تنصر العرب

توطئة

مما يستدعي النقاش والدحض أن كثيرين باتوا مقتنعين بأن الإسلام وحده هو دين العرب والعروبة، وان هذه البلاد المدعوة “العربية” هي ديار الإسلام بسبب أن لغة القرآن الكريم هي العربية… وأن انطلاق الإسلام تم من الجزيرة العربية… ويتشارك معظم المسلمين مع فريق مسيحي يتنامى عدده بهذه القناعة باستمرار!!! ويسعى أبناء هذا الفريق الى مغادرة المنطقة العربية الى المهاجر!!! وقد افترضوا بأنها ستكون أكثر أماناً وأمناً لهم بعدما تنامى الفكر الأصولي الذي يقول بأن ديار العرب هي ديار الإسلام وحدهم، ولا وجود في هذه الديار للكفرة من النصارى واليهود فيها وإن شاؤوا التخفيف فيسمونهم الذميين!!!

لذا وجد الكثيرون من مسيحيين ومسلمين ونحن منهم، أن من الواجب أن ننبه باستمرار الى هذا الخطر الكامن في تفكير ابناء منطقتنا، والذي تغذيه الصهيونية خدمة لدولة إسرائيل (وهم من هذا براء). معيدين الى الأذهان ما نراه وهي التالي:

العربية والمسيحية فيها

تعتبر العربية في عرف رجال الكنيسة الولاية الرومانية العربية التي أُنشئت في السنة 105م حول مدينة بصرى فشملت كل ماوقع بين وادي الحسا في الجنوب، واللجا في الشمال، وبين البحر الميت والأردن من الغرب، حتى أطراف البادية في الشرق.

وقد جاء في التقليد الشريف، أن يوسي أخا يعقوب ويهوذا بشر في درعا واستشهد فيها، وان طيمون أحد الشمامسة السبعة بشّر في بصرى وتسقف عليها، وأن يوسف الرامي الذي تشرف بتجهيز الرب يسوع ودفنه بشر في المدن العشر في شرق الأردن، كما جاء في كتاب: “الدرر النفيسة في تاريخ الكنيسة” للبطريرك السرياني اغناطيوس برصوم.

المسيحية في بصرى

تنصر العرب
تنصر العرب

يبدأ الإيمان المسيحي في مطلع القرن الثالث المسيحي بالانتشار في بصرى، ويقوم اوريجنس الإسكندري إليها لينظر في بعض ماقاله أسقفها بيرلس، ويقول بولس السميساطي قولاً هرطوقياً، فيتوافد الأساقفة الى أنطاكية للنظر في بدعته، فيمثل العربية مكسيموس أسقف بصرى زهاء أربع سنوات، ولكن الإقبال على النصرانية ظل بطيئاً وبقيت الأكثرية الساحقة وثنية طوال القرن المسيحي الرابع فلم يؤم القسطنطينية في السنة 381م للاشتراك في أعمال المجمع المسكوني الثاني سوى خمسة أساقفة فقط هم أساقفة بصرى ودرعا والسويداء وبراق وشيخ مسكين، ثم ارتفع العدد في المجمع المسكوني الرابع 451 م الى سبعة عشر اسقفاً، فجلس في خلقيدونية أساقفة درعا وعنية وقنوات وبراق واللجا والسويداء والصنمين وحسبان وافتيمية وجرش ومأدبا وشقا وخان النيلة أو الشيخ مسكين ونوى وعمان وشهبا وازرع.

وقد تبارى العرب المسيحيون في العربية منذ منتصف القرن الخامس وحتى الفتح الإسلامي في إنشاء الكنائس، فحولوا معابد جرش والقنوات وشقا وبصرى الحرير وازرع الوثنية الى كنائس، وبنى يوليانوس متروبوليت بصرى في السنة 512 كاتدرائية فخمة جليلة، واندفع سرجيوس أسقف مأدبا فأنشأ كنيسة الرسل في العام 578، وأسس القس لاونديوس في سنة 603 كنيسة جديدة في مأدبا وأكمل ماأنشأه سرجيوس في اليانة، ثم التفت الى صياغة (الدير في الآرامية ) فأكمل كنيستها الكبيرة. وتوالى إنشاء الكنائس والأديار في طول هذه الأبرشية العربية وعرضها.

المسيحية في البادية العربية

وعلى قول المؤرخ الكبير د.أسد رستم مؤرخ الكرسي الأنطاكي المقدس” أننا لانعرف المؤمن البدوي الأول، كما أننا لانعلم على التحقيق متى بدأ عهد النصرانية في البادية” ولعل أقدم الأخبار عن هذا الموضوع، رواية نقلها القديس ايرونيموس تنبئ باحترام عشائر البدو في منطقة غزة لشخص ايلاريون الناسك (291-371) وتعلقهم به وتنصرهم على يده، ومن أقدم مايُروى من هذا القبيل خبر ماوية البدوية التي حاربت والنس (364-378)وأنزلت به الخسائر الفادحة، وحينما جاء دور الصلح والتفاهم، اشترطت أن يكون موسى أسقفاً على عشيرتها، فوافق والنس وأمر بذلك فنقل موسى الناسك الى الإسكندرية، ليُرسم أُسقفاً على يد لوفيوس الإسكندري، فلم يرض موسى لتمسكه بالعقيدة الأرثوذكسية، فجيء بأسقف نيقاوي رسمه أسقفاً، فأقام في البادية يرعى شؤون ماوية وعشائرها.

ويقول المؤرخ الكنسي سوزومنوس أن راهباً من الرهبان تضرع الى الله أن يرزق (زقوم) شيخ إحدى العشائر الضاربة في البادية ابناً ذكراً وان الله استجاب تضرعه، فتنصر الشيخ زقوم وجميع أتباعه، وأن زقوم وقومه، أصبحوا أخلص القبائل العربية للدولة الرومية في نزاعها مع الفرس.

وفي أخبار كيرلس البيساني أن جماعة من البدو دخلوا على النساك في منطقة أريحا في أواخر العام 420 مسيحية، وان النساك فزعوا وتوجسوا خوفاً، فطلب شيخهم المسمى “الصبيبة” مقابلة رئيس النساك أفتيموس الكبير، وكان له ولد مقعد لم تنجح فيه لا مداواة الأطباء ولا رقي الراقين المشعوذين، فبارك أفتيموس الولد الكسيح فقام يمشي، فتنصر الصبيبة وعشيرته، بل أضحى رسولاً عربياً يبشر.

وكلل الله عمله بالنجاح فرسمه يوبنياليوس أسقف أورشليم أسقفاً على المضارب 428 م، وكان قد اتخذ من بطرس الرسول شفيعاً فسمي الأسقف بطرس، ومثل نصارى فلسطين في مجمع أفسس، ووقع هكذا: “بطرس أسقف المضارب” وأصبح الكسيح طربون شيخاً على العشيرة وخلفه أولاده وأحفاده، وقدر لأحدهم “طربون الثاني” أن ينقل هذه الرواية الى كيرلس البيساني. وقدم النذر الرهباني عدد من أبناء هذه العشيرة بينهم ماري الذي ترأس الكنيسة في أريحا وتوفي في السنة 448 ، ولا يخفى أن القديس الياس بطريرك أورشليم كان هو بدوياً عربياً، وهدى ننوس أسقف بعلبك في هذا القرن 30000 بدوي.

الغساسنة والمناذرة ومسيحييتهم

أما الغساسنة الذين رحلوا من اليمن الى تهامة، ثم نزلوا مشارف بادية الشام، وأنشأوا لأنفسهم زعامة في البلقاء وحوران في المنطقة التي دعيت بالعربية، فقد تنصروا أيضا كما تنصر سائر أبناء هذه المنطقة.

وقضى الغساسنة زمناً طويلاً والروم لايكترثون لهم، لأنهم لم يحتاجوا الى نصرتهم. واشتد ضغط البرابرة واستفرس الفرس فشعر الروم بالضعف، ورأوا الفرس يستنجدون بعرب الحيرة، فاضطروا الى استنصار عرب العربية وما جاورها. فاتجهت أنظارهم نحو الغساسنة، وأول من ذُكر من أمراء غسان في خدمة الروم “جبلة”، وقد ورد عنه أنه أخمد ثورة، فمنحوه رتبة “فيلارخوس” وجعلوه عاملاً على البتراء، وجبلة هذا في نظر تيودور نولدكه هو والد الحارث بن جبلة أكبر ملوك غسان وأكثرهم ذكراً في مراجع الروم. وحارب الغساني المنذر ملك الحيرة سنة 528 واستعان الروم به لإخماد ثورة السامريين ففاز بها ثم عاد بليساريوس لمحاربة الفرس سنة 531 م، فهابه الروم وأعجبوا بشجاعته، وبالغوا في تكريمه وتقريبه وترقيته فأصبح فيلاخورساً عاماً، وبطريقاً (قائداً عسكرياً كبيراً). وفي السنة م541 حارب الحارث في العراق بجانب الروم وعبر دجلة على رأس جماعته، ثم ارتد الى مركزه السابق عن طريق غير الطريق التي اتبعها الروم، فشك بعض الروم في إخلاصه.

وفي السنة 563م سافر الحارث الى القسطنطينية ليفاوض البلاط الرومي في من يخلفه من أولاده، وما يجب اتخاذه من التدابير لمقاومة عمرو ملك الحيرة، فكان لما شاهده من مظاهر العظمة وقع عظيم في نفسه، وكذلك فانه أحدث هو بدوره تأثيرا على سكان العاصمة، ولا سيما على يوستنينوس نسيب يوستنيانوس، فلما أصيب يوستينوس هذا بعقله بعد تسلمه العرش، كان أهل البلاط يخيفونه بالحارث العربي كلما بدا منه عصيان أو عربدة فيقولون له تعقل ( سندعو لك الحارث)…

وناصر الحارث المونوفيسيين ولم يدخر وسعاً في الدفاع عنهم وتحريرهم من الاضطهاد، وتمكن سنة 542-543 من تحقيق رجائه لدى الإمبراطورة تيودورة بتعيين يعقوب البرادعي ورفيقه ثيوذورس أسقفين في العربية أو غيرها فتوطدت بذلك دعائم الكنيسة اليعقوبية (السريانية) ويظهر من أقوال يوحنا الأفسسي أن الحارث سعى لحل المشاكل العقائدية والشخصية بين اكليروس اليعاقبة واكليروس الكنيسة الجامعة ولكن بدون جدوى، ويرى العلامة تيودور نولدكة أن الحارث لم يدرك حقيقة المسائل التي كانت تدور عليها تلك المنازعات وإنما كان مدفوعاً بالعامل السياسي لمعاضدة المذهب الذي كانت تتبعه أكثرية الشعب في إمارته. ويجب أن لا يغيب عن البال أن أمراء غسان لم يجمعوا على القول بالطبيعة الواحدة، فالدعاء للمنذر بن الحارث الذي وجد منقوشاً على حجر في إحدى نواحي تدمر و النبك يشمل عبارة هامة جداً تنص بما يلي: ” وأهدى الضالين من إخوته الى معرفة الحق أيها الله تعالى…)

فإذا ما ذكرنا أن هذا النص يتضمن أيضا إشارة الى “الأسقفين المحترمين القديسين” يعقوب ألبرادعي ورفيقه ثيوذورس يتبين أن المقصود من ضلال إخوة المنذر انتماؤهم للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة وقولهم معها بالطبيعتين.

واهتم الغساسنة كثيراً بالقضايا المسيحية فالمنذر بن الحارث بن جبلة عقد في أوائل عهده مجمعاً محلياً للنظر في بدعة الثلثين وحكم عليهم بالهرطقة، وكان ممن أمضى قراراته ” كاهن البطريق المنذر الأمجد ومحب المسيح” وهو فيما يظهر كاهن بلاط الأمير، ولم يرض الأمبراطور يوستينيوس عن المنذر لأسباب نجهلها فأوعز الى عامله البطريق مرقيانوس أن يحتال عليه ويقتله، وأحس المنذر بذلك فشق عصا الطاعة. فأغار عرب الحيرة على أملاك الروم، فاسترضى الروم فلم يرض بالمفاوضة إلا عند قبر القديس سرجيوس في الرصافة، لما يتمتع به هذا القديس من الاحترام عند السوريين.

وقد يعود الفضل في بدء التبشير في شرق البادية الى بعض الأسرى المسيحيين الذين نقلوا الى الحيرة وغيرها بأمر شابور الفارسي في السنة 260م ولكن الفضل الأعظم يعود فيما يظهر الى القديس سمعان العمودي الذي لمع نجمه وذاع صيته… وتقاطر المؤمنون نحوه بعدما

شرفه الله بالعجائب. فخشي أن يضّيع روح الصمت والصلاة فتوغل بعيداً في البادية، وبنى لنفسه عموداً وصعد إليه ليأمن شر الوحوش الضارية ويعيش في العراء، فجدّ الناس في طلبه من جديد فرأى في سعيهم إرادة الله العلي، فجعل عموده منبراً يبشر منه باسم الرب يسوع، ومات المنذر بن النعمان ملك الحيرة، فتولى زمام الأمور بعده ابنه عمرو(554-569) فأنشأت أمه هند الغسانية زوجة المنذر ديراً في الحيرة، وقد نقشت في صدره بموجب رواية ياقوت الحموي العبارة التالية :

” بنت هذه البيعة هند بن الحارث بن عمرو بن حجر الملكة بنت الأملاك وأم الملك عمرو بن المنذر أمة المسيح وأم عبده وبنت عبيدة في ملك الأملاك خسرو انو شروان في زمن مار أفريم الأسقف فالإله الذي بنت له هذا الدير يغفر لها خطيئتها ويترحم عليها وعلى ولدها ويقبل بها ويقومها الى أمانة الحق ويكون الله معها ومع ولدها الدهر الداهر…”

ويستدل من هذا أن الملك عمرو بن المنذر كان نصرانياً لأن النقش علا صدر الدير في أيام ملكه.

المسيحية في جنوب الجزيرة العربية

أما ما يتعلق في انتشار النصرانية في حميّر، فلا نعلم تاريخه على الضبط، ولكننا نقرأ أن الإمبراطور قسطنديوس أوفد في سنة 356 بعثة رئسها الراهب الأريوسي تيوفيلوس ليتفاوض في حرية الاتجار وحرية المعتقد ونشر رسالة السيد المخلص، وأفلح تيوفيلوس في مهمته فأنشأ كنيسة في عدن، وكنيسة غيرها في ظفار، والمقول انه نجح في تأسيس كنيسة ثالثة في هرمز، عند مدخل الخليج العربي. ويؤكد تيودوروس القارئ أن النصرانية لاقت نجاحاً في هذا البلد البعيد، وان النصارى خضعوا لأسقف يرشدهم ويدبر أمورهم. ولعل هذا الأسقف هو سلوان عم يوحنا الذيكرومينوس. أما نجران فقد كانت أهم مواطن النصرانية في الجنوب، ولعل الفضل في تنصر أهلها يعود الى كنيسة أنطاكية، فقد جاء في كتاب السيرة لابن هشام، وفي تاريخ الرسل والملوك للطبري، أن قافلة عربية أسرت راهباً سورياً اسمه فيميون فنزلت به الى نجران فهدى أهلها الى المسيح. ويذكر ياقوت كعبة في نجران يقال لها (البيعة) بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة، فعظموها مضاهاة لكعبة مكة، وكان فيها أساقفة…

وكانت اليهودية قد تسربت الى بلاد اليمن جراء خراب أورشليم، وكان آخر ملوك حمير ذوالنواس يهودياً… فاشتدت المنافسة بين النصارى واليهود وانقلبت عداءً مريراً. وكان ذو النواس يرى في النصرانية مايُذَّكِره بالأحباش ومطامعهم في اليمن، فأوقع في النصارى السنة 523 مذبحة نجران!!! ثم جمع من نجا منهم، وخيّرهم بين القتل واليهودية فاختاروا الموت استشهاداً، فخّدلهم أخدود النار، وروى بعض المحدثين انه نزل في ذلك ماجاء في سورة البروج في القرآن

” قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود”.وما جاء في الطبري أيضا دوس ذا الثعبان أفلت ولجأ الى إمبراطور الروم يستنصره على ذي النواس وان يوستينوس قال له نأت بلادك عنا فلا نقدر أن نتناولها بالجنود ولكني سأكتب الى نجاشي الحبشة وهو اقرب ملوك النصرانية الى بلادك ، ويروي أيضا أن النجاشي انتصر على ذي النواس مرتين متتاليتين في السنة 523م وفي السنة 525/م.

 

 


أضف تعليقاً