القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي

تمهيدالقديس الشهيد يوسف الدمشقي
تعود بي الذكرى إلى 19 سنة خلت، وتحديداً إلى عام 1987، وهي السنة التي شرّفني بها غبطة البطريرك إغناطيوس بتكشيف الوثائق البطريركية، وكان ذلك استمراراً لما كان قد بدأه هو بتسليط الضوء على التراث الأنطاكي من خلال إحداث دائرة الوثائق البطريركية بدمشق عام 1987 ومركز الدراسات والأبحاث الأنطاكية في البلمند عام 1988.
في العام ذاته 1987، اكتشفت شهيدنا الخوري يوسف مهنا الحداد (الدمشقي) في الوثيقة التي رقمتها بالرقم 278 . وكانت عبارة عن جواب من كاتبها يوسف الحداد إلى تلميذ الخوري الشهيد, الأرثوذكسي الكبير والقديس المجهول ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي المقيم من عام 1846– 1890 في اسطنبول بقصد العمل.
قمت على الفور بتلخيص السيرة ورفعتها باليد إلى غبطته راجياً الإذن بطباعتها ليعرفه الجميع، خاتماً برجاء تطويبه قديساً, فوافق غبطته على إنشاء سيرته من أجل طباعتها مبيناً رغبته هو بتطويب الشهيد قديساً.
اعتمدت على الوثيقة 278 وغيرها من وثائق السيد ديمتري شحادة وسواها وراجعت الدوريات الأرثوذكسية و الكتب التي سلطت الضوء على فتنة 1860 وكتبت السيرة المطلوبة وسلمتها مخطوطة إلى غبطته الذي أعطاها فوراً إلى السيدة د. سعاد سليم، وكانت بالمصادفة وقتئذٍ في زيارته، وبالكاد أخذتُ صورةً عنها. وكانت رغبة غبطته وقتئذٍ أن يقوم مركز الدراسات (المحدث) بطباعتها.
عدت في السنة التالية 1988، وأنشأت السيرة مزيدة ومنقحة, واحتفظت بها إلى السنة 1992، حيث سلمت صورة منها ومن مخطوطة سيرة الكاهنين الشهيدين سليمان وحبيب خشة إلى قدس الأرشمندريت توما البيطار بطلب من سيادة الأسقف جوزيف الزحلاوي، سكرتير غبطته، من أجل إدراجهم في كتاب السنكسار الذي كان قدسه يقوم بالإعداد له مشكوراً. وكنتُ قد أدرجت السيرة ملخصة في كتابي الآسية، مسيرة قرن و نصف 1991  , ثم كتبت السيرة ملخصة في مقالٍ بعنوان “أعلام أرثوذكسيون” .
في 8 تشرين الأول 1993 اتخذ المجمع الأنطاكي بدوره الموسع المنعقد في البلمند قراراً مجمعياً بإعلان قداسة الخوري يوسف ورفقته من شهداء 1860، وأن يُعيّد لذكراهم سنوياً في 10 تموز. وقد بكيت تأثراً عندما طالعت الخبر في جريدة النهار وهو بعنوان: “كاهن بيروتي يتتلمذ على يد شيخ دمشقي”. بكيت لأن أمنيتي تحققت بتطويبه قديساً, حين كتبت سيرته كما مر، ولكني فوجئتُ بإعتباره كاهناً بيروتياً، في حين أنه دمشقي من مواليد دمشق، والدته دمشقية ووالده كان قد مر في بيروت قبل مجيئه إلى دمشق عام 1793 وتزوج فيها وأنجب أولاده، ومنهم الخوري يوسف. (وطبعاً) لست في وارد التمسك بالدمشقية بقدر ما هو اعتماد نهج الواقعية، سيما وأن آل الحداد وجدّهم مهنا هم من إزرع، من الغساسنة الحورانيين كما سيمر لاحقاً، مع التأكيد على أن المجمع المقدس اعتبره دمشقياً “يوسف الدمشقي”.
إن ملاك بيروت مثلث الرحمات غفرئيل شاتيلا سبق وقال: “كواكب دمشق ثلاثة بولس الرسول, يوحنا الدمشقي, يوسف الحداد” وقوله هذا أتى بعد استشهاد الخوري يوسف، ونشير إلى أن شاتيلا كان من تلاميذه في مدرسة دمشق الآسية.
من نسب آل الحداد البطريرك الخالد غريغوريوس الرابع من عبيه، والأسقف استفانوس حداد ابن عرمان من جبل العرب في سورية، ما يدل على انتشار آل الحداد في أرجاء سورية الواحدة.
الكراس الذي تضمن سيرة الشهيد وخدمته الطقسية وقعت فيه بعض أخطاء تاريخية (قد أدرجت في السنكسار).
سألني قدس الشماس أثناسيوس شهوان، عندما استضافني في محطة نورسات اللبنانية في الحلقة الخاصة بالشهيد يوسف الدمشقي التي أعدّ لها وقدّمها يوم السبت 8 تموز 2006 عشية الاحتفال بذكراه وعلى الهواء مباشرة, سألني راجياً الجواب عمن اكتشف الخوري يوسف فذكرت له ما ذكرته في مقدمة هذا المقال, وسألني عن صحة موطنه دمشق أم بيروت، فأجبته بما سبق، وكان سؤاله الثالث والمحرج لي، فيما لو كان القديس يوسف الدمشقي قد لقي اهتماماً في موطنه دمشق (مسقط رأسه ومثوى استشهاده ودفنه) حيث مر على إعلان قداسته من عام 1993.
فأجبته إن الحق يقال بأن غبطة مولانا وجّه كهنة دمشق للاهتمام والتعريف به ولكن غياب النص المطبوع كان عائقاً. وقد قام بعض الآباء في دمشق وكتبوا عن القديس معتمدين على السنكسار وقد وقعوا في الهفوات عينها وراجعوني بعدما شاهدوا الحلقة التلفزيونية للاستيضاح. وهنا أقول أن معظم رعايانا تجهل الشهيد القديس، وقد فوجئتُ بأن عدداً من آباء الكنيسة الكاثوليكية الشقيقة راجعني للتعرف به خاصة بعد بث الحلقة.
من هنا, ووفاءً مني لذكراه، سيما وأنني كنت أول من تعرف به (وأنا صديقه منذ عام 1987 وصديق تلميذه ديمتري شحادة)، وتنفيذاً لتوجيه غبطته، أجد لزاماً علي أن أعود لتسليط الضوء على شخصيته وسيرته وفضائله على بيعة دمشق الأرثوذكسية ومدارسها، وتحديداً الآسية التي جعلها عام 1851 جامعة, ولولا استشهاده ودمار الآسية عام 1860، لكانت أسبق من الجامعات التي نشأت في القرن (19) بعد عقدين من الزمان وهي /اليسوعية والأميركية/ في بيروت.
لذا أبدأ مقالي المختصر هذا بنص القرار المجمعي بإعلان قداسة الخوري يوسف والترتيبات الطقسية المرافقة. ثم أتابع في سيرته… وصولاً إلى استشهاده وجميعها مختصرة وأقول هنا ما قلته في ختام الحلقة التلفزيونية: “إن أردنا التحدث عن القديس يوسف الدمشقي لا تكفينا ساعة ونصف لا بل حتى أربعة أيام متصلة فهو رائد النهضة في الكرسي الأنطاكي”.
قرار مجمعي

المجمع الأنطاكي المقدس
المجمع الأنطاكي المقدس

إن المجمع الإنطاكي المقدس المنعقد في دير سيدة البلمند البطريركي بتاريخ الثامن من شهر تشرين الأول عام 1993 قد اتَّخذ بإلهام الروح الكلِّي قدسه القرار التالي:
إنَّ الكنيسة الأنطاكية التي عاشت بقداسة القديسين وشهدت لها ترى اليوم نفسها عطشى إلى أن تتجدد بهم وهي تعي نفسها “محاطة بسحابة كثيفة من الشهود” (عبرانيين 1:12).
إنّ كنيسة أنطاكية تحس نفسها مشدودة إلى واحد من هؤلاء الشهود الخوري يوسف مهنا الحداد الذي وعظ وعلّم وأشاع نور معرفة اللّاهوت وكان فقيراً, عميق الإيمان, صبوراً, وديعاً, متواضعاً, شفوقاً, دمثاً وكلّل حياته بمجد الشهادة في دمشق في العاشر من تموز السنة ال1860 فجاء بذل دمه نُطقَ الروح فيه (راجع متى 20:10, مرقس 10:13). وإذ نحن تأملنا سيرته و”هالة مجد الله” عليه (رؤيا 11:21) “حسن لدى الروح القدس ولدينا” (أعمال الرسل 8:15) أن نعلن قداسة الخوري يوسف مهنا الحداد وحددنا تاريخ العاشر من تموز من كلِّ سنة ذكرى “للقديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي ورفقته”.
ترتيب الخدمة في صلاة الغروب
السبت في 9 تشرين الأول 1993
بعد قرار التطويب يقدِّس كاهن الدير بصمتٍ الأيقونة ويضعها على المائدة في كنيسة السيدة.
يستقبل كاهن الدير قبيل صلاة الساعة التاسعة البطريرك عند الباب الغربي حيث يرتدي المنتيه ويستلم العكاز.
يدخل إلى الكنيسة ويتقدمه الشمامسة والكهنة ثم الأساقفة وأخيراً المطارنة حسب ترتيب الأقدمية.
يقف في الكرسي وتبدأ الساعة التاسعة.
تُختم صلاة الساعة التاسعة. ويُعطى البطريرك البطرشيل والأموفوريون وكذلك رؤساء الكهنة ويقيمون التريصاجيون عن روح الخوري يوسف مهنا الحداد. يأخذ البطريرك مكانه عند الباب الملوكي.
يقف البطريرك عند الباب الملوكي ويتلو قرار المجمع.
تُقام صلاة الغروب مع الليتين والأغريبنية. يُطاف بأيقونة القديس ويقبلها البطريرك. بنهاية الأغريبنية تبقى الأيقونة مصمودة في الوسط ويتقدم رؤساء الكهنة فالكهنة الشمامسة فالشعب لتقبيلها.
القديس يوسف الدمشقي
في أسرته و أصله
ينتسب القديس يوسف إلى آل الحداد وهم من الغساسنة المتنصرين الذين حلّوا في أراضي حوران, فنشأ منهم بطن في إزرع و اشتهر منهم كبيرهم شرفان بن داوود بن جبرائيل الممتهن للحدادة.
رزق شرفان بسبعة ذكور جميعهم تركوا حوران نحو سنة 1554 بعد انتشار الأمن عقب الفتح العثماني لبلاد الشام، وحلوا في قرية الفرزل البقاعية بالقرب من زحلة. ثم انتقلوا إلى بسكنتا ومنها تفرقوا فتفرع عنهم بنو الحداد في دمشق وسواها وبيروت وبسكنتا والشوف… وبنو مسلّم في زحلة وبنو الصائغ في الشوير.
في نشأته
لما تكاثرت أسرة الحداد الغسانية في بسكنتا, وانتشر أبناؤها في بقاع بلاد الشام, سكن بعضهم في بيروت مؤقتاً منهم جرجس بن موسى بن مهنا الحداد، ومنها انتقل إلى دمشق في الربع الأخير من القرن (18) ومارس فيها صناعة النسيج و تزوج فيها ورزق بثلاثة ذكور (موسى وإبراهيم ويوسف). أحب موسى العلوم والعربية واقتنى في بيته مكتبة صغيرة, توفى عازباً ولم يتجاوز 25 عاماً في مطلع القرن 19. أما شقيقه إبراهيم فقد تزوج ورزق أولاداً سلالتهم الآن في بيروت والمهجر ومصر ومنهم يوسف .
من هو الخوري يوسف؟

الخوري يوسف مهنا الحداد
الخوري يوسف مهنا الحداد

هو ابن جرجس بن موسى بن مهنا الحداد, ولد في دمشق (أيار 1793) وتلقى مبادئ العربية واليونانية على المرحوم المعلم جرجس بن صروف (سيرافيم) بن اليان الحموي , لم يكمل تعليمه لفقر والده الذي شغّله في صناعة (سدي الحرير) وهي من الصناعات الشهيرة التي اختص بها المسيحيون الدمشقيون . بيد أن نفسه كانت تتوق إلى العلم والمعرفة، فكان يدرس في الليل حتى بلغ عمره 14 عاماً, عندها أخذ بمطالعة كتب شقيقه الأكبر المرحوم موسى, فلم يفهمها فحزن وناجى نفسه قائلا: “ألم يكن مؤلف هذه الكتب إنساناً مثلي فلماذا أنا لا أفهم معناها؟ لا بد لي من فهم ذلك؟” 
فانصب بكليته على الدرس, واتصل بعلامة عصره الشيخ محمد العطار الدمشقي فحصّل عنه العربية والمناظرة والمنطق والعلوم العقلية مع رفيقيه نقولا سبط الدمشقي وجرجس نعمة الله اليان الدمشقي.
أعيت الفتى يوسف مجدداً نفقات التعليم الكبيرة، إن كان من ناحية أجرة الدرس أو من ناحية ثمن الكتب. لأنه كان فقيراً ومعيلاً بنفس الوقت لأسرته فانكب على نهل العلم ليلاً وبمفرده.
وقع بيده قاموس (عربي-يوناني) لأحد المستشرقين, فاستعان به في دراسته لليونانية وقابل التوراة والمزامير على أصلهما حتى أتقن الترجمة من وإلى اليونانية، وقد اتصل بقريبه جرجس شحادة الصباغ الدمشقي وأخذ عنه العلوم الدينية والتاريخية.
خاف عليه والداه جداً لميله المفرط إلى نهل العلم في أن يلقى مصير شقيقه موسى حيث علل الأطباء موته بسبب الدرس المفرط، فوقفا من دراسته موقف الممانع وبشدة. إلّا أنهما كانا يتساهلان حينما يشاهدانه متلذذاً في اغتراف العلم وتقديمه إلى أقرانه الذين كانوا يتقاطرون إلى بيته طلباً للمعرفة والعلم. بالإضافة إلى ما كان يكنه له البطريرك الأنطاكي سيرافيم من تقدير واحترام لكنهما سرعان ما يعودان إلى تقريعه ولومه عندما يتذكران بكرهما الراحل موسى وموته شاباً بسبب العلم.
لما عيل صبرهما منه، أرادا أن يصرفاه عن العلم بتزويجه, وقد زوجاه عام 1812 من مريم الكرشة الدمشقية وكان عمره 19سنة، ولكن ذلك لم يشغله عن درسه (حتى أنه وفي ليلة عرسه كان يشتغل بالمطالعة).
لفضائله وعلمه اختارته دمشق اكليروساً وشعباً كاهناً، فرسمه البطريرك سيرافيم شماساً ثم قساً بعد أسبوع بالرغم من أنه لم يبلغ بعد 25 عاماً، أي سن الكهنوت القانوني، وكان ذلك سنة 1817 وكان الخوري يوسف يقول: “لم أشبع بعد من خدمة الشموسية“.
ذاعت شهرته وتجرده لخدمة البيعة الأرثوذكسية وعظاً وإرشاداً وتعريباً ونسخاً وتنقيحاً وخدمة البطاركة في الكتابة والمراسلة بدون عون وبغيرة منقطعة النظير.
استظهر المزامير والكتاب المقدس بعهديه عن ظهر قلب, وقد سبق أن تعلم العبرية من تلميذ يهودي كان من عداد تلاميذه .
أعاد فتح مدرسة دمشق الأرثوذكسية (الآسية) 1836  وضم إليها الكثير من تلامذته الذين كانوا يتعلمون في كتّابه (بيته)، ورشح الكثير منهم للكهنوت المقدس بعدما زرع فيهم حب هذه الخدمة الشريفة.
كانت الآسية تدّرس وقتئذٍ العربية واليونانية والتركية والإيطالية، إضافة إلى اللاهوت والرياضيات، فاختص هو بتدريس العربية والرياضيات والدينيات ومبادئ اليونانية والخط, فيم اختص زميله يني بابا دوبولس بتدريس اليونانية بآدابها، وينهل عن الخوري يوسف العربية. وكانت وقتها مدارس دمشق عموماً، عبارة عن كتاتيب فأخرج الآسية من هذا المفهوم، بالرغم من أنها عملياً لم تكن إلّا غرفة واحدة مقسومة بساتر قماشي في وسطها. فبادر إلى تنظيمها وفقاً للمدارس الأوربية, وأبدل السبتية  برواتب محددة تدفعها إدارة المدرسة أسبوعياً للمعلمين وعين لها وكلاء. وفي ستينات القرن (19)، أصبح عدد طلابها 378 طالباً وهو أعلى رقم تحققه عدة مدارس مجتمعة وقتئذٍ.
كافأه البطريرك مثوديوس على أتعابه في المجالات كافة فعيّنه ايكونوموساً للكرسي البطريركي في دمشق، فأخذ يسعى في تأهيل وتثقيف الكهنة روحياً ولاهوتياً وإدارياً، إضافة إلى عمله الرعائي في دمشق, إذ كانت عظاته البديعة في كنائس المريمية ومار نقولا وكبريانوس ويوستينة إضافة إلى كنيسة القديسة كاترينا ، أقوى نفير وأمضى سلاح في حث الأرثوذكسيين على نبذ العادات السيئة اجتماعياً وروحياً، إضافة إلى تحذيرهم وتحصينهم باستمرار من الوقوع في الشراك الغريبة عن إيمانهم الأرثوذكسي القديم.
وتعدى عمله الرعائي دمشق ومحيطها إلى مناطق حاصبيا وراشيا التي شردت بعض رعاياها للبروتستانتية بسبب الفقر وغياب الرعاة, وإن وجد رعاة إلّا أنهم كانوا بسطاء أمام القساوسة المبشرين وأسلوبهم المتقن وتقديمهم المساعدات المادية والعينية والطبابة والدواء لهؤلاء الفقراء. فأوفده البطريرك مثوديوس إليهما حيث مكث فيهما عدة أشهر, ورد الرعية إلى الحظيرة الأرثوذكسية بعدما أفحم القساوسة وأبطل إدعاءاتهم, وكذلك فعل مع المبشرين برئاسة كبيرهم (جريم)، الذي كانوا يسمونه المطران،  فأفحمهم في النقاشات اللاهوتية والفلسفية حتى أنه استطاع جذبهم للأرثوذكسية وأدخلهم الكاتدرائية المريمية في القداس الإلهي الأحد الأول من الصوم الكبير، حيث ارتجل يومها (عظة كانت على الأمانة) شبه معها بأنه يوحنا الذهبي الفم الثاني.
في عام 1845 سعى لتجديد كنيسة القديس نيقولاوس, وفي عام 1849 عرض عليه البطريرك الأورشليمي كيرلس الثاني (1845-1872) أن يتولى إدارة مدرسة المصلبة الاكليريكية في القدس بعدما ذاعت شهرة مدرسة الآسية, وأن يقوم بتدريس العلوم بالعربية فيها، وحدد له راتباً شهرياً مقداره 25 ليرة ذهبية وهو أضعاف ما كان يرده شهرياً في دمشق، لكنه لم يقبل.
عاود مجدداً إغراءه بتقديم دار سكنية مجانية مع المبلغ المرقوم مع احتفاظه ببطرشيله وتعويضات أخرى من رهبنة القبر المقدس, إلّا أنه تمنع قائلاً: “لقد زرعت في كرمة المسيح الحقيقية في دمشق, وأنا بانتظار الحصاد”. وأضاف: “إنني دعيت لخدمة هذه الرعية دون سواها منه وهو الذي دعاني” . وقد أرسل بدلاً عنه طيب الذكر الخوري اسبريدون صروف الدمشقي وهو أحد نوابغ طلبته .
في عام 1852 افتتح القديس يوسف فرعاً لاهوتياً أكاديمياً ومدرسة عليا للموسيقى الكنسية في مدرسة الآسية، وانتظم في سلك الطلبة (12) طالباً أصبحوا بطاركة ومطارنة، أسهموا في تعريب السدة الأنطاكية عام 1899 بشخص تلميذه البطريرك ملاتيوس الدوماني.
وكان يطمح بجعلها كجامعات أثينا وموسكو وبطرسبرج… وقد بدأ في التخطيط والإعداد من خلال توفير ما يلزم وأخصها الطباعة، فاتصل بتلميذه المحسن ديمتري شحادة راجياً معرفة سعر المطبعة الحجرية (الليثوغرافيا) في اسطنبول، لكنه عدل مؤقتاً عن المشروع عندما عرف بارتفاع ثمنها الذي لا قدرة له أو للمدرسة وحتى للبطريركية أن توفره لحيازتها.
ولولا استشهاده ودمار المدرسة 1860، لكان تحقق حلمه بتحويل الآسية إلى جامعة ولكانت أول جامعة في بلاد الشام.
كان يقوم بتنقيح المزامير والكتاب المقدس بعهديه لغوياً ولاهوتياً، والتي كان قد عربها فارس الشدياق ود. الى الإنكليزي بطلب من المبشرين البروتستانت الأميركيين، وقد أظهر لهم الكثير من الأخطاء .
وكان يطبع إنتاجه في مطبعة القبر المقدس في أورشليم أو في مطبعة القديس جاورجيوس الأرثوذكسية في بيروت أو في المطابع العربية في روسيا. وكانت بعض هذه المطابع ترسل إليه ما عُرب ليصححه قبل الطبع مكتفية بتوقيعه شهادة على صحة النص.

الكاتدرائية المريمية بدمشق
الكنيسة المريمية

في عام 1857 حدث انشقاق كبير في طائفة الروم الكاثوليك الشقيقة في دمشق والإسكندرية، وشمل العديد من الأبرشيات كنتيجة لتطبيق الحساب الغربي في تعييد الفصح بأمر بطريرك الكاثوليك السيد اكليمنضوس بحوث، وقد قام القديس يوسف برعاية هذا القطيع ورده إلى الأرثوذكسية وقام بطباعة كتاب أحدهم، شبلي أيوب (تنزيه الشريعة المسيحية عن الآراء الفلكية)، الذي دحض فيه كاتبه التقويم الجديد, وقد تناول أفراد هذا الفريق القربان المقدس بيد القديس يوسف في قداس الشعانين عام 1858 في المريمية بدمشق .
استشهاده
لما ذاع صيته دخل عليه يوماً أحد الوجهاء المسلمين الدمشقيين، وهو مصطفى بك العظم، في بيته راجياً صداقته وراغباً أن يتعلم منه المسيحية، فردّ القديس يوسف بالاعتذار سيما وأن ثمة تعارض بين ما يورد القرآن مع لاهوت السيد وقيامته من بين الأموات، إلّا أن مصطفى أصر على طلبه مبيناً أنه قد يعتنق المسيحية. فأبان له القديس يوسف وبصراحة الإجابات الدقيقة، الأمر الذي أفحم السائل واضطر أن يعترف بصحة الإيمان المسيحي ولكنه أضمر له الشر.
وعند حلول بوادر الفتنة الطائفية في (10) تموز 1860 بدمشق، وكانت الطرق المحيطة بالصرح البطريركي وداخله وأحياء المسيحيين ملأى بالمسيحيين اللاجئين من مناطق جبل الشيخ وجبل العرب والغوطتين إضافة إلى أبناء دمشق، وكانت منطقة المريمية هي الخط الأول الذي تعرّض لموجات هجوم الرعاع والجنود العثمانيين والأكراد بقيادة شمدين آغا…
وقد تم ذلك بتدبير من والي دمشق أحمد باشا، وبمساعي اليهود المحليين وبمباركة من الدولة العثمانية للتخلص من نظام الامتيازات.

مأذنة الشحم
مأذنة الشحم

قام القديس يوسف بتشديد المسيحيين متنقلاً بينهم وبجعبته القربان المقدس ليناولهم وباتوا ليلة 10 تموز تحت الحصار والتهديد بالقتل وكان وقتئذٍ يرتجل فيهم العظات يحضهم فيها على عدم الخوف من الاستشهاد بالمسيح، وناولهم القربان المقدس،

وفي صباح 10 تموز كان الجميع قد استشهدوا وحرقت المريمية والصرح البطريركي، أما هو فالتف بعباءته متنكراً متنقلاً بين الجرحى والشهداء ليناول من بقي منهم حياً متمماً لهم واجباتهم الدينية. وفي منطقة مئذنة الشحم التي تبعد حوالي 100 متر عن المريمية، تعرف عليه مصطفى العظم فقال للمهاجمين: “اقتلوه هذا هو إمام النصارى وبقتلكم له تقتلون كل النصارى”, فانقضوا عليه بالبلطات في وجهه ورأسه وصدره وبالرصاص في ظهره، فما كان منه إلّا أن تناول بفمه البقية الباقية من القربان المقدس الموجود معه كي لا تدوسها أقدام المعتدين. ثم ربطوه بحبل من رجليه وسحبوه وهم بنشوة عارمة بقتلهم (كوكب الشرق) كما أسماه مصطفى العظم، حيث ألقوه أمام المريمية مع بقية الشهداء وكان قد أسلم الروح.
الخاتمة
أكتفي بهذا القدر من الحديث عن القديس يوسف الدمشقي وقد اجتزأته من مخطوطي العائد إلى عام 1988، آملاً أن أحظى بشرف طباعة سيرته وسيرة تلميذه المجاهد ديمتري شحادة لتكامل الدور بين الاثنين.
ويسعدني أن أورد الخاتمة التي ختمت بها مخطوط 1988 المرفوع إلى غبطته وهي بالحرف:
“يعد هذا البار رائد النهضة الحقيقية في الكرسي الأنطاكي عموماً وفي عاصمته دمشق خصوصاً, على الرغم من أن إمكانياته المتواضعة فاقت العمل المطلوب للوصول إلى هذه النهضة وعلى الرغم من الصعاب الهائلة التي جاهد في وسطها، سواء كانت من داخل الكنيسة متمثلة بالرئاسة اليونانية التي كان هم معظمها جمع المال ووقفه على مواطنيها- مثالها: وصية متوديوس /14 ألف ليرة/ لصالح مواطنيه في جزيرة ناكسوس, ووقفية ايروثيوس الذي أودع باسمه في بنك أثينا مبلغاً كبيراً اقتطعه من تعويضات ضحايا رعية دمشق 1860- أو من خارج الكنيسة المتمثلة بالاقتناص المنتظم للخراف الأرثوذكسية بفضل الأصفر الرنان من قبل البعثات التبشيرية الغربية (كاثوليكية-بروتستانتية).
كل ذلك كان حافزاً لمطوب الذكر أن يهتم أولاً بالجيل علمياً وروحياً، في وقت كان الجهل رائده، فأسس المدارس العلمية والكهنوتية. وجاهد حتى الدم شهيداً عن المسيح.
إن هذا العظيم يحتاج إلى وقفة تأمل في تطويبه قديساً أنطاكياً في العصر الحديث, وإنني أرفع الصوت مدوياً تأييداً لرغبة مولانا البطريرك إغناطيوس الرابع فائق القداسة.
وقد أفصح عن رغبته بذلك حينما كلفني بإعداد هذه الدراسة عندما عرضت عليه الوثيقة 278.
دار البطريركية دمشق: 23 أيار 1988″ انتهى.
أرجو أن أكون قد أعدت إلى الأذهان هذا القديس الذي استشهد بمعمودية الدم في الموقع عينه الذي اعتمد فيه شاول قبل 1900 سنة على بعد 100 متر عن دار البطريركية في دمشق.

القديس يوسف الدمشقي
القديس يوسف الدمشقي

 

أضف تعليقاً