كاتدرائية دمشق

الكاتدرائية من كلمة كاتدرا اليونانية ومعناها المنصة أو السدة

كاتدرائية دمشق سابقا ، الجامع الأموي حاليا
كاتدرائية دمشق

، وهي كنيسة البطريرك أو المطران أو رئيس الأساقفة، ومن هنا كرسي الكاتدرا الذي يوضع عادة في هيكل الكنائس الأرثوذكسية الكبيرة خلف المائدة المقدسة، ككرسي الكاتدرا الجميل في الكاتدرائية المريمية بدمشق، والكاتدرا الحجري الفخم في كاتدرائية القديسين بطرس وبولس الأرثوذكسية في مدينة أنطاكية.

في تاريخ كاتدرائية دمشق

كاتدرائية دمشق حسب تسلسلها التاريخي، كانت أولاً كنيسة القديس حنانيا الرسول غير الموجودة حالياً ولكنها بجانبها، وأغلب الظن أنها المسجد الواقع في النطقة، وكانت تسمى كنيسة المصلبة أو كنيسة الصليب المقدس، وكانت دار أسقفية دمشق بجانبها. وفي سنة 379 مسيحية، أمر الأمبراطور ثيوذوسيوس الكبير بانشاء كاتدرائية يوحنا المعمدان.

نبذة في تاريخها

ـ في عهد ابراهيم ” الخليل ” المكنى ( الكلداني )، أنشأ الآراميون في القرن العشرين قبل المسيح، معبداً للإله (رمون) إلههم. وكانت في دمشق وقتئذ دولة آرامية قوية انتهت عند استيلاء الآشوريين عليها السنة 720 ق.م، وفي عهدهم استولى المصريون على سورية مدة من الزمن في القرن السادس ق.م وحكموا دمشق، وأدخلوا في معبدها عبادة إلههم (آمون)، كما كانت عادة كل الفاتحين الذين كانوا يُدخلون آلهتهم في عبادة الشعوب المغلوبة مع اقتباسهم لآلهة هذه الشعوب وتسميتها بأسماء من عندهم. وكان معبد رمون يشكل ربع مساحة دمشق آنذاك.

ـ مع قيام الاسكندر المقدوني بفتح سورية في أواخر القرن الرابع ق.م، حول معبد رمون الدمشقي الى هيكل للآلهة عشتروت، ( إلهة الزهرة) التي يعبدها. يتضح ذلك من الأعمدة (الضخمة) القائمة إلى اليوم في الجهة الشرقية عند آخر جادة القيمرية التي تؤدي الى النوفرة، كما في الجهة الغربية عند باب البريد بمحلة المسكية التي على أحد أعمدتها كتابة يونانية.

ـ اليونان الهلنستيون هم الذين رفعوا المعبد وجعلوا تحته فراغاً كبيراً لمنافع واستعمالات تتعلق بالعبادة، ولاستعمالات أخرى ربما كانت اجتماعية أو… أوحتى حربية. وفي هذا يقول مؤرخ دمشق الكبير مثلث الرحمات الخوري العلامة أيوب سميا:”إنه عندما منذ سنوات خلت فتحت دائرة الآثار في دمشق ذلك الفراغ، ظهر في أحد جدرانه حجر مبني فيه تمثال الإله المصري (آمون)بغيراكتراث من اليونان الهلنستيين الذين حولوا المعبد الى هيكل لهم وهم لايعبدون آمون. أما الرومان، فمذ فتحوا دمشق،حولوا معبدها الى عبادة معبودهم الأكبر جوبتير التي استمرت حتى أصبحت الدولة مسيحية.

دمشق المسيحية

ـ دمشق عريقة في مسيحيتها منذ العصر الرسولي، فبعد أن صعد الرب يسوع إلى السماء، وأرسل إلى تلاميذه يوم العنصرة المعزي الذي حل على رؤوسهم على شكل ألسنة نارية رافقها الصوت الإلهي:” اذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمدين ايهم باسم الآب والإبن والروح القدس“، تفرق الرسل الأطهار حسب الأمر الإلهي في كل أرجاء المسكونة، وراحوا يبشرون بالخلاص بالرب يسوع، ومنهم السبعون رسولاً الذين كان حنانيا الدمشقي أحدهم. حنانيا هذا، كان يهودياً دمشقياً وجيهاً في طائفته. جاء فلسطين ليرى الرب يسوع، ويسمع كلامه ويشاهد معجزاته التي ملأت الآفاق، كما فعل الكثيرون من أبناء شعوب سورية وفينيقية والعربية والأمم( اليونان). ثم عاد إلى دمشق في وقت كان فيه الرب يسوع لا يزال على الأرض قبل صعوده إلى السماء، وراح يبشربه حتى الى مابعد صعوده الى السماء، وراح يبشر به حتى الى مابعد صعوده على قول سفر أعمال الرسل:” إنه صار في دمشق جماعة نصرانية يرأسها حنانيا“الذي يُعَدُ أول أُسقف لدمشق. في نفس الوقت، وبعد ازدهار الكنيسة الأولى في أورشليم، جرت اضطهادات عنيفة من اليهود والرومان للقضاء على أتباع المسيح الذين كان باكورة شهدائهم كبير الشمامسة السبعة القديس استفانوس. وتفرق المؤمنون في أرجاء سورية انطلاقاً من دمشق وصولاً الى أنطاكية حيث لم يبق في أورشليم إلا بعض الرسل. وكان في اورشليم آنذاك يهودي فريسي طرسوسي متعصب يدعى (شاول)

شَهِدَ اضطهاد المسيحيين بل ساهم فيه، وتحديداً في إعدام (استفانوس).هذا الأخير انتشى بنتائج هذه الاضطهادات

ظهور المسيح لشاول الطرسوسى- القديس بولس الرسول
ظهور المسيح لشاول الطرسوسى- القديس بولس الرسول

فتقدم من السنهدريم بطلب تكليفه بالتوجه الى دمشق والقبض على مسيحييها وزعيمهم حنانيا وإحضارهم موثقين الى أورشليم، بعدما تكاثر عددهم بشكل مقلق. كلفه السنهدريم بهذه المهمة وزوده برسائل توصية لنائب الحاكم بدمشق (الحارث)ليساعده في تنفيذ مهمته. وفي الطريق، بالقرب من دمشق في مكان يدعى كوكب حصلت له تللك المقابلة والمواجهة الرهيبة مع الرب يسوع الذي ناداه: ” شاول، شاول لماذا تضطهدني؟ انك لاتستطيع أن ترفس مناخس.” وأبرق في وجهه بنوره الإلهي العظيم الذي جعل جواده يجفل ويلقي شاول أرضاً مغشياً عليه فاقد البصر.

ـ هذه المعجزة وضعت شاول وجهاً لوجه مع الرب يسوع، فنقلته فوراً الى مصف التلاميذ الأطهار وهو الذي لم يتتلمذ عليه قط كالآخرين، وجعلته رسولاً للجهاد الأمين مبشراً ومنذراً ومشرعاً للأمم . ويكفي المرء ان يقرأ رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس التي رتبتها الكنيسة في 29 حزيران من كل عام عيداً للكرسي الأنطاكي المقدس هو “عيد القديسين بطرس وبولس” ليدرك صفات شاول الأساسية والأنقلاب الهائل الذي حصل في حياته، والصعوبات المرة التي عاناها فزادته صلابة وعناداً في التصميم على نشر الحق.

ـ من الثابت أن اسم بلدة داريا المجاورة لكوكب مستمد من ( دار رؤيا) أي رؤية القديس بولس.لكن البحاثة الأب أيوب سميا يقول إنها قرية ( الشيخ سعد ) في حوران، يؤيده في ذلك المونسنيور نصر الله إنما بدون سند، كما يفعل بعض الرهبان اللاتينين الغربيين.

الشارع المستقيم
الشارع المستقيم

 


أما حنانيا ( أول اسقف لدمشق ) فقد كان يقطن في دمشق، شمال الزقاق المستقيم إلى الشرق حيث كنيسة حنانيا حالياً. وقد ظهر له ملاك الرب في الرؤيا وأمره بالذهاب إلى شاول لتعميده علماً بأن المسيحيين كانوا يرتجفون لمجرد سماعهم اسم شاول الذي ينوي البطش بهم. ومع ذلك امتثل حنانيا للأمر وتوجه إلى بيت يهوذا في الشارع المستقيم.( أعمال 9 :11).

قام حنانيا بعماد شاول في بيت يهوذا فسقطت عن عيني الأخير قشور فأبصر مجدداً وأنقلب من طاغية على الميسح إلى أعظم مبشر به.

إن يهوذا هذا لم يرد ذكره في” أخبار القديسين ” ولا في التاريخ الكنسي وحتى في كتب الليتورجيا، ويبدو أنه كان مسيحياً من مسيحيي دمشق المؤمنين، وإلا لما تم تنصير شاول في بيته، وقد تتلمذ بعد ذلك على حنانيا الرسول واستشهد لاحقاً.

هررب شاول من دمشق بعد ذلك،لأن اليهود أوغروا صدر السلطة الرومانية.(سيما وأن جنسيته كانت رومانية).أما

باب كيسان
باب كيسان

هروبه فقد تم بمساعدة ” جاورجيوس البواب” الذي كان بواباً على الباب الذي تسمى فيما بعد باسم بولس (فانزله في سل كبير” زنبيل” من نافذة على السور الشرقي للمدينة بجانب الباب ومكّنهُ من النجاة، فكان عقابه القتل من الرومان واليهود، وتم رمي جثته بجانب الباب. فقام المؤمنون بدفنه بالقرب من مكان استشهاده. وفيما بعد بنى المسيحيون ديراً دخل فيه قبر الشهيد الأول بالمسيح من دمشق على اسم الشهيد جاورجيوس البواب، وهو عينه مقام القديس جورجيوس في تل العظام(كما كان يسمى) دفن المسيحيون فيه موتاهم فاصبح مقبرة لهم .

أما أول كنيسة لأسقف دمشق، فكانت بيت حنانيا الذي جعلها في القبو حتى صدرت عن الأمبراطور قسطنطين السنة313 مسيحية براءة ميلان(ايطاليا)، التي فيها أباح للمسيحيين حرية العبادة. عندها أحدثت كنيسة الأسقفية وكانت بدورها على اسم الرسول حنانيا.

ومن الجدير ذكره أن حنانيا الرسول قُتل بأمر والي دمشق الروماني “لوكيانوس” ورُميت جثته فأخذها المسيحيون خفية ودفنوها في بيته لأنهم درجوا على دفن الشهداء في الدياميس التي أضحت كنائس سرية للعبادة.

ومن الجدير ذكره ايضاً أن مؤرخي دمشق لم يذكروا كنيسة حنانيا باسمها هذا، ومنهم “ابن عساكر” في كتابه “خطط دمشق” حيث ورد ذكرها باسم ” كنيسة المصلبة” التي حدّد مكانها بين باب توما والباب الشرقي الذي كانت تتفرع قربه جادة من الشارع المستقيم تسير مستقيمة شمالاً باتجاه السور مارة بجانب كنيسة حنانيا، وتتصالب عند هذه الكنيسة مؤلفة جادة مستقيمة أخرى تسير من السور شرقاً لتصل قلب المدينة فتسمى “كنيسة المصلبة”. بينما يقول البعض إن هذه التسمية مشتقة من إسم ” الصليب المقدس”، وقد بنيت هذه الكنيسة في مستهل القرن 4 المسيحي، وتسمى هذه المنطقة اليوم” بالمسبك” نسبة الى مسبكٍ للزجاج وُجِدَ فيها في القرون الأخيرة. علما أنه كان قد أُقيم دير على اسم الصليب المقدس شمال باب توما خارج سور دمشق في القرن ذاته

وقد اندثر لاحقاً واتخذ الموقع الذي كان فيه هذا الدير اسم” بستان الصليب المقدس” في منطقة القصاع(حالياً) بنيت فيه كنيسة على اسم الصليب المقدس في عام 1932 .

وباعتلاء الأمبراطور ثيوذوسيس الكبير 379 م عرش بيزنطية، فرض المسيحية ديناً رسمياً للدولة، وحارب عبادة

قصر العظم
قصر العظم

الأوثان، وأمر بتحويل المعابد الوثنية الى كنائس في أرجاء الأمبراطورية الرومية، وبتحويل ممتلكاتها الى أوقاف مسيحية، وبهذا تحول معبد الزهرة بدمشق الى كنيسةعلى اسم النبي الكريم والسابق يوحنا المعمدان، وجُعلت كاتدرائية دمشق لضخامتها حيث كانت مع حرمها تشكل ربع مساحة مدينة دمشق القديمة. وجعلت بجانبها دار أسقفية دمشق، وإلى الجنوب منها قصر والي دمشق “نائب الأمبراطور” وهو قصر العظم (حالياً).

كان والي دمشق يدخل الكنيسة كل يوم صباحاً للصلاة( قبل مباشرته مهامه) من بابها الجنوبي (سوق الصاغة القديم حالياً) ويخرج منه. وقد نُقِشَت على ساكف هذا الباب باليونانية عبارة من المزامير : “ملكل ملك جميع الدهور وسيادتك في كل جيل وجيل“، ومازالت هذه العبارة موجودة حتى الآن باقية لم تُزَل كما أُزيلت كل النقوش والرسوم والرموز المسيحية التي ظهرت بعد إزالة دكاكين الصاغة والقباقبية من الجهتين الجنوبية والغربية الملصقة بجدار الجامع الأُموي اثناء إعادة ترميمه، ومنها تلك الأيقونة الرائعة للرب يسوع( الضابط الكل) المنقوشة على أعلى الجدار الجنوبي للجامع وقد اتى على معظمها صاروخ حت بيد جاهل.

أما الأمبراطورالبيزنطي مركيانوس فقد أمر في عام 405 مسيحية بنقل رأس القديس يوحنا

قبر رأس النبي يوحنا المعمدان من الداخل
قبر رأس النبي يوحنا المعمدان من الداخل

المعمدان الذي كان محفوظاً في القسطنطينية إلى دمشق، ليوضع في كاتدرائيتها التي على اسمه، وقد تم وضع هذا الرأس وقتئذ في صندوق من الفضة الخالصة على المائدة المقدسة في العام ذاته، وبقي الى 614 م، حينما اجتاح الفرس بلاد الشام ونهبوا “إيلياء” القدس وأخذوا خشبة الصليب المقدس الى بلادهم، وقد خاف الدمشقيون على ذخيرتهم المقدسة من المصير ذاته فيما لوفتح الفرس دمشق، فحفروا حفرة عميقة في ارض الكنيسة، وأخفوا بداخلها الرأس المقدس ضمن الصندوق مع كتابة باليونانية بداخله للدلالة على صاحبه، وميّزوا المكان بعلامة خاصة لايعرفها الا عدد قليل لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة حفظاً للسرية.

ويُقال إن مكان إخفاء الصندوق كان القسم الشرقي من الكاتدرائية/ محلة النوفرة (حالياً)/في موقع مقهى النوفرة تحت الكاتدرائية في ذلك الفراغ الذي كان الهلنستيون قد اتخذوه، والذي أصبح في وقت إحداث الكاتدرائية منسكاً رهبانياً بداخله حمام خاص بالرهبان الذين كانوا يؤلفون سدنة الكاتدرائية وخدامها.

أما مسيحيو دمشق وقتئذ فكان معظمهم من الأرثوذكسيين “الخلقيدونيين” وهم على مذهب الدولة الرومية، وكان لهم في كل دمشق تسع وعشرون كنيسة تتقدمها كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، وبجانبها دار الأسقفية. وكان أُسقف دمشق يلي البطريرك الأنطاكي من حيث الأهمية الدينية والسياسية.

وكان في دمشق قلة من اللاخلقيدونيين لهم بعض الكنائس ودار أسقفية بالقرب من باب توما، ولكن هؤلاء لم يكونوا مرتاحين في ممارسة عقيدتهم كونها مخالفة لمذهب الدولة الرومية، وكانوا بالتالي ناقمين على هذه الدولة ومن تمذهب بمذهبها.

فتح دمشق 

فتح العرب المسلمون دمشق يوم الثلاثاء 22 جمادى الثاني سنة 13 هجرية، الموافق ل 24 آب سنة 634 مسيحية، فدخلها خالد بن الوليد من الباب الشرقي، ودخلها أبوعبيدة بن الجراح من الباب الغربي ” باب الجابيية” بعدما حاصرتها جيوش المسلمينمن كل جانب، وعسكر عدد من القادة والصحابة على أبوابها السبعة. كان ذلك زمن الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان قد عهد الى خالد بقيادة الجيوش، ولكنه مالبث أن عزله وولّى مكانه أبا عبيدة بكتاب مخصوص أرسله اليه. إلا أن الأخير لم يبّلغ خالداً بذلك خجلاً منه من ناحية، ولأن الظرف العسكري الناشي عن حصار دمشق الذي دام حوالي أربعة أشهر لم يكن مؤاتياً لهذا التغيير. وقد أبلغه بذلك بعد فتح دمشق. وكان يزيد بن أبي سفيان قد نزل أيضاًعلى الباب الصغير، بينما نزل كيسان مولى معاوية على باب بولس ، وكان المدد العسكري يرد من أبي الدرداء الذي عسكر بقرية برزة شمال دمشق.

في “فتوح الشام” للواقدي، ورد أنه كان لليعاقبة (السريان) جملة كنائس منها كنيسة صغيرة على اسم القديسيّن سرجيوس وباخوس ذُكر في مواضع أخرى أنها على اسم العذراء. وكان يخدمها كاهن يُدعى ” يُوانس (يونان) بن مرقس”، وكان بيته ملاصقاً للسور وفيه نافذة تنفذ الى الخارج، فلما طال الحصار على دمشق وتضايق أهلها وضعفوا، وجد هذا الكاهن أن سقوط المدينة صار محتوماً وقريباً، فصار ينقر في السور ليلاً، وأتى الى معسكر خالد واجتمع به، واتفق معه على أن يفتح لهم باب الشرقي مقابل وعد من خالد يمنحه فيه الأمان له ولرعيته. فوعده وأرسل معه مائة رجل، دخلوا وإياه من تلك النافذة، ثم قام بقرع ناقوس الكنيسة ثلاث قرعات خفيفة وهي الإشارة المتفق عليها للبدء بالهجوم، فبادر الهاجمون الى قتل حراس باب الشرقي، وكسروا أقفال الباب وفتحوه واندفع خالد وجيشه صائحين ومكّبرين وأعملوا السيف في رقاب الأهالي، حيث أن الجيش الرومي كان قد أخلاها منذ بدء الحصار. ولما تم هذا الفتح كافأ المسلمون اليعاقبة وقربوهم، بينما ضايقوا الأرثوذكسيين لأنهم على مذهب الدولة الرومية فأخذوا يتسربون إلى الأناضول، وكانت يونانية صرفة، واستولى اليعاقبة على كاتدرائية المعمدان كذلك نرى أسقفهم قد حبس فيها وفقاً لسلطته الدينية الشاعر الأخطل (من رعيته) سنة 701م .

ومن الطبيعي أن يستقر الفاتحون وسط المدينة، حيث كانت دور السلطة في موقع الكاتدرائية، وجعلوا دور

كاتدرائية المعمدان
كاتدرائية المعمدان

الولاية بجانبها، وحولوا قسماً من شرق الكاتدرائية إلى مسجد للصلاة. ونتيجة لازدياد عدد المسلمين في دمشق، لم يعد ممكناً أن يتسع لهم هذا المسجد من جهة، إضافة إلى شكواهم السمرة من قرع النواقيس من جهة ثانية. فقام الخليفة عبد الملك بن مروان يطالب نصارى دمشق بكل الكاتدرائية على أن يدفع لهم ثمنها ليحوّلها إلى مسجد فرفضوا طلبه و امتنع عن إتمام مشروعه.إلا أن الوليد أراد يمتلك الكنيسة بأي ثمن فجمع النصارى وعرض عليهم دفع مبالغ طائلة لقاء تنازلهم عنها، فأبوا، وعندها أدخلها في المسجد وقال :”إننا نعوض بكنيسة مريم عن كنيسة يحيى“.

وفي تاريخ ابن عساكر ورد : “…فلما كان فتح دمشق، كان المسلمون يُصّلون في ناحية منها، والنصارى في ناحية. ولم يزالوا كذلك حتى وُلّيَّ الوليد بن عبد الملك، وقال للنصارى: أعطونا نصف الكنيسة التي بأيديكم ونحن نبني لكم كنيسة حيث شئتم من دمشق، فأبوا عليه، فقال لهم: ائتونا بالعهد، فأتوه به وقال لهم: قد رضيتم به فأنا أسجل البعض عليكم فنظروا فإذا كنيسة كذا وكنيسة كذا وكنيسة كذا فرضوا بأن أعطوا الكنيسة وكف عن كنائسهم”. وقال هشام بن عمار:”إن الوليد قال لهم لما أتوه بالعهد، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة والكنيسة الداخلة صلحاً فأنا أهدم كنيسة توما، وكانت أكبر من هذه الداخلة. فرضوا بهدم الكنيسة الداخلية، يعني نصف الكنيسة الذي كان بأيديهم فهدمها وأدخلها في المسجد…”

وجدير ذكره أن كنيسة توما هذه كانت تقع شرقي دمشق باتجاه الشمال، وهي الآن مسجد الشيخ أرسلان حيث قام المسلمون الفاتحون بفن بعض شهدائهم من الصحابة حين الفتح. لذا حولت الكنيسة بوقت مبكر إلى مسجد، ثم أصبحت مقبرة للمسلمين شرقي المدينة .

قبر رأس يوحنا المعمدان
قبر رأس يوحنا المعمدان

 

“… وكان هدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين للهجرة،وكان الشروع في البناء سنة سبع وثمانين للهجرة، فأقاموا في بنائه سبع سنين، فمات الوليد ولم يتم، فأتمه هشام من بعده”. وروى الغساني عن جده “إنه قال لما اهتم الوليد بكنيسة ماريوحنا ليهدمها ويزيدها في المسجد، دخل الكنيسة ثم صعد المنارة ذات الأضالع المعروفة بالساعات وكان بها راهب يأوي الى صومعة له بها فأحدره من الصومعة. فأكثر الراهب كلامه، فلم تزل يد الوليد في قفاه حتى أحدره من المنارة. ثم هم بهدم الكنيسة، فقال له جماعة من النصارى البنائين: ” نحن لانجسر على أن نبدأ بهدمها ياأمير المؤمنين، نخشى أن نجن أو يصيبنا شيء. فقال الوليد: تحذرون وتخافون ! ياغلام، هات المعول”. ثم أتى بسلّم فنصبه على محراب المذبح، وصعد فضرب المذبح حتى أثّر فيه أثراً كبيراً.ثم صعد المسلمون فهدموه. وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة التي في المسجد الكنيسة التي تعرف بحمام القاسم بحذاء دار أم البنين في الفراديس، فهي تسمى ماريوحنا…”

وفي نفس الموضع، قال عبد الرحمن بن عامر اليحصبي: “وصاح النصارى وعلا النوح وولولوا فالتفت إلى زيد بن تميم وكان على الخراج وقال ابعث إلى اليهود حتى يأتوا على هدمها. ففعل فجاء اليهود وهدموها…”.

وفي موضع ثان، قال المغيرة بن عبد الملك في نفس الشأن حيث قال الوليد للنصارى:”هذا حق قد جعله الله لنا لنصلي فيه. فقالوا له ياأمير المؤمنين لقد أقطعتنا أربع كنائس وبذلت لنا من المال كذا وكذا، فإن رأيت أن تتفضل به علينا فافعل. فامتنع عليهم حتى سألوه وطلبوا إليه، فأعطاهم كنيسة حميد بن درة وكنيسة أخرى بجنب سوق الجبن وكنيسة مريم وكنيسة الصليبة…”.

وبالمناسبة، كانت هذه الكنائس الأربع واقعة في القسم الشرقي من المدينة، وهي التي حولت الى مساجد عدا كنيسة مريم التي كانت مغلقة لوقوعها على الخط الفاصل بين شطري المدينة، وقد اعتبرت من أملاك الدولة.

وسار سليمان بن عبد الملك الذي تولى الخلافة من 715 إلى 717م على خطة شقيقه الوليد. أما الخليفة الورع عمر بن عبد العزيز (717ـ 720 )، ” فإنه أوجب البّرِ بالعهود وإعطاء كل ذي حق حقه. فأمر عامله في دمشق أن يرد إلى النصارى كنيستهم فكره مسلمو دمشق ذلك وقالوا: ” نهدم مسجدنا بعد أن أذّنا وصلينا به.” ثم أقبلوا على النصارى فسألوهم أن يعطوهم جميع كنائس الغوطة التي أُخذت عنوة على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا فرضوا بذلك“.

وبالعودة إلى فعل الوليد الذي أدخل الكنيسة في المسجد، نجد أنه بدأ في عام 706م بتحويلها. وأثناء الحفر في أرضيتها، عثر الفعلة على الحفرة والصندوق الحاوي رأس القديس يوحنا المعمدان. فدعوا الخليفة الوليد لإطلاعه على ذلك، فأمر بفتح الصندوق، وعندما عرف صاحبه (وهوعندهم النبي يحي بن زكريا ) أمر بإكرامه وإعادته إلى مكانه وبناء قبة فخمة فوقه وهي لاتزال قائمة حالياً .

قال زيد بن واقد: ” وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافاه وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة أذرع بثلاثة أذرع. وإذا فيها صندوق، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط، وفي السفط رأس يحي بن زكريا عليه السلام مكتوب عليه: هذا رأس يحي فأمر به الوليد، فرد إلى مكانه وقالوا: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا ًمن الأعمدة

جرن المعمودية والبئر
جرن المعمودية والبئر


كان جرن المعمودية وبجانبه بئر ماء يقع بالقرب من قبر القديس يوحنا (ولا يزال)، ولما امر الوليد عام 705 بإعادة كنيسة مريم الى الأرثوذكس الذين كانوا قد لفتوه إلى أن كنيسة يحي كانت < كاتدرائية الأسقف> التي كانوا يملكونها منذ بنائها إلى ماقبيل فتح دمشق. وكانت كنيسة مريم وقتئذ مغلقة لوقوعها على الخط الفاصل بين دخول جناحي جيوش المسلمين كما مر.

وكانت في حرم كنيسة مريم كنيسة ثانية باسم الشهيدين كبريانوس ويوستينة بنيت في مستهل القرن السادس، وكنيسة ثالثة باسم القديس نيقولاوس بنيت لاحقاً. وكان على أمتار قليلة شمالي كنيسة مريم دير للراهبات بجانب درب مريم الذي كان يصل بين باب الصغير جنوباً وباب الفراديس شمالاً، يهتم بالفتيات اليتيمات الصغيرات ويتعهدهن ليصبحن راهبات مستقبلاً وبجانبه مستشفى على اسم الشهيد القديس بندلايمون الطبيب.

إن هذه التطورات حّولت كنيسة رئاسة أساقفة دمشق من كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان إلى كنيسة مريم التي أصبحت هي الكاتدرائية منذ 705م إلى 1342 لتتحول إلى كاتدرائية بطريركية أنطاكية الأرثوذكسية، بعدما تم نقل مقر الكرسي الأنطاكي المقدس من أنطاكية إلى دمشق بهمة البطريرك أغناطيوس الثاني لتتوحد به وحتى الآن سلسة أساقفة دمشق التي بدأت بحنانيا الرسول كأول أساقفة دمشق كما مر، وسلسلة بطاركة أنطاكية التي بدأت بدورها ببطرس الرسول.

الخاتمة

تاريخ مسيحي مجيد تفخر به دمشق المقدسة الأقدم في مسيحيتها( بعد القدس موطن الرب يسوع الأرضي) وناقلة البشرى المسيحية إلى كل المسكونة. وهذا ما يوجب على مسيحييها المتجذرين في سوريتهم وعروبتهم إلى التمسك بها وبوطنهم سورية بلاد الشام مهد المسيحية كون فلسطين تشكل القلب فيها، وعدم الهجرة منها. وأن عليهم أن يدركوا أن هجرتهم منها ليست سوى مساهمة إيجابية في تنفيذ ماخططت له الدوائر الصهيونية والمحافل المشبوهة عالمياً لإفراغها من مسيحييها ولتصبح أماكنها المقدسة مجرد آثار بدون شعب، كما تفعل اسرائيل بمسيحيي فلسطين عموماً والقدس خصوصاً.

وليتذكروا أن تربتها اختلطت برفاة أجساد آبائهم وأجدادهم الذين لم يتركوها برغم كل النوائب والمحن التي عاشوها.

كاتدرائية دمشق -الجامع الأموي
كاتدرائية دمشق -الجامع الأموي

 

مصادر البحث:

ـ الوثائق البطريركية.

ـ مخطوط لمؤرخ دمشق الأب ايوب لم ينشر.

ـ د. أسد رستم كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى

ـ الكتاب المقدس – أعمال الرسل.

ـ ابن عساكر.

ـ البلاذري .

ـ الأصفهاني.

ـ الواقدي فتوح البلدان.

ـ الخوري ميخائيل بريك صورة مخطوط تاريخ بطاركة أنطاكية.( المخطوطات البطريركية).

أضف تعليقاً