المظاهر العجائبية

في موروثنا الشعبي والايماني وفي واقعنا المرتبط بتفكيرنا بالله عزت قدرته وجلت وايماننا به… نسمع، واحياناً نرى مظاهر عجائبية… ليس امامنا الا الإيمان بها، وبأن الله صانعها مباشرة معنا، أوأذن بحدوثها وهو صانع العجائب وحده… من هذه المظاهر العجائبية ( نضح الزيت، البخور المتصاعد والرائحة الذكية المنبعثة من ايقونة لوالدة الإله مثلاً، اختطافات … روىء … نزف دموي من ثقوب في اليدين احياناًمنالبعض ومنهم من لم يكن مؤمناً وممارساً للطقوس… الخ

ونحن وكما اسلفت ولأننا مؤمنون نحاول ان نبرر القصد الإلهي من حدوثها… ولكن ماهو موقف الكنيسة منها؟ وهل تندفع ( الكنيسة) كما نفعل نحن أم ان لها موقف؟؟؟

عرفت الكنيسة عبر تاريخها معجزات ومظاهر عجائبية، بوصفها الحقيقي انها جسد المسيح الحامل الروح القدس… وهو مؤسسها وفي وسطها…

لكن الشيطان أيضاً يصنع عجائب، ويتخذ هيئة ملاك نور (2كور 11 : 13 _ 15 ) فلا بد من تمييز!!! وهنا يكون اختصاص الآباء الروحيين الكبار الذين حباهم الله موهبة تمييزالأرواح على ماجاء في رسالة يوحنا الأولى الجامعة…

لذا لا يجوز الالتفاف حول هذه المظاهر والدفاع عنها قبل مجيء اب روحي كبير عارف بحقيقتها ويستطيع أن يحكم عليها بأنها الهية، أو أنها من صنع روح شرير…

في بيت عائلتنا الشعبي (البيت العربي) حيث كنا جميعاً نعيش، كانت أسرتنا ملتفة حول كبيريها المرحومين جدي لأبي فارس زيتون وجدتي لأبي اسما طحان ، كانت ثمة غرفة صغيرة سقفها منخفض تدعى (التتخيتة) وتطل على حارتنا، وتجلس فيها جدتي نهاراً في الشتاء وامامها منقل الفحم للتدفئة، ونحن كنا صغار ونجلس معها وذلك قبل ان نصبح في عمر المدارس، وكان من عادتها رحمها الله، ممارسة طقوسها الايمانية في البيت من إيقاد قنديل الزيت امام الأيقونات وتبخيرها غروب الآحاد واسست رحمها الله فينا هذه الممارسة بشغف والى آننا الحاضرة ، إضافة الى انها كانت تصطحب معها كل العائلة للمشاركة في كل صلاة تقام في كنيسة الصليب المقدس بالقصاع – دمشق … في طقوس البيت كنا نتحلق حولها ونواكبها عندما كانت تقوم في بعد ظهركل يوم سبت أوعيد سيَّدي ( السيد المسيح والسيدة العذراء) او حتى في غروب أعياد شفعاء أولادها ماري، نقولا، جورج، جوزيف، حنين، وجانيت بتبخير الأيقونات الصغيرة في كْتبيةْ (كوة) غرفتها الصغيرة ( التتخيتة) وهي للسيد والسيدة وقديسين واغلبيتها كانت ورقية وبعضها كانت ملصقة على مقوى او خشب بلاكيه… ونظراً لقدمها الذي كان يدل عليها لونها العاتم من تأثير إشعال قنديل الزيت الذي كانت تضيئه، وتصلي وتبخر وترتل وكنا نصلي ونرتل معها، وكنا وكمااسلفت صغاراً لم ننتسب بعد الى المدرسة… وكنا نلاحظ انها لو انقطعت عن التبخيريوماً ربما بسبب مرضألم بها…أو… كانت روائح البخور العطرة تنبعث من ايقونة صغيرة مهترئة لوالدة الاله وهي عاتمة جداً وتوحي لناظرها انها اثرية…ونفرح كثيراً عندما يقولون ان الأيقونة تبخر ذاتها …

ايقونة عجائبية لوالدة الاله من جبل آثوس المقدس
ايقونة عجائبية لوالدة الاله من جبل آثوس المقدس


وعندما كبرنا وصارت جدتي في مرض الموت، كثفت هذه الأيقونة من تبخير ذاتها سابقة احدنا من تبخيرها… وعندما توفيت رحمها الله بخرت ذاتها كثيراً، ثم انتقلت الى حوزة أحد أبناء العمومة ، وقد وضعها بإكرام في بيته… ولاتزال عنده الى الآن، لكنها لم تعد تبخر ذاتها!!!

إن أردنا التحدث عن المظاهر العجائبية المماثلة، فلنا في دير سيدة صيدنايا البطريركي أكبر وأهم دليل يتحدث بأجلى بيان عنها… فقصة بناؤه عجيبة ظاهرة عجائبية موثقة… وفي كل يوم تجترح العذراء اعجوبة لمؤمنين وسواهم بغض النظرعن الدين، علماً بأن ذاكرات راهبات الدير وماكُتب في كراسات عن هذا الدير الشريف، ولعل آخرها سيرة الرئيسة الأسبق المرحومة الحاجة كاترين ابي حيدر… وفيها ايقونة السيدة التي صورها لوقا الانجيلي وهي واحدة من ثلاث واحدة منها في احد أديرة جبل آثوس المقدس والتي تجترح بها العجائب كانت قد شفت شقيق صلاح الدين الأيوبي في الدير…

في روسيا الكثير من هذه الأيقونات العجائبية محفوظة في الكنائس والأديرة…

في زيارة غبطة أبينا مثلث الرحمات (+2012) البطريرك اغناطيوس الرابع الى انطاكية وكيليكيا والاسكندرون عام 1992 وقد كنت بمعيته للإعلام، وقد وثقتُ في كتابي عن هذه الزيارة التاريخية التي تمت بعد 92 سنة على آخر زيارة بطريركية قام بهاالبطريرك ملاتيوس الدوماني1900 يحمل العنوان ذاته والمطبوع في دمشق 1994 عن ايقونة عجائبية لوالدة الاله محفوظة في كنيسة رؤساء الملائكة الأنطاكية الأرثوذكسية في مرسين (كيليكيا) تدعى الأيقونة الحجلية نسبة الى كنية صاحبتها… هذه الأيقونة التي تشفي كل مريض كان يضعها في بيته ريثما تقوم بشفائه، ومن كثرة تنقلها الى بيوت المرضى للزيارة طمع كثيرون باختلاسها بوصفها كنز أشفية ولكنهم يتفاجأون بعودتها الى بيت صاحبتها قبل ان تقفها على الكنيسةالمذكورة، صارت ان سرقت من الكنيسة ، صارت تعود الى الكنيسة…

وبالعودة الى اساسيات ايماننا نرى ان بولس الوعاء الالهي اختطف الى السماء الثالثة… وتجلى قديسون عديدون…

المعضلة الأساسية هي التمييز بين ماهو الهي وماهو شيطاني في هذه المظاهر العجائبية…

هنا يرددالشماس المتميز في ايمانه ولاهوته ورهبانيته المحامي اسبيرو جبور عن القديس يوحناالذهبي الفم:” ان العجائب تجري لغير المؤمنين، أماالمؤمنون فأعجوبتهم ايمانهم”

أضف تعليقاً