية هو معلم المدرسة التي هي في حرم الكنيسة أو الدير، هو يعلم التلاميذ مبادئ العربية والحساب والديانة المسيحية. كذلك الحال ذاته كان في محلة المسيحيين في المدن، إذ كان كاهن المحلة هو الراعي والمعلم،
ولا عجب في ذلك، لأن العلم كان ينشأ على الدوام في أروقة الكنائس، إذ كان يتوجب على كل قارئ في الكنيسة، أن يتعلم على يد الكاهن العربية والتركية واليونانية والنحو والصرف والخط لفترة زمنية محددة ثم يُجرى له اختبارٌ عميقٌ، غالباً
ما كان يتم أمام راعي الأبرشية، فإن نجح يمنح درجة قارئ في الكنيسة ليستطيع أفراد الشعب آنئذ فهم ما يقرأه عليهم، وإن لم ينجح يعاد تدريبه مجدداً واختباره حتى ينجح.

أما في عصر التنظيمات فقد شهدت ولاية سورية تطوراً فكرياً وثقافياً سريعاً نسبياً، إذا ما قارناه بتطور الثقافة والتعليم في العهد العثماني الأول، وقد مهدت الإدارة المصرية (1831 – 1840) لهذا التطور وذلك بفضل المدارس الابتدائية التي أنشأها إبراهيم باشا في سورية وتطبيقه برنامجاً واسعاً للتعليم الابتدائي على نمط النظام الذي جرى تطبيقه في مصر.

كما كان للمدارس العالية التي أنشأها محمد علي في مصر لتعليم الهندسة والطب والصناعات، والتي تلقى العلم فيها بعض أبناء سورية، بالإضافة إلى ما أقامته الدولة العثمانية من مدارس عالية في اسطنبول كان يمكن لأبناء الأغنياء الالتحاق بها وتلقي العلم كان لهم فيها أثر في ازدياد عدد المثقفين في ولاية سورية.

في عصر التنظيمات هذه، أصبح للدولة سياسة تعليمية ذات أهداف، فسنت الأنظمة اللازمة التي استهدفت تنظيم إدارة التعليم في الولايات، ويمكننا تقسيم أنماط التعليم في عصر التنظيمات إلى ثلاثة أنواع هي:

آ – الكتاتيب.

ب – المدارس الحكومية.

ج- – المدارس الخاصة.

آ – الكتاتيب

من الصعب تحديد تاريخ دقيق لنشوء الكتاتيب ويمكننا أن نقول بصورة عامة أنها نشأت بنشوء الدعوة الإسلامية فيذكر لنا التاريخ أن الرسول العربي طلب من أسرى المشركين أن يعلموا المسلمين لقاء فك أسرهم.

ويمكننا أن نعرف الكتاتيب بأنها ليست فقط التي تعلم الخط والكتابة بل والقرآن الكريم وقد كانت مزدهرة في العصور الإسلامية المتعاقبة (الأموي – العباسي والعثماني) بالإضافة إلى حلقات المساجد كنظام تعليمي آخر. وقد بدأت الكتاتيب تميل نحو التقلص والنقصان وإن كانت قد استمرت إلى ما بعد خروج العثمانيين من سورية عام 1918

كانت فيها الدراسة بدائية تبدأ للطفل في سن مبكرة
على يد خجا أو شيخ الكتَّاب وتضم أحياناً الأطفال من الجنسين
. أما الشهادات التي يحملها صاحب الكتَّاب فهي مفقودة، وربما كان يحمل شهادات ذات قيمة علمية ضئيلة من الحكومة التركية، أما النظام فهو مفقود، كما أن الأثاث المدرسي مفقود أيضاً، فهو عبارة عن بساط أو حصير يجلس عليه الأطفال، وفي صدر الغرفة يجلس شيخ الكتاب على كرسي عالٍ ويمسك بيده عصا طويلة أو قصبة طويلة يضرب بها رؤوس الطلاب لحملهم على القراءة.

أما الأوضاع الصحية للغرفة فغيرُ متوفرة فهي قذرة قليلة النوافذ. مملوءة بالأحذية التي ينزعها الطلاب عند جلوسهم على الحصير أو البساط، أما الأجور فهي قليلة، ويمكن استبدالها بحبوب ومحاصيل أخرى، تعطى لشيخ الكتاب عدا ما يتقاضه عندما يختم أحد طلابه القرآن أو يصل إلى منتصفه.

وربما تميَّز كتّابُ المدينة بجودة الأثاث نسبياً فقد يستعاض عن الحصير بمقاعد.

وكان يجري للتلميذ الذي يختم القرآن احتفال خاص، يتناسب وإمكانيات عائلته المادية. ثم ينتقل إلى كتّاب آخر أعلى يتولى التعليم فيه شيخ يتقاضي الخميسية
وكانت تتراوح (في العهد العثماني) بين القرش والبشلك
، وكانت مواد الدراسة فيه مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن والحساب.

ب – المدارس الحكومية

نظمت المدارس في الدولة العثمانية التي اصدرت الدولة نظاماً للمعارف في 24 جمادى الأول 1286هـ و1869م بمواده الـ 198 مادة وبموجبه قسمت الدراسة إلى خمس مراحل:

1 – المرحلة الابتدائية

نص نظام المعارف على وجود مدرسة ابتدائية في كل قرية أو على الأقل في كل قريتين على أن يدفع أهل القرية نفقات إنشاء المدرسة وتعميرها، ومخصصات المعلمين فيها، والتعليم في هذه المرحلة إلزامي ومدته أربع سنوات.

والمناهج كانت تتضمن العلوم الدينية والقراءة والكتابة باللغة التركية، والحساب والعلوم والجغرافيا والتاريخ. ولا تتضمن هذه المرحلة تعليم أية لغة أجنبية.

2 – المرحلة الرشدية

أيضاً فقد نص نظام المعارف على وجود مكتب رشدي واحد في كل بلد يتجاوز عدد سكانه 500 بيت شرطة أن يكونوا مسلمين أو مسيحيين، أما إذا كان أهالي البلد مختلفين فيجب أن يقدر عدد السكان بـ 1000 بيت ويتحمل صندوق إدارة معارف الولاية جميع نفقات إنشاء المدارس الرشدية، ويعين في كل مدرسة عدد من المعلمين يتناسب وعدد التلاميذ فيها، ومدة الدراسة في هذه المرحلة أربع سنوات وكانت المناهج هي العلوم المدنية والتركية ومبادئ العربية والفارسية كون الأخيرة لغة مساعدة في درس الأدب العثماني وأيضاً في هذه المرحلة لا يتم تدريس أية لغة أوروبية.

أما حالة المدارس الحكومية
في ولاية سورية لم تكن كافية، كذلك كانت الحالة التعليمية فيها متأخرة ومتخلفة، بالإضافة إلى أنها لا تدرس اللغة العربية، مما أدى إلى إقبال الطلاب على الدراسة بالمدارس الخاصة التي تخرج منها كبار رجالات الأدب والعلم والتنوير في بلاد الشام، لذلك فإن مدرسة الآسية وعبر تاريخها كان عدد كبير من طلابها من المسلمين، وقد تولى بعضهم مناصب حكومية هامة في كل العهود، وكان ذلك تنفيذاً للهدف الذي وضعه الخوري يوسف والمتابعون، ولا تزال الآسية حتى الآن من أهم المدارس الوطنية في سورية. وقد تخرج منها كبار رجالات الدولة في كل أدوارها منذ الحكم العربي 1918 وحتى الآن فضلاً عَن رجالات الكنيسة وأحبارها.

3 – المرحلة الإعدادية

تؤسس في مراكز الأقضية والألوية التي تجاوز عدد سكانها 1000 بيت وتقع نفقات إنشاء هذه المدارس في تلك المرحلة على عاتق صندوق إدارة معارف الولاية. وخصص لكل مدرسة إعدادية ستة معلمين مع معاونيهم، ويحمل أولئك شهادة دار المعلمين ومدة الدراسة في هذه المرحلة ثلاث سنوات، أما المناهج فهي التركية والحساب والهندسة والقانون العثماني والتاريخ والجغرافيا والمنطق والكيمياء والجبر والفرنسية (ولا تدرس اللغة العربية).

4 – المدارس السلطانية

في مراكز الولايات ويشترط على تلاميذها الذين تخرجوا من المرحلة الإعدادية أن يدفعوا رسوماً تختلف من تلميذ لآخر، وتختلف بين الدراسة ليلاً أو نهاراً، وفيها يدفع التلميذ نصف الرسوم الليلية. أما التلميذ الخارجي فيدفع ربع الرسوم الليلية. وتقسم المدارس السلطانية إلى قسمين:

  آ-  القسم العالي: والدراسة فيه ست سنوات ويتفرع إلى شعبتين:

* شعبة الآداب وموادها أدبية مع اللغة الفرنسية.

* شعبة العلوم وموادها علمية.

ب – القسم المعتاد (العادي): والدراسة فيه ثلاث سنوات ومواد الدراسةفيه كمناهج المرحلة الاعدادية، والتعليم في هذه المدارس باللغة العثمانية ولا تدرس فيها اللغة العربية، وهذه المرحلة أعلى مراحل التعليم في ولاية سوريةأما مناراد متابعة دراسته، فيلتحق بمدارس اسطنبول العالية.

5 – المدارس العالية

تشتمل على دور المعلمين والمعلمات والفنون ومكاتب الفنون والصنائع المختلفة ومقرها في اسطنبول. اما مادة الدراسة في دار المعلمين فتختلف من شعبة لأخرى،فمدة الدراسة في الشعبة الرشدية- أيشعبة الطلاب الذين بعدون للتدريس في المدارس الرشدية – ثلاث سنوات، ويشترط في الطلاب المقبولين فيهذه الشعبة أن يكونوا قداجتازوبنجاح بنجاح مراحل التعليم أن يعلم في المدارس الرشدية أوانيلتحق بالشعبة الاعدادية في دار المعلمين.

وبعد انهاء مقررات الشعبة الاعدادية يحق له الا لتحاق بالشعبة السلطانية وماقيل عن دار المعلمين ينطبق على دار المعلمات.

أما الدراسة في دار الفنون فتقسم الى ثلاث شعب، تختص الشعبة الولى بتعليم الفلسفة والأدب والثانية بالحقوق والثالثة بالعلوم الطبيعية والرياضية، ومدة الدراسة في كل شعبة ثلاث سنوات. أماالين يُعدون للتعليم في المدرس، فمدة دراستهم أربع سنوات. كما كان في ولاية سورية مدارس رشدية عسكرية يلتحق بها الطلاب بعد اتمام دراستهم الابتدائية، وبعد اتمام الدراسةفي المدرسةالرشدية العسكريةينقل الطالبالى المدرسة الاعدادية العسكرية ليتخرج منها برتبة ضابط.

ادارة المعارف في ولاية سورية

انشات الدولة ادارة خاصة للمعارف في كل ولاية تشرف على المدارس. ويراس إدارة المعارف في الولاية مدير معارف. يعاونه مساعدان أحدهما مسلم والاخر غير مسلم، مع اربعة محققين وعشرة أعضاء ينتمون الى ديانات مختلفة، وكاتب وأمين صندوق ومحاسب. وكان تعيين مدير المعارف ومعاونيه والمحققين والمفتشين يجري بموجب إرادة سلطانيا، ويتبع مجلس معارف ولاية سورية مجلس المعارف الكبير في اسطنبول الذي كان المركز العمومي لادارة المعارف في جميع الولايات،ويتبع بدوره نظارة المعارف.

اختصاصات مجلس معارف ولاية سورية

تتلخص في إجراء احكام الأوامر والتعليمات التي ترد اليه من نظارة المعارف، واجراء التدقيق على تطبيق أحكام هذاالنظام بتمامها داخل ولاية سورية، والمحافظة على المخصصات وما يحصل من الاعانات التي تؤخذ من الأهالي من حيث صرفها واستعمالها، والاشراف على ما يؤسس داخل الولاية من المدارس والمكتبات والمطابع والتفتيش على المدارس باستمرار، والنظر في اصلاحها، وارسال صورة عن هذا التقريرالى مجلس الولاية وتنظيم الميزانية وكل مايتعلق بالتعليم.

الامتحانات: بموجب نظام المعارف (1869م) كان هنالك نوعان من الامتحان:

الأول: في نهاية كل سنة، ويُنقل التلاميذ بعد النجاح فيه الى الصف الأعلى.

الثاني: في نهاية كل مرحلة ويُنقل بعد النجاح فيه الى المرحلة الدراسية الأعلى.

وفي 17 آذار 1310ه/1894م صدرت لائحة الامتحانات عن مجلس المعارف الكبير في اسطنبول، ونصت هذه اللائحة على أن الغاية من المدارس الحكومية هي تحصيل العلم واكتساب حسن الخلق، واشترطت اللائحة تعيين مديرين ومعلمين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة، وأن يكونوا من ذوي المؤهلات وممن لهم باع في العلم والمعرفة.

وأما موعد الامتحانات السنوية فكان شهر حزيران من كل عام، ويحق لمن يتأخر عن الموعد المحدد التقدم للامتحان في شهر ايلول على أن يتم الامتحان في المدرسة، وتمنح الشهادة لمن استحقها بجدارة.

وكانت الامتحانات السنوية تجري بحضور عدد من ارباب المعارف في المدينةوأمام موظفين تنتدبهم مديرية المعارف، ولما لم يكن في ولاية سورية مدارس لتخريج المعلمينن كانت إدارة المعارف تعقد في كل عام امتحاناً عاماً تدعو اليه كل من يدعي أنه من طلبة العلم، ويمنح المتقدم في حالة نجاحه شهادة تخولهم ممارسة التعليم الابتدائي.

إنشاء المدارس

نشطت ادارة معارف ولاية سورية في بناء المدارسوذلك بفضل إيرادات صندوق المعارف المتنوعة، كالمخصصات الأميرية والإعانات السنوية التي تحصل من الأهالي ومخصصات الأوقاف والاعانات المتفرقة والرسوم التي تحصل من طلبة المدارس السلطانية.

غير ان التوسع في انشاء المدارس كان في اواخر العهد العثمانين ففي عام 1901 رصدت إدارة المعارف مبلغ 445 ألف قرش لإنشاء مدارس رشدية في مراكز أقضية جبل الدروزز وفي نفس العام قام والي سورية يرافقه وكيل مشير الجيش الخامس ومفتش اصلاحات جبل حوران بافتتاح مدرسة رشدية في قرية الشيخ مسكين- مركز لواء حوران- واثني عشر مدرسة ابتدائية في قضائي درعا وبصر الحرير. كما كان عيد الجلوس السلطاني مناسبة هامة لافتتاح وانشاء عدد من المدرس في جميع انحاء الولاية.

ولكن يؤخذ على لإدارة معارف ولاية سورية تبعيتها الشديدة لمجلس المعارف الكبير في اسطنبولوالذي كان بدوره يتبعنظارة المعارف، فكان انشاء مدرسة صغيرة يمر في مراحل معقدة قبل صدور الارادة بالموافقة. ولم يكن الأمر مقتصراًعلى إنشاء مدارس جديدة، بل كانت الولاية ناشطة في اجراء التوسيعات في المدارس القديمة.

غير ان معظم الإنشاءات المدرسية كانت من نصيب منطقة جبل الدروزوحوران، نظراً لتخلفها وتفشي الجهل بين سكانها، ومحاولة اصلاح أحوال السكان فيهان وفرض سياتها على الدروز، واجتثاث روح التمرد والعصيان من نفوسهم.

وقد توسعت ولاية سورية في انشاء المدارس حتى زاد المبلغ المنفقعلى إنشائها ضعف المبلغ لصندوق المعارف فيها. إلا ان ذلك لايعني ان المدارس الحكومية في ولاية سورية كانت كافية.ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن الانشاءات المدرسية أن نورد هنا فقرات من خطاب والي سورية في حفل افتتاح المجلس العمومي:”…إن المدارس في حالة يرثى لهان وهي ليست على شيء من العلم والتعليم وتغذية نفوس أبناء الوطن، ومن المؤسف أن المعلمين فيها ليسوا على شيء من علم تربية الأطفالومعرفة طرق التعليم ولوصول مدارسنا الى هذه الحالة سببان: احدهما ! ظلم الدور البائد واستبداده وثانيهما: انتظار الأهالي من الحكومة تأسيس المدارس ومع هذافإن الأهالي في احتياج شديد لارشاد الحكومة في سبيل نشر المعارف وتعميمها.

حالة المدارس الحكومية

ازداد عدد المدارس الحكومية في اواخر العهد العثمانين فبلغ عدد المدارس الابتدائية في سنة 1298ه/ 1880 مفي مدينة دمشق فقط 103 مدارس ابتدائية منها 19 مدرسة مختلطة ضمت 567 تلميذاً وتلميذة و16 مدرسة للآناث ضمت 498 تلميذة. و68 مدرسة للذكور ضمت 2579 تلميذا، كما وجد في مدينة دمشق مدرسة رشدية عسكرية ضمت 265 تلميذاً مدرسة اعدادية عسكرية ضمت 80 تلميذا، وزاد الاقبال على المدرسة الرشدية العسكرية في الشام فبلغ عدد طلابها في 1314ه/1896م (585) تلميذاً. ووجد في دمشق مدرسة اصلاحخانة ضمت 116 تلميذاً ولم يتجاوز عدد المدارس في اقضية لواء دمشق الأخرى81 مدرسة منها 24 في قضاء البقاع و13 في قضاء وادي العجم،ولم تذكر غحصائيات ولاية سورية شيئاً عن مدارس أقضية النبك وحاصبيا وراشيا.

ولم يكن يوجد في قضاء القلمون الذي ضم أكثر من أربعين قرية سوى 35 مدرسة ضمت 900 تلميذ بينما تجاوز عدد السكان فيه اربعين الف نسمة.

أما لواء حماه فكان اقل تقدماً في الناحية العملية من لواء دمشق، ويعود ذلك الى عدم اهتمام الولاية بالمعارف في اللواء وعد اهتمام الأهالي بالتعليم. لذا كانت معظم مدارس حماه كتاتيب صغيرة. وبلغ عدد المدارس فيها في سنة 1303ه/ 1885م (22) مدرسة ابتدائية ضمت 1250 تلميذاً ومدرسة رشدية ضمت (40 ) تلميذا.

أما عدد المدارس في حمص كما ورد في احصائيات الولاية. فقد بلغ في سنة 1885 (21) مدرسة ابتدائية ضمت (840) تلميذاً ولم يكن في حمص مدارس ابتدائية للإناث. ووجد فيها مدرسة رشدية واحدة ضمت (30) تلميذاً.

لكن حالة المعارف في لواء حوران كانت متأخرة، بالرغم من الجهود التي بذلتها الولاية في نشر المعارف وتعميم المدارس بين السكان. ففي سنة 1885 كان في لواء حوران مدرسة رشدية واحدة في القنيطرة، بلغ عدد التلاميذ فيه (28) تلميذاً و27 مدرسة ابتدائية موزعة على قرى اللواء، وكان عدد طلابها (462)طالباً.

وهكذا يتبين لنا ان المدارس في ولاية سورية لم تكن كافية، كما أن الحالة التعليمية فيها كانت متأخرة ومتخلفة، بالاضافة الى انها لاتدرس اللغة العربية، وقد كان للغة العربية أثر هام في العلاقات العربية التركية في العهد الدستوري، إذ طالب العرب باستعمال اللغة العربية وجعلها لغة رسمية في المدارس والمعاملات الحكومية، ودار حولها جدل طويل في مؤتمر باريس الذي عقد في سنة 1913.

وقد دفعت الأسباب الثلاثة المتقدمة عدم تدريس العربية ، وقلة المدارس الحكومية، وتخلف الحالة التعليمية فيها الأهالي الى انشاء مدارس وطنية خاصة او الاقبال على المدارس التبشيرية.

المدارس الخاصة

حرصت الدولة على الاشراف على المدارس الخاصة فعرف نظام ادارة المعارف العمومية السنة 1869 المدارس الخاصة: بانها المكاتب التي تحدث في بعض المحلات وتؤسس من قبل جمعيات أو افراد سواء كان هؤلاء من رعايا الدولة او الأجانب. واشترط النظام على هذه المدارس مايلي:

  1. يجب الحصول على رخصة رسمية من ادارة معارف الولاية، والوالين قبل فتح المدارس الخاصة.

ب – يجب ان تكون شهادات الهيئة التدريسية في المدرسة الخاصة مصدقة من ادارة المعارف المحلية.

ج- يجب عرض جداول الدروسن وكتب التعليم على إدارة المعارف، كي لاتطالع في هذه المكاتب دروس مغايرة للآداب والسياسة…

ويمكننا ان نقسم المدارس الخاصة الى قسمين:

مدارس المسيحيين (مدرسة للذكور)
مدارس المسيحيين
(مدرسة للذكور)


المدارس الوطنية والمدارس التبشيرية

المدارس الوطنية

يعود الفضل في توسيع التعليم الوطني إلى الجهود التي بذلها مدحت باشا أثناء ولايته لسورية 1878 – 1880 وقد لاحظ أن الحكومة لم يكن لها سوى بعض مدراس ابتدائية يقرأ فيها الأحداث القرآن، بينما كانت مدارس الإرساليات التبشيرية متقدمة لذلك فكر مدحت باشا بإصلاح المدارس كما يقول في مذكراته.

وشكل لذلك جمعية من العلماء أخذت تجمع الإعانات من المحسنين، وأصلحت هذه الجمعية بعض المساجد، وحولتها إلى مدارس للأحداث. ولما كان أهالي الشام يميلون إلى بث روح التعليم فقد ألفوا جمعية أسموها جمعية المقاصد الخيرية
انتشرت فروعها في جميع أنحاء الولاية.

ويجب أن لا يغيب عن الأذهان أن العديد من مدارس الطوائف المسيحية نشأت بأيدي أبنائها كما سنرى في يحثنا لمدرسة الآسية ودور الخوري يوسف الحداد في إعادة افتتاحها وتنظيمها.

وفي سنة 1911 تأسست جمعية المعارف العثمانية في دمشق، وأعلنت برنامجها في 33 مادة وكانت غايتها فتح المدارس وإلقاء الدروس الليلية في القرى والقصبات وكان من برنامجها عدم الخوض في السياسة وهدفها الذي تسعى لتحقيقه هو بذل الجهد في نشر المعارف وتعميمها، وكانت المدارس الوطنية تضم القادرين على دفع الأقساط المدرسية، أما الفقراء فكانوا يتلقون علومهم في مدارس الحكومة.

حالة المدارس الوطنية

استطاعت جمعية المقاصد الخيرية التي تأسست في عهد ولايةمدحت باشا ان تُنشىء في دمشق 8 مدارس بلغ عدد تلاميذها نحو (1200) تلميذ، كما أنشأت الجمعية مدرسة للبنات استوعبت (150) تلميذة ، وكان الانفاق على هذه المدارس من تبرعات المحسنين. كما تأسس في حمص عدة جمعيات خيرية ساهمت الى حد ماـ وحسب امكانياتها الماديةـ في إنشاء المدارس مثل الجمعية الخيرية الاسلامية التي تأسست في سنة 1913.

وبلغ عدد معلمي المدارس الوطنية في حمص في سنة 1882 نحو اثنين وعشرين معلماً و(1090)، وكانت جميع مدارس حمص تعلم اللغة العربية والفارسية والتركية. كما وُجِدَ فيها عدد من المدارس الملحقة بالمساجدن يدرس فيها نحو (30) شيخ اً، وعندهم نحو(600) تلميذز وبلغ عدد المدارس التابعة للجمعيات الخيرية الاسلامية في ولاية سورية في سنة 1896م (45) مدرسة ضمت (69) معلماً و (494) تلميذا.

اما في لواء حوران فقد بدأ المسلمون في اللواء بانشاء مداس ابتدائيةفي بعض القرى في سنة1865م.وبلغ مجموع مدارس حوران حتى سنة 1882 (35)مدرسة موزعة على عدد كبير من القرى،وضمت أكثر من (600) تلميذ ونحو (40) معلماً، كما أقدم الأهالي على إنشاء حوالي (15) مدرسة أخرى في قضاء عجلون ضمت (17) معلماً و(200) تلميذ.

المدارس التبشيرية

يعود تاسيس المدارس التبشيرية في ولاية سورية الى منتصف القرن 18 عندما بدأت إرسالية الآباء اللعازريين عملها التبشيري بدمشق منذ عام 1755، لتساهم في جذب الأرثوذكس الى الكثلكة.

ثم قامت بعد ذلك بنحو عشرين سنةبتأسيس مدرسة للصبيان في دمشق، وتنافست الاساليات التبشيريةالأخرى في تأسيس المدارس في بلاد الشام،لكن نصيب ولاية سورية من هذه المدارس كان أقل من نصيب ولاية بيروت ومتصرفية جبل لبنان حيث بلغ النشاط التبشيري، وقد بلغ مجموع المؤسسات التبشيريةفي بلاد الشام حتى عام 1912م(38) مؤسسة من دول اوربية متعددة.

كما استطاع الفرنسيسكان ان يؤسسوا اثني عشر إرسالية في شمال ووسط سورية مستخدمين فيها رهباناً معظمهم من الفرنسيين، كما انتشرت كذلك الارساليات الأميركية وبدأت تمارس نشاطها منذ اربعينيات القرن 19 في جميع انحاء بلاد الشام من الشاطىء السوري حتى بادية الشام ومن القدس جنوباً حتى حلب شمالا ً، ولم يقتصر النشاط التبشيري على الارساليات السابقة، بل كان لروسيا مدارس الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية اتي انتشرت في مناطق فلسطين وامتدت الى كل ساحة لبنان وسورية الحاليين …

وكانت المدارس الأجنبية تتمتع بحرية في التعليم لم تتمتع بها المدارس الوطنية وكان لذلك خطر كبير على عقول الناشئة، إذ أخذ المعلمون الأجانب يسعون جهد طاقاتهم إلى استمالة تلاميذهم الى بلادهم.

وتنبهت الدولة العثمانية لخطر التبشير، لكنها لم تستطع ان تقف في وجه المبشرين علناً، بل لجأت الى إقامة العراقيل امامهم، وفرضت عليهم رقابة شديدة في جميع ولاياتها، وعندما بدأت المدارس التبشيرية في لواء الكرك، صدرت الارادة السلطانية بتخصيص مبلغ (100000) قرش لتنفق على مدارس اللواء في كل سنة، واستخدمت الدولة عدداً من المشايخ لتلقين عشائر البدو مبادىء الاسلام والرد على افتراءات المبشرين.

ومهما يكن من أمر فإن خطر التبشير كان أقل تأثيراً، والمدارس التبشيرية كانت أقل عدداً في ولاية سورية من ولاية بيروت ومتصرفية جبل لبنان.

حالة المدارس المسيحية

ساهمت الارساليات التبشيرية في إنشاء المدارس في لواء الشام، فبلغ عدد المدارس غير الاسلامية في سنة 1303ه/1885م في دمشق فقط (28) مدرسة عالية منها (22) للذكور فيها (1550) تلميذاً و(5) مدارس للإناث وفيها (743) تلميذة و(10) مدارس ابتدائية للذكور فيها (661) تلميذاً و(3) مدارس ابتدائية لإناث وفيها (363) تلميذة، كما وُجد في قضاء حاصبيا مدرستان عاليتان ضمتا( 235) تلميذاً وتلميذة.

وأقدم هذه المدارس، وأكثرها اتقاناً مدرسة اللعازريين للذكور، وكانت تدرس فيها اللغة العربية بفروعها والفرنسية والاتينية والحساب والتاريخ والجغرافيا وكات فيها في سنة 1879م (8) معلمين و(160) تلميذاً، أما مدرسة اللعازريين للآناث فكان فيها ألابع عشرة معلمة و(500) تلميذة، ومن مدارس المسيحيين في دمشق مدارس الآسية الأرثوذكسية وهي مدرسة وطنية اسستها الطائفة الأرثوذكسيةاول مرة عام 1634 بيد البطريرك ملاتيوس كرمة، ومن ثم في 1836 وفي 1840 بيد القديس يوسف الدمشقي، والمدرسة الإنجيلية والمدرسة البطريركية الكاثوليكية والمدرسة السريانية الكاثوليكية، ومدرسة الأرمن الأرثوذكس، ومدرسة السريان الأرثوذكس والمدرسة اليهودية الانكليزية (الأليانس) وكلها مدارس للصبيان. أما مدارس البنات فهي المدرسة الأرثوذكسية والمدرسة الكاثوليكية والبروتستانتية الانكليزية…كما كان لليهود في دمشق (12) مدرسة صغيرة فيها (350) تلميذاً. كما كانت معظم مدارس أقضية لواء الشام للأجانب، إذ بلغت مدارسهم في إقليم البلان ووادي العجم ووادي بردى ودوما نحو (40) مدرسى ضمت نحو ألف تلميذ، وإذا علمنا ان عدد سكان هذه المناطق في سنة 1883م بلغ نحو أربعين ألف شخص، فتكون نسبة التلاميذ الى السكان 2,5% وهي نسبة ضئيلة جداً.

أما مدارس المسيحيين في لواء حماه، فكان لهم مدرستان الأولى للروم الأرثوذكس اسسها مثلث الرحمات المطران غريغوريوس جبارة والثانية لللبروتستانتن وبلغ عدد الطلاب فيهما (91) تلميذاً وتلميذة ، وقد بلغ عدد مدارس المسيحيين في حمصحتى عام 1882(12) مدرسة للذكور و(3) مدارس اللإناث، وبلغ عدد المعلمين والمعلمات فيهانحو(15) معلماً ومعلمة. أما عدد التلاميذ فبلغ (430) تلميذاً و(190) تلميذة، وكانت أهم مدارس المسيحيين في حمص وأقدمها مدرسة الروم الرثوذكسية المعروفة بالكلية الارثوذكسية التي تاسست عام 1850، وساهمت جمعية نور العفاف الأرثوذكسية النسائية التي تاسست في سنة 1898م، وجمعية النهضة الحمصية التي تأسست في سنة 1913م في انشاء المدارس في مدينة حمص.

وفي لواء حوران أنشات بعض الجمعيات الإنكليزية (8) مدارس في قرى جبل الدروز ضمت (150) تلميذاً، كما أنشات جمعية انكليزية أخرى عدة مدارس في قضاء عجلون ضمت (300) تلميذ و(150) تلميذة و(10) معلمين.

كما أنشأت البطريركية الأرثوذكسية المقدسية مدرسة في السلط ضمت معلماً و(60) تلميذا. وفي سنة 1867م أنشئت مدرسة مسيحية تبشيرية على نفقة مجمع المرسلين سميت المدرسة الإنجيلية وكان فيها معلمان و(95) تلميذا، وأسس اللاتين في السنة 1870مدرسة للصبيان وأخرى للبنات أُسست في سنة 1871.

وبكتابه الهام جداً ” الروضة الغناء في دمشق الفيحاء” تحدث فيه المؤرخ والأديب نعمان قساطلي الدمشقي (1854 – 1920) عن دمشق معدداً المدارس الخاصة فيها وهي على النحو التالي:

«آ – مدارس المسلمين:

مدارس المسلمين في هذه المدينة كثيرة ولكنها تدرس العلوم الدينية واللغة والفقه وعدد طلبتها نحو 700 وكانت بالتالي تدرس مبادئ القراءة بينما تولت الحكومة متابعة التعليم الأدبي والعلمي كما سبق.

ب – مدارس المسيحيين:

كان في دمشق تسع مدارس للذكور وهي مدرسة الروم الأرثوذكس (الآسية) وتدرس فيها العربية بفروعها والتركية والفرنساوية واليونانية والجغرافيا والحساب، والمدرسة الإنجيلية وتدرس فيها العربية بفروعها والتركية والإنكليزية والحساب والجبر والهندسة ونفقتها من مجمع كنيسة ايرلندا القسوسية، والمدرسة البطريركية الكاثوليكية التي أنشأها البطريرك غريغوريوس والمدرسة الكاثوليكية السريانية، ومدرسة الأرمن القدماء ومدرسة السريان اليعقوبيين (الأرثوذكس)، والمدرسة اللعازرية، ومدرسة الفرنسيسكانيين.

أما في الميدان فكان هناك ثلاث مدارس أخرى هي الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنكليزية وفي جميع مدارس الذكور 1145 تلميذاً و(41) معلماً.

أما مدارس الإناث فهي مدرسة الروم الأرثوذكس والمدرسة الإنكليزية والمدرسة اليسوعية والمدرسة اللعازرية والمدرسة الإنكليزية الإسلامية ومدرسة الكاثوليك في الميدان والمدرسة الإنكليزية في الميدان وما لبثت الطائفة الأرثوذكسية في الميدان أن أضافت إلى مدرسة الذكور الملصقة بكنيسة حنانيا الرسول مدرسة للإناث وايضاً باسم مدرسة القديس حنانيا الرسول.

المدرسة المسكوبية (الجمعية الإمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية)

«… تأسست هذه الجمعية في روسيا في 11/5/1880 برئاسة عم القيصر نقولا الثاني الغراندوق سرجيوس وقد دامت رئاسته لها 23 عاماً وكان يرأسها شرفاً القيصر نقولا ذاته.

قامت هذه الجمعية بتأسيس 114 مدرسة في كل من فلسطين وسورية ولبنان ضمت 15 ألف طالب وطالبة عدا الكنائس والديورة والفنادق والملاجئ والمصحات
التي أقاموها في الأراضي المقدسة والتي كانت معدة أصلاً للترفيه عن الحجاج الروس الذين كانوا يأتون للحج بالألوف في كل سنة. وجعلت مقرها أولاً في الناصرة لتحقيق ذلك.

ولقد دخلت روسيا أيضاً في ميدان التعليم تنافس في ذلك فرنسا وانكلترا وألمانيا بغيرة وحمية وسخاء إذ كانت ترى بنفسها حامية للأرثوذكس في الدولة العثمانية الذين يؤلفون الطائفة المسيحية الأكبر والذين كانت تتنازعهم هذه البعثات التبشيرية بمدارسها المتطورة والمنتشرة حتى في القرى التي لم يكن فيها رعايا من طوائف هذه البعثات التبشيرية..»..

 حيث كان إسكندر كزماالدمشقي قد درس في الآسية في الثلث الأخير من القرن الماضي وتولى التعليم فيها فيما بعد، وقد أهلته الجمعية الإمبراطورية في أكاديمية موسكو ليتولى إدارة مدارسها في المقر الرئيس في الناصرة قبل أن تنتقل إلى بيروت.

وعلى سبيل المثال تخرج من مدارس الجمعية العديد من الأدباء مثل الأديب الكبير ميخائيل نعيمة من لبنان وخليل السكاكيني (الكاتب والمناضل الفلسطيني المعروف ضد الصهيونية) من القدس وندره حداد ونسيب عريضة من حمص..

أشرفت هذه الجمعية على مدرسة البنات الأرثوذكسية بدمشق لتطوير مناهجها في

مدارس المسيحيين ( مدرسة  الآسية التي كانت برعاية الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية
مدارس المسيحيين
( مدرسة الآسية التي كانت برعاية الجمعية الأمبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية

عام 1895.

تميزت هذه المدرسة بما يلي:

1- كانت سباقة في التعليم بالعربية ولذلك قامت بتعريب المناهج وكانت تُدرس اللغة الروسية كمادة دراسية بعكس مدارس الإرساليات التي كانت تدرس بالفرنسية أو الإنكليزية..

2 – مجانية التعليم وأدواته بما في ذلك لباس الطلاب وفي جميع المراحل بعكس بقية المدارس التي تتقاضى الأقساط الباهظة.

3 – رعاية الطلاب ومجانية التطبيب بدون تمييز.

4 – تتابع التحصيل العالي للمتفوقين في الجامعات الروسية.

5 – تهيئة معلميها في دور المعلمين التابعة لها فلا يكون المعلم ضعيفاً غريباً عن نهجها.

6 – كانت مدارسها مختلطة للصبيان والبنات ومنتشرة في جميع المدن والقرى حتى أنك تجد في بعض القرى مدرستين أو ثلاثة أو أربعة..

وكانت هذه الجمعية قد اتخذت قراراً في مؤتمرها العام سنة 1913 بإنشاء جامعة روسية في بيروت على غرار الجامعتين الأميركية واليسوعية، لكن ظروف الحرب العالمية الأولى التي اندلعت سنة 1914 وقيام الثورة الشيوعية في سنة 1917 حالا دون ذلك.

وقد توقفت هذه المدارس نهائياً بعد القضاء على الحكم القيصري في روسيا، وتسلمت البطريركية وقتئذ بتوجيه من البطريرك غريغوريوس الرابع هذه المدارس وتم التعويض عن موجوداتها للجمعية الإمبراطورية الفلسطينية الروسية كما تشير الوثائق البطريركية، وإن البطريرك كان يشرف عليها من خلال عدد من الإكليريكيين كالأرشمندريت باسيليوس صيداوي، والأرشمندريت الكسندروس جحى وسواهما من الإكليريكيين المؤهلين لإدارتها…

ومن باب الإنصاف أن نذكر بالخير هذه الجمعية ومدارسها ويقيناً أنه لو لم تقم هذه الجمعية الروسية بفتح المدارس لما وجدت مدرسة أرثوذكسية واحدة في دائرتي الكرسي الأنطاكي والكرسي الأورشليمي.

– وقد تبنت هذه الجمعية العديد من الطلاب الإكليريكيين والعلمانيين الذين درسوا قبلاً في المدارس الآسية بدمشق وفي المدارس الأرثوذكسية الأخرى من مختلف الأبرشيات، فتابعوا دراستهم العليا في اللاهوت والعلوم المدنية الأخرى في جامعات موسكو وبطرسيرج وكييف وقازان… وقد أصبحوا من أهم الأعلام كالمطران جراسيموس يارد وغيره.

وفي ذلك يقول محمد كرد علي في تقرير له في إصلاح المعارف العمومية في 11 ربيع الأول سنة 1339هـ/ 1920م:

أما علماء الدين عند المسيحيين… فأخذوا يتعلمون في مدارس لهم نظامية في روسيا أو إيطاليا أو أميركا وغيرها فلا يرقى في الأغلب إلى الرئاسة الدينية عندهم إلا من توفرت فيه شروط العلم والنباهة، ويكون على الأغلب بانتخاب أقرانه…”


أضف تعليقاً