مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس

نبذة في تأسيس مدينة أنطاكية

كان سلوقوس نكتاروس(الظافر) وهو أحد قواد الاسكندر المقدوني قد تقاسم مع القواد الآخرين
امبراطورية معلمهم العالمية بعد وفاته، فكانت منطقة الشرق حتى بلاد السند تحت ولايته، كما آلت الاسكندرية وسائر الشمال الافريقي الى رفيقه بطليموس، وذلك في العام 300 ق.م.

-أراد سلوقس أن يبني عاصمة جديدة له تتمتع بالحصانة بخلاف السويدية (على مصب العاصي)، فصعد الى الجبل الأقرع في 23 نيسان 300 ق.م وقدم الضحية للاله زوس فجاء النسر وحمل الضحية، وطار بها الى جبل سيليبوس وألقاها هناك. ثم عاد في أول ايار فصعد الى الجبل الأقرع وقدم الضحية مجدداً للاله زوس، فجاء النسر ثانية وحمل هذه الضحية وطار بها الى موقع حصين على سفح جبل سيليبوس محمي من ظاهره بجبل آخر، فأدرك أن الاله زوس أرشده الى مكان عاصمته المنشودة. فبنى هذه العاصمة، وأسماها أنطاكية على اسم والده انطيوخوس . تميز موقع هذه المدينة بوقوعه على منحنى نهر العاصي، وقد جمع بين فوائد البر والبحر الذي كان قريباً، والعاصي كان صالحاً آنئذ للملاحة، حتى أن المراكب (مهما كان ثقل غاطسها) تمخر مياهه الى أنطاكية، وهناك كان يتم افراغ حمولتها. وربط سلوقس أنطاكية ببابل (وكانت أعظم مدن الشرق وهي عاصمة الشرق للاسكندر) بطريقين معبدتين تسهيلاً لنقل الجيوش،وتشويقاً لانتقال التجار والسلع. وسعى لتهلين الشرقيين من رعاياهم، فسهل لهم الاقامة في منطقة العاصي.

نشأت أنطاكية أربعة أحياء يحيط بكل منها سور منيع مزدوج لاتزال آثاره بادية حتى الآن،وقد سميت ” تترابولس” (المدن الأربع) باليونانية.وجدير ذكره أن سلوقس أنشأ اربع مدن هي أنطاكية (على اسم والده )وسلوقية (على اسمه) وآفامية( على اسم زوجته) ولاوذيكياس(اللاذقية ) على اسم أمه.

-وفي سنة 64 ق.م، فتح الرومان بقيادة بومبيوس سورية، فجعل انطاكية عاصمة ولاية سورية، ودعاها عين الشرق كله، وجعلها مقراً للحاكم الروماني العام، وربط بها فلسطين مع استقلالها الذاتي لخصوصية اليهود.

كنيسة أنطاكية

-ان كنيسة مدينة انطاكية تعد من أقدم الكنائس بعد أورشليم، وقد قبلت المسيحية عقيب صعود الرب يسوع المسيح الى السماء بثلاث سنوات. وذلك أنه بعد استشهاد القديس استفانوس في اورشليم سنة 37 مسيحية، جاء انطاكية مؤمنون من قبرص والقيروان ، ونجحوا في كرازتهم، وطارت انباء نجاحهم الى الكنيسة في اورشليم فبعثت العالم العلامة برنابا الذي انضمت اليه جموع غفيرة، فتشجع على الذهاب الى طرسوس، حيث أتى بشاول (بولس الرسول) الى أنطاكية، وأخذا معاً في التبشير هنالك بانجيل السيد المسيح .فازدهرت الكنيسة الأنطاكية واشتهرت في العالم ودعيت فيها الكنيسة مسيحية، وسمي فيها المؤمنون مسيحيين لأول مرة. فخرج منها المرسلون الى أقطار العالم في الشرق والغرب، كما خرجوا من دمشق، حيث زرعوا بذار الدين المسيحي مما جعل لها حقوقاً شرعية على الكنائس الجديدة في الأصقاع الشرقية. فلذلك نرى أسقف أنطاكية متقدماً منذ عهود المسيحية الأولى على سائر أساقفة الشرق، فهو الذي ترأس المجامع المكانية في الشرق( أنقرة سنة 315 وقيصرية سنة 316 ).والتقاليد الشريفة تثبت لنا أن الرسولين برنابا وبولس أسسا كنيسة أنطاكية حوالي سنة 42 للمسيح. وأن بطرس الرسول كان أول أسقف أقيم عليها ومكث على رعايتها ثماني سنوات أي من السنة 45 الى السنة 53 ،وكانت أنطاكية عاصمة الشرق في تلك الأيام تضم نحو 700000 نسمة.

-في سنة 325 انعقد المجمع المسكوني الأول في نيقية، واعترف لكنيسة انطاكية بالرئاسةعلى سائر اساقفة الشرق .

ثم جاء المجمع المسكوني الثاني سنة 381 مثبتاً أعمال المجمع الأول. واعترف المجمع المسكوني الثالث سنة 431 باستقلال كنيسة قبرص عن أنطاكية. ثم منح المجمع المسكوني الرابع سنة 451 لقب بطريرك لأسقف أنطاكية. فالحوادث السياسية والهرطقات الدينية قد عملت على فصل بعض المقاطعات عن أنطاكية أيضاً وعلى تأسيس بطريركيات خاصة لها، ومنها الكنيسة الآشورية في بلاد مابين النهرين وفارس التي دخلت في هرطقة نسطوريوس فحرمها المجمع المسكوني الثالث سنة 431، ثم انفصلت عن انطاكية السنة 498، ومنها الكنيسة السريانية اليعقوبية التي سقطت في هرطقة الطبيعة الواحدة، التي حرمها المجمع المسكوني الرابع سنة 451، وانفصلت في سنة 513. ومنها اتباع هرطقة المشيئة الواحدة، الذين حرمهم المجمع المسكوني السادس سنة 680 ،ومنهم الموارنة أيضاًالذين استقلوا عن البطريركية الانطاكية بانتخاب أول بطريرك عليهم يوحنا مارون سنة 685 ،وكانوا أول كنيسة اتحدت برومه مع وجود الفرنج في بلاد الشام في العام 1182، في عهد البطريرك ارميا العمشيتي، وأعلنت خضوعها لبابا رومه .

-في السنة 1050 استقلت الكنيسة الكرجية الأرثوذكسيةعن أمها كنيسة أنطاكية، وصارت كنيسة ارثوذكسية مستقلة مالبثت الكنيسة الروسيةأن ضمتها اليه عام 1840 ،ثم أعيد اليها استقلالها مع نجاح الثورةالشيوعية في روسيا عام 1917 و تسمت بطريركية جيورجيا.

لغة الكنيسة الانطاكية

بقي الكرسي الأنطاكي قروناً طويلة منذ نشأته حتى الفتح الاسلامي للمنطقة في عام 633، اكليروساً وشعباً، معروفاً بصبغته اليونانية ،بالرغم من وجود شعب قليل في شمال سورية يتكلم السريانية. وهذا مايقلل وجود أحبار سريان بين البطاركة والأساقفة وسائر رجال الاكليروس اليوناني الأصل واللغة ، الذين كانوا يتولون شؤون الكرسي الأنطاكي المقدس . ومعلوم أمر مدرسة أنطاكية الشهيرة، وتلاميذها الكثيرين مثل يوحنا الذهبي الفم وغيره ،وكذلك مدرسة اديسا أوالرها (اورفا)، ومدرسة نصيبين (ديار بكر). وهاتان المدرستان كانتا تدرسان اليونانية والسريانية معاً، وقد نبغ في هذه المدارس عدد عظيم من الرجال الذين من بينهم بطاركة وأساقفة لبقية الكنائس أيضاً. ومنذ أن فتح المسلمون أنطاكية سنة 635 أخذت اللغة اليونانية تتضاءل شيئاً فشيئاً ازاء العربية لغة الفاتحين فاندثرت تلك المدارس ولم يبق لها من أثر …ومما لاسبيل للسكوت عنه هو أن هؤلاء الفاتحين كثيراً مااستعانوا بالسريان والآشوريين الذين كانوا يتكلمون السريانية شقيقة العربية. فكانوا يقربونهم اليهم ويستخدمونهم كأطباء وكتبة وموظفين … ويستخدمون بطاركتهم وخصوصاً النسطوريين منهم كأخصام الاكليروس الأرثوذكسي مسهلين لهم الاقامة في مناطق الكرسي الأنطاكي تحقيراًللبطاركة الأرثوذكسيين بعد أن كان أولئك الهراطقة لايجسرون على اجتياز حدود بلاد فارس الى أنطاكية. وبالرغم من ذلك، بقيت اليونانية لغة الكنيسة ورجالها حتى القرن الحادي عشر، عندما ظهر لأول مرة رجال يجيدون اللغتين معاً، فأمسى الشعب لايعرف لغة غير العربية، مما اضطر بعض رجال الكنيسة لتعريب بعض الكتب الطقسية. وكان شيخ التعريب والمعربين الشماس عبد الله بن الفضل الأنطاكي المطران. فقد ظل اختيار الاكليروس بصورة عامة من الذين يعرفون اليونانية والعربية، وكان التبادل لايزال بين رجال الاكليروس قائما ًدون تمييز بين جميع الكنائس، كما كان التضامن بين البطاركة الأربعة آخذاً مجراه الطبيعي فيما يتعلق بوحدة الايمان، واحتمال المصائب في سبيله. ومن أجدى المواقف دلالة، الموقف الذي اتخذه الكرسي الأنطاكي أثناء حوادث الانشقاق الكبير والأخطر في العالم المسيحي سنة 1051.

من ثم جاءت غزوات الفرنج فاحتل المجتاحون مدينة انطاكية في 29 حزيران 1098 . وكان يوم عيد الكرسي الأنطاكي، بعد حصار دام سبعة أشهر ارتكبوا خلالها من أنواع الاغتصاب والتدمير المنكرة ضد اخوانهم الأرثوذكسيين (بكل أسف) ما يندى الجبين منه خجلاً…فمنذ دخولهم أنطاكية عزلوا بطريركها يوحنا السابع بعد ان وضعوه في قفص خشبي كالحيوانات ودحرجوه على الجبل فقضى شهيداً،وأقاموا مكانه لاتينياًاسمه برنارد …! كذلك استبدلوا كل أفراد الاكليروس وكانوا يجيدون العربية علاوة على لغتهم .

الأصلية، وفي مدة حكم الفرنجة حوالي قرنين من الزمان ، اضطر البطاركة الشرعيون للاقامة في القسطنطينية. ونشير الى أن احدى غزوات الفرنج فتحت القسطنطينية واستباحتها بشكل لم يسبق له مثيل سيما وأنه تم من اخوة في المسيح، لقد انتهكوا المقدسات ومارسوا العهر مع العاهرات والزواني على المائدة المقدسة في كاتدرائية آجيا صوفيا، ودخلوا الكنائس بسنابك خيلهم. واستمر احتلالهم لها مدة زادت عن السبعين سنة .-

– بلغ عدد البطاركة اللاتين على الكرسي الأنطاكي عشرة الى سنة 1268 حينما فتح الظاهر بيبرس البندقداري أنطاكية بعد حصار، ودمرها واستباحها، وقتل وسبى شعبها البالغ 100000 نسمة. في حين أن جيش الفرنجة كان قد انسحب منها قبل وصول بيبرس اليها، والتجأ الى عكا. ولم يكن حال أورشليم وكرسيها الرسولي بأفضل من انطاكية والقسطنطينية والاسكندرية على يد الغزاة الى أن حررصلاح الدين الأيوبي بيت المقدس (اورشليم)ودخلها والى يمينه مساعده المسيحي الأرثوذكسي عيسى العوام.وهكذا انقضى الوجود اللاتيني الروحي من المنطقة، الى أن أعاد اللاتينيون تأسيس بطريركية في الشرق في اورشليم عام 1845. ! واستولوابمعونة القناصل والخلفاء العثمانيين على كنيسة المهد في بيت لحم، وجزء من كنيسة القيامة وكنائس أخرى. كما استولوا على كنيسة حنانيا الرسول بدمشق…ولكن، ترك الفرنجة بعد طردهم، علاقات تجارية واقتصادية واسعة جداً بين الشرق والغرب فضلاًعن الرهبنات الكاثوليكية العديدة التي ثبتت كيان الموارنة تحت سلطة بابا رومية بعد تعديل صورة ايمانهم للكثلكة في سنة 1182 على يد البطريرك اللاتيني اينري سنة 1183 .

كما اسلفنا، كان الفرنجة عنصر بابوي منظم في منطقة البطريركية الأنطاكية. ثم جاء بعد ذلك عصر المماليك والأتراك السلاجقة، وقد اشتهروا باضطهاد المسيحيين، والتعدي على الشعب والشراسة والظلم والانتقام.فكان عهد مؤلم لم يطرأ عليه اي تغيير هام لصالح الكنيسة سوى جهادها المستمر للدفاع عن كيانها، ولاستعادة قواها، وترميم بعض ماتبقى لها من ممتلكات وأوقاف.

– كان البطاركة الأنطاكيون يقيمون في أنطاكية الى حين دمارها على بيبرس 1268 . فكان من جراء ذلك تنقل خمسة بطاركة في أرجاء آسية الصغرى والقسطنطينية وقبرص. وبعد وفاة البطريرك الانطاكي مرقس الأول، تقرر نقل مقر الكرسي الأنطاكي الى مدينة دمشق المدينة الأهم في بلاد الشام، والمدينة الأهم روحياً بعد أنطاكية،اذ كان أسقفها يلي البطريرك في أنطاكية من حيث الأهمية، لذا تقرر أن ينادى بأسقف دمشق يواكيم، وهو الأسقف ال58 بعد الرسول حنانيا (أول اسقف على دمشق) بطريركاً انطاكياً. وبعد وقت وجيز توفي يواكيم، ونصب خلفه اغناطيوس الثاني سنة 1344 فكان أول بطريرك أقام في دمشق في دار البطريركية الحالية في دمشق القديمة. ومن ذاك التاريخ اتحدت سلسلة اساقفة دمشق بسلسلة بطاركة أنطاكية ( الى ماشاء الله) وأصبح البطريرك هو أسقف دمشق.

بعد سقوط القسطنطينية بيد محمد الفاتح سنة 1453 . حدث رعب شديد بين مسيحي الكرسي الأنطاكي (وكانوا نحو 90 %أرثوذكسيين ونحو10%من أصحاب الطبيعة الواحدة)وعلى الخصوص في الأماكن البعيدة او المنعزلة عن المدن، ودامت هذه الحال الى ان فتحت بلاد الشام السنة 1517. ولحقتها مصر بقيادة السلطان سليم الأول، ولم يتورع الأتراك عن ارتكاب الأعمال البربرية والوحشية.

نشوء الكثلكة

في هذا العصربدأت تظهر طلائع البعثات الدينيةالبابوية بحملة تبشيرية، قام بها اليسوعيون الذين كانوا قد فرغوا لتوهم من وقف المد البروتستانتي في أوربة، وكثلكة أرثوذكس البانيا والساحل الشرقي لايطالية .وكان ستار هذا المد التبشيري القول بتعليم المسيحيين وانقاذهم من براثن الجهل. وكان اليسوعيون رجال علم ومزودون بالمال، وقد جعلوا من عاصمة “ملة روم” أي القسطنطينية مركزاً لهم ومنطلقاً لتبشيرهم في كل دائرة الخلافة

العثمانية وبالتحديد في بلاد الشام. وبسبب تكاثرعدد المتعلمين على نفقة الفاتيكان بين المسيحيين المتكثلكين، وغيرهم،الذين أمسوا ارثوذكساً بالأسم، وقد تلقوا العلم في” مدرسة انتشار الايمان في رومة”وباللغة اليونانية

وبسبب ذلك ازدادت الغيرة عند الأرثوذكسيين لاقتباس العلوم، فلم يتمكن الرؤساء الروحيون من اجابة رغبة الشعب بفتح مدارس جديدة منظمة، نظراًلحالة الفقر العامة عند الرعية والراعي،وعدم سماح السلطات العثمانية لهم بفتح هذه المدارس وكان التدريس يتم في كتاتيب ملحقة بالكنيسة وبالحد الأدنى ولم يكن يسمح للمسيحيين فتح حتى مجرد كتاتيب،وان تم ذلك كان يحصل بالسر بعيداً عن أعين السلطات.

فأخذ البطاركة الأنطاكيون والمطارنة يجاهدون ويسافرون للخارج الى اوربة الشرقية مستجدين اكف الشعب الأرثوذكسي والرئاسات الروحية والرسمية لجمع الاعانات من أجل ترميم الكنائس الخربة ومحاولة فتح المدارس. كما أخذت البطريركية تجتهد في تنظيم أمورها الداخلية لتواجه التحديات، وهاهو البطريرك العظيم مكاريوس بن الزعيم يسافر في السنة 1648 الى رومانية وروسيا والبلقان لجمع الاعانات، وقد دامت رحلته ثمان سنوات أصاب فيها من النجاح الشيء الكثير،وأقطع له الأمراء الحسنيو العبادة أوقافاً وأدياراً لصالح الكرسي الأنطاكي. ثم عاد مجدداً برحلة ثانية الى روسيا السنة1861 استمرت لمدة خمس سنوات ، وقد دون ولده الأرشيدياكون بولس ابن الزعيم أحداث هاتين السفرتين.

-في فترة تغيبه وبسبب تسامحه معهم( من وجهة نظرمسيحية حقيقية) بدخول بيوت الرعية الأرثوذكسية، اغتنمت الارساليات التبشيرية الفرصة لجهة فقر الشعب، من جهة،ومن جهة أخرى رغبته في اقتباس العلوم العصرية.

فأخذ الرهبان الغربيون يدخلون بيوت المسيحيين الأرثوذكسيين في حلب ودمشق كرجال علم” وخير رائدهم في ذلك مساعدة اخوتهم في المسيح “فاستغلوا ذلك واستثمروا سذاجة الشعب الأرثوذكسي المؤمن،وبشروه بما يخالف عقيدته محرضين اياه على اعلان الاتحاد بكنيسة رومية حينما يأتي الموعد ، وتدخلوا في أعمال البطريركية وفي انتخابات السدة البطريركية وفي رهبنة دير البلمند ،ودفعوا بفريق من هؤلاء الرهبان وكانوا من حلب الى تأسيس الرهبنة الحلبية، وأخذوا بعض الأولاد النجباء الراغبين بتلقي العلم الى رومة، لتهيئة الظروف المؤاتية للاتحادمع الكرسي البابوي. وما أن جاءت نهاية القرن 17 ،الا وكان قد ظهر عدد كبير من الكهنة والعائلات أرثوذكساً بالاسم وكاثوليكاً بالفعل. وكان أول أسقف في قوام المجمع الأنطاكي المقدس نادى بالكثلكة هو أفتيموس الصيفي ربيب اليسوعيين ومدرسة روما، الذي صارمطراناًعلى أبرشية صور وصيدا بفضلهم. وبفضله هو، وبعد وفاة البطريرك اثناسيوس الدباس سنة 1724 تمت رسامة ابن شقيقته الخوري سيرافيم طاناس بطريركاً، وبشكل مخالف للقوانين الكنسية. لكن الشعب الدمشقي الباقي على عقيدته مع الأساقفة الشرعيين وجد ان أفضل وسيلة لمقاومة هذا المد هي في انتقاء بطريرك يوناني الأصل واللغة ومن اكليروس الكرسي القسطنطيني على اعتبارأن الفرمانات الممنوحة لبطريرك القسطنطينية أعطته الرئاسة على مسيحيي السلطنة العثمانية (بطريرك ملة باشي) وأعطته حقوقاً وامتيازات عديدة تفوق تلك المعطاة لسواه من رؤساء باقي الكراسي الأرثوذكسية. فطلبوا منه ارسال بطريرك للكرسي الأنطاكي على عجل لوقف التدهور الحاصل بعدما تسيد السيدان طاناس والصيفي البطريركية الأرثوذكسية والحقوها ببابا رومية، لاسيما وأن السيد طاناس ارسل الى البابا صك الخضوع له وللكثلكة. فقام البطريرك المسكوني برسامة السيد سلبسترس القبرصي راهب جبل آثوس بطريركاً. جاء المذكور على جناح السرعة عن طريق حلب، فاستقبلته رعيتهابترحاب وحفاوة، وكان وقتها الصوم الكبير، وأولمت له وليمة، وبتدبير سيء من الرهبان الغربيين( بكل أسف) وقد طلبوا من الرعية وضع السمك على المائدة، وفي ذلك مخالفة للصوم الأرثوذكسي، فغضب البطريرك وقلب المائدة. وكانت هي الشرارة التي اشعلت الهشيم، فانقلب معظم أرثوذكس حلب كاثوليكاً

وأعلنوا العصيان. لذا نجد أنه ومنذ تاريخه أن رعية حلب كاثوليكية بامتياز،وقد أثرت الكنيسة الناشئة بالاكليروس والرهبنات، ويقيناً أن هذا الانشقاق ماكان ليتم لولاهذا التدبير المرتب له بدقة وحذاقة وقد أثمر النتيجةالمستهدفة.

وحالما وصل سيلبسترس الى مشارف دمشق،غادرها طاناس مع خاله واتباعه من الكهنة مع الرهبنات بالسرعة ومعه كل موجودات الكاتدرائية المريمية من حلل حبرية، وأواني مقدسة أحضرها البطريرك ابن الزعيم، والبطريرك الدباس من العالم الأرثوذكسي. وكل موجودات الدار البطريركية الى دير المخلص في منطقة صيدا عند خاله افتيموس. فتحول من دير ارثوذكسي أبرشي الى مقر بطريركي. كما استولى على كل كنائس الأبرشة فتحولت كاثوليكية، و استولى الكاثوليك بعدذلك على العديد من الكنائس في أبرشية سلفكياس (زحلة والبقاع وصيدنايا ومعلولا ويبرود وقارة مع العديد من أديارها…)

وهكذا تم انفصال فريق عزيز وغصن وارف من الشجرة الأرثوذكسية الأنطاكية، والتحق بالرئاسة البابوية التي لم تنجح في الحاق الكرسي الأنطاكي بها. وكذلك الحال بالنسبة لكرسيي الاسكندرية وأورشليم ،فأطلق عليهم تسمية الروم الكاثوليك،وتم الأمر عينه مع اتباع الكنائس الشرقية(السريان في بلاد الشام والأقباط في مصر والآشوريين في بلاد الرافدين، والارمن)فنشأت كنائس غربية من وسطها الشرقي الأرثوذكسي، وأقامت لها رومة رئاسات، ودعمتها بالمال وبكل اشكل الدعم اللازم للبقاء والاستمرار، وقد نشأت جميعها تقريباًفي بدايات القرن 18.

في عاو 1724 ومن مقره البطريركي في دير المخلص، أنشأ البطريرك الكاثوليكي كيرلس طاناس أبرشيات مقابلة للأبرشيات الأرثوذكسية، ودعمها بانشاء رهبنات حديثة باشراف الرهبنات البابوية التي مدتها بكل مقومات النجاح،وانتشرت في كل الأبرشيات الأرثوذكسية وفتحت مدارس حديثة واستفادت من دعم قنصلي فرنسا والنمسا صاحبي الحظوة في البلاط العثماني، وجهدت في جذب الأرثوذكس ان كان بالمساعدات أوباستغلال الخلافات وخاصة في القرى على ترشيح كاهن أو مختارأوحتىمجرد خلافات عائلية. فانقلبوا الى الكثلكة، وخاصة في حوران الفقيرة ومناطق أخرى…وحافظ المنشقون على طقوس كنيستهم الأم، بما في ذلك الابقاء على كلمة الأرثوذكسية في كتب الليتورجيا، و ارتداء اللباس الكهنوتي الأرثوذكسي والتمسك أكثر باللغة اليونانية طقسياً، وخاصة في الوقت الحالي.

حصل الروم الكاثوليك على اعتراف من ابراهيم باشا قائد الحملة المصرية على بلاد الشام(1831 -1840) ببطريركية مستقلة. بدعم من كبير مستشاريه حنا البحري الكاثوليكي، وبمساعدة من الأمير بشير الشهابي الماروني الذي قاتل الدولة العثمانية الى جانب الحملة المصرية. ثم اعترفت السلطنة العثمانية بهم بمساعي قنصلي النمسا وفرنسا،وانتقاماً من اليونان، ومنهم البطاركة المتربعون على السدة الأنطاكية. وبعد جولات مكوكية مكثفة قام بها البطريرك الكاثوليكي الشهير مكسيموس مظلوم الى العواصم الأوربية، صاحبة القرارفي الرجل المريض (الدولة العثمانية) والى حاضرة الفاتيكان، وبتدخل مباشر من قيادات الرهبنات اللاتينية المقيمة في استانبول صاحبة النفوذ لدى الباب العالي، فاعترفت الدولة ببطريركية للروم الكاثوليك تحت اسم “بطريركية أنطاكية والاسكندرية واورشليم وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك” عام 1834 . وبادر البطريرك مظلوم على الفورلنقل المقر البطريركي من دير المخلص الى دمشق اثباتاً للوجود في دمشق عاصمة الكرسي الأنطاكي ولأهمية دمشق روحياً وادارياً وسياسياً. فاشترى من وكيل طائفة اليهود القرائين المندثرة كنيسها الكبير الواقع في حارة الزيتون( وكان الوكيل مقيماً في اسطنبول)، وحول الكنيس الى كاتدرائية باسم سيدة النياح(مقابلاً للكاتدرائية المريمية الأرثوذكسية، وهي على اسم سيدة النياح أيضاً) وبنى الى جانبها ايضاً الدار البطريركية الكاثوليكية، وفي عام 1862 بنى البطريرك غريغوريوس يوسف المدرسة البطريركية في حرمها لتأهيل الكهنة.

التطورات التي مرت على الكرسي الأنطاكي في العصر الحديث :

مرعلى السدة الانطاكية منذ انشقاق الروم الكاثوليك السنة 1724 وحتى السنة 1898 ستة بطاركة يونان من الكرسي المسكوني (القسطنطيني) وثلاثة من الكرسي الأورشليمي.وجدير ذكره ان القرن 18 بكامله مع الثلث الأول من القرن 19 كان مثقلاً بالأحداث التالية:

+ارهاق المسيحيين بالضرائب الباهظة، والقوانين الظالمة اجمالاً، والأرثوذكسيين تحديداً بسبب ثورات اليونانيين التحررية سنة 1770، و(1821 – 1830 ) بما في ذلك تسهيل نشاط البعثات التبشيرية البابوية في البلاد.

+بعض الحوادث الداخلية في الكرسي الأنطاكي والتنازع بين بعض الرؤساء على السدة البطريركية ، ومناورات الرهبنات الأجنبية لتوسيع كل خلاف بواسطة تلاميذها ومنهم رهبنات الروم الكاثوليك المزدهرة التي تولت استمالة العديد الى الكثلكة للاسباب السالف ذكرها.

+المشاكل العاصفة مع الروم الكاثوليك.

+ قسوة السلطنة العثمانية على الأرثوذكسييين في بلادها لم يعرف الدافع اليها في ذلك الحين، الاما اكتشف وانتشر مؤخراًََ من رسائل نابليون الى سلاطين بني عثمان، وفيها حيث يقول:”…فتشوا عن عدوكم الحقيقي داخل بلادكم لا في خارجها وهذا العدو هو الشعب الأرثوذكسي الذي تحميه روسيا داخل بلادكم كما تحمي سائر الأمم الأرثوذكسية الأخرى وفي مقدتها اليونان …الخ…الخ…”

+ فتنة 1860 الطائفية التي بدأت في جبل لبنان،وامتدت الى زحلة فدمشق ومحيطها، وجبل الدروز وجبل الشيخ وقضى فيها عشرات الالوف من المسيحيين ودمرت قراهم وأحياءهم وفتحت باب الهجرة لمن تبقى منهم حياً هرباً الى بيروت ومنها الى مصر والسودان والأميركيتين…. وكانت فتنة مماثلة قد ضربت حلب عام 1850 .

كان آخر البطا ركة اليونان على انطاكية البطريرك اسبريدون الذي استقال وعاد الى بلاده سنة 1898.بضغط شعبي دمشقي عارم، فانتخب مكانه البطريرك ملاتيوس الدوماني الدمشقي من قبل المجمع الأنطاكي المقدس وعارضهم في ذلك 3 مطارنة يونان (حلب وكيليكيا وارضروم)، ولم تعترف الدولة عليه وتصدر فرماناً بتثبيته الا في عام 1899 اي بعد سنة من المراجعات المستمرة من وكيل البطريرك في اسطنبول، وقامت البطريركيات (القسطنطينية، والاسكندرية وأورشليم ) بقطع الشركة مع البطريركية الأنطاكية، ولم تعترف بالبطريرك ملاتيوس لكونه عربي. وكان هو أول بطريرك عربي منذ وفاة البطريرك الدباس 1724 ونشوء الكثلكة. هذا الحدث التاريخي عبرعنه ابوخلدون ساطع الحصري بأنه أول خطوات ظهور القومية العربية في سورية.

استمر قطع الشركة مع أنطاكية حتى عام 1910 حيت اعترفت البطريركيات الثلاث بالبطريرك غريغوريوس حداد. ولابد من ذكرشخصية عظيمة ظهرت في دمشق لعبت دوراً محورياً في الاعداد للتعريب وهي الخوري يوسف مهنا الحداد المعلم في مدرسة بيته والذي أعاد افتتاح مدرسة البطريركية(الآسية)ونظمها وفق الأسس الحديثة، وافتتح فيها فرعاً لاهوتياً اكاديمياًعام 1851 مع مدرسة للموسقى الكنسية انتمى اليه رجال الأكليروس الذين قاموا بعد ذلك بتعريب السدة الأنطاكية،وفي مقدمهم البطريرك الدوماني.

أما في عامي 1836 و1840 وبعد ان انتخبه الشعب الأرثوذكسي الدمشقي بالاجماع كاهناً. وقد انصرف الى الرعاية والاجتهاد للحفاظ على القطيع الأرثوذكسي وابنائه في دمشق وفي حاصبيان وقد استطاع الحد من انتشار الكثلكة في دمشق وغيرها ورد فريقاً كبيراًمنهم للأرثوذكسية، كما أوقف نشاط المرسلين البروتستانت الانكليز وأعاد بغضاً من المعتنقين الجدد الى حظيرة الايمان.

وبالنسبة لمدارس الآسية فقد درست في عهده مواداً جامعية اضافة الى الدراسة اللاهوتية العالية، وكان يخطط لجعل الآسية جامعة كجامعات خالكي وأثينا وموسكو وبطرسبرج، ولولا فتنة 1860 واستشهاده فيها ودمار المدرسة لكان قد حقق مسعاه وأقام أول جامعة في بلاد الشام وقبل الجامعتين الاميركية واليسوعية في بيروت بعقدين تقريباً.

وكما قلنا فان تلاميذ هذا القديس، كانوامن قام بتعريب السدة الأنطاكية، وكانوا قد تولوا الكراسي الأسقفية في الأبرشيات الأنطاكية، اضافة الى علمانيين عظام كان ابرزهم السيد ديمتري شحادة الصباغ الدمشقي الذي تغرب في القسطنطينيةمن 1846 الى 1890 ولعب دوراً قيادياً في نهضة الكرسي الأنطاكي وخصوصاً في تعريب السدة الأنطاكية(سنتحدث عنه لاحقاً باذن الله).

خلاصة القول عن هذه المرحلة أن النتائج الثمينة التي توصل اليها البطاركة اليونانيون على السدة الأنطاكية ثم العرب، ماهي الا ثمرة جهاد بطولي مستمر لايجارى. وعليه يمكننا الاستنتاج بانه لولم تكن هنالك اسباب قاهرة منها ماهو داخلي ومنها ماهو اقليمي مع ابعاد سياسية واقتصادية نزلت بالأرثوذكسية في بلادنا، لكان تيار الهجوم عليها قد أوقف في الحال.

وبالطبع فقد باشر البطريرك ملاتيوس اصلاحاً داخلياً بدأه بفتح مدرسة اللاهوت الاكليريكية في البلمندعام 1900 ، وبظرف سنوات قلائل تمكن من ارسال بعثة من الطلبة الاكليريكيين ليتموا دراساتهم اللاهوتية العليافي مدارس خالكي واثينا وموسكو.ثم أخذ بانتخاب مطارنة وطنيين لاملاء الابرشيات الشاغرة ومنها كيليكيا(مرسين وأطنة ..) التي انتخب لها المطران الكسندروس طحان الدمشقي، الا أن الرعية في تلك الابرشية و كانت في معظمها يونانية لم تعترف به مطراناًعليها لكونه عربي كما تشير الوثائق البطريركية.

-توفي البطريرك ملاتيوس عام 1906 وانتخب خلفاً له مطران طرابلس غريغوريوس حداد فكان خير خلف لخير سلف في الحفاظ على البيعة الأرثوذكسية والجهاد لأجلها واستمر حتى وفاته عام 1928 .

شهد عهده متغيرات جذرية على الصعيد الوطني والدولي، ففي عام 1910 أعيدت العلاقات مع الكنائس الأرثوذكسية. وفي عام 1913 زار روسيا تلبية لدعوة القيصر نقولا، وئس احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي.

وفي عام 1914 -1918 كانت الحرب العالمية الأولى بكل قسوتها ومآسيها من مجاعة سفربرلك وأوبئة وجائحات جرادن وموت بعشرات الآلاف من الأرثوذكسيين وهجرة كثيفة منهم الى الأمريكيتين .

وتشهد سيرة هذا البطريرك لأفعال الرحمة التي قام بها، وقد استدان بكثافة لتأمين العام للجائعين من كل الأديان والطوائف والشرائح . وقد حاز اعجاب الخصوم كجمال السفاح ثم الجنرال غورو فيما بعد،واعجاب المحبين أمثال الشريف حسين بن علي أمير مكة وولده الأمير فيصل وقد انتزع منه اعترافاً يقضي بأن المسيحيين العرب مواطنون من الدرجة الأولى، لهم ما لأشقائهم في العروبة والوطن من الحقوق والواجبات.وقد ورد ذلك الاعتراف في جريدة العاصمة مع صك المبايعة لفيصل ملكاًعلى سورية عام 1920 .
كان البطريرك هوالوحيد الذي ودع فيصل في محطة القدم جنوب دمشق بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920 ودخول الفرنسيين دمشق منتصرين، وقد بكى فيصل من هذا الوفاء، وقد انفض عنه الجميع،خاصة عندما قال له البطريرك “ان هذه اليد التي بايعتك ستبقى وفية على العهد الى الأبد”. فانحنى فيصل محاولا ًتقبيل يد البطريرك، تماماً كما فعل قيصر روسيا نقولا عام 1913 في موسكو. انه موقف رائع بدلالاته ان يقبل ملك سورية فيصل ابن حسين بن علي شريف مكة المكرمة وملك العرب وخليفة المسلمين يد البطريرك!!.

منذدخول الفرنسيين الغزاة سورية، وقف البطريرك غريغوريوس موقف المعادي لهم. فبادلوه العداء، وكانوابذرائع شتى يتمنعون عن تقديم المساعدة والتعويض عن القرى الأرثوذكسية بخلاف القرى الكاثوليكية،وغيرها. ومنع على الأرثوذكس المناصب العامة والوظائف وخاصةفي الادارات التي يسيطر عليها الفرنسيون كالجمارك والخط الحديدي الحجازي ومصلحة الريجي(حصر التبغ والتنباك). وعند وفاته حاولوا شق الكنيسة الأرثوذكسية الى قسمين سوري ولبناني والعزف على هذه النغمة بانشاء بطريركيتين ارثوذكسيتين في كل من سورية ولبنان بغية ضرب هذه الكنيسة الوطنية المتجذرة في هذه الأرض، وخاصة عندما حصلت الأزمة الأنطاكية بانتخاب بطريركين انطاكيين،فقد انقسم المجمع الأنطاكي المقدس الى فريقين انتخب أحدهم

مطران اللاذقية ارسانيوس حداد البيروتي، والفريق الآخر انتخب مطران طرابلس الكسندروس طحان الدمشقي. وقد تنادت البطريركيات الأرثوذكسية لوقف الخلاف بعد فترة 3 سنوات من 1928 الى 1931 عانى فيها الكرسي الأنطاكي من تشرذ م وضياع بفضل مؤامرات الفرنسيين. وقدأفتت لجنة مثلت البطريركيات بصحة انتخاب الكستدروس بناء على قانون الانتخاب البطريركي الأنطاكي. على ان يحتفظ ارسانيوس بلقب بطريرك وتكون اقامته في اللاذقية ، ويتولى احد البطريركين السدة الأنطاكية فور وفاة الآخر. وشاءت العناية الالهية وفاة ارسانيوس بعد سنة من هذا الاتفاق في مستشفى القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في بيروت بعد مرض لم يمهله طويلاً،وكان للزيارة التي قام بها الكسندروس الى المستشفى لعيادته وقع الصاعقة على الفرنسيين فأوقفوا دسائسهم اذ ايقنوا بأن الكسندروس لم يقل في قوة الشكيمة عن سلفه غريغوريوس،وحاولوا التقرب منه ولكنه وقف منهم موقف الرافض للانتداب ، وقام( وعلى علم منهم) بمد ثوار الغوطة بمايلزمهم من سلاح وذخائر …

وفي عام 1935 حصلت أزمة جديدة اذ أنشأ السيد ابيفانيوس زائد مطران عكار الكنيسةالسورية الأرثوذكسية المستقلة، فلم تعترف بها لا السلطات الرسمية ولا سلطات الانتداب ولا البطريركيات الأخرى، وقد دامت فترة طويلة وشكلت خطراًعلى وحدة الكرسي الأنطاكي المقدس اذ صار لها اتباع في كل الأبرشيات الى أن تم حلها بعودة السيد ابيفانيوس الى طاعة المجمع.

في عام 1939 بدأت الحرب العالمية الثانية التي استمرت الى عام 1945 بمآسيها وما عكسته على الوضع الداخلي فأثر سلباًوبشكل كبير على الكنيسة الأرثوذكسية،ولكن موقفها الوطني بقي رافضاً للانتداب الفرنسي وكان موقفاً مشرفاً حاز تقدير واعجاب سائر الفعاليات في البلاد، كما كان الموقف ذاته من قضية فلسطين بدأمع البطريرك غريغوريوس برفض وعد بلفور واشتد مع البطريرك الكسندروس حيث بادر الىتشجيع رعيته للانخراط في جيش الانقاذ 1948 للدفاع عنها ضد العصابات الصهيونية، الى مد يد العون من أجل تسليح الجيش السوري، وتحفيز المغتربين للتبرع الذين لم يبخلوا بالعطاء، حيث تولى توزيع تبرعاتهم على الجيش الوطني، والمقاومة الفلسطينية والعربية في فلسطين، وكان لمطارنة الكرسي الأنطاكي في الأبرشيات

الفضل في جمع هذه التبرعات لصالح القضية الفلسطينية، كما فعلوا حينما ضرب الفرنسيون دمشق بالمدفعية عام1925 ودمروا حي سيدي عامود العريق وقد احترق برمته . و عام 1945 حينما ضرب الفرنسيون دمشق ودمروا عدداًمن الأحياء وقصفوا البرلمان و أبادوا حاميته. فقد وزعت التبرعات الواردة من أنطاكية الأرثوذكسية المهاجرة على جميع ابناء الوطن بدون تمييز بالدين والمذهب.

واستمر الموقف الوطني للكنيسة الأرثوذكسية يزداد تألقاً في العدوان الثلاثي على مصر، وهاهو البطل السوري الأرثوذكسي ابن اللاذقية والطالب في الكلية البحرية في مصر يقدم ذانه في الدفاع عن مصر ويغرق بعملية استشهادية البارجة الفرنسية جان دارك. وقد اشاد السيد شكري القوتلي رئيس الجمهورية بهذا البطل في تأبينه له بالقداس الالهي الذي أقامته البطريركية له في الكاتدرائية المريمية بدمشق مهنئاً البطريرك الكسندروس والطائفة الأرثوذكسية بالشهيد وان هذاليس بغريب على وطنيتها وقوميتها.

استمر الكسندروس على السدة البطريركية حتى وفاته عام 1958 . وخلفه البطريرك العلامة السيد ثيوذوسيوس أبو رجيلي وهو من بيروت، واستمر حتى عام 1069 حيث توفي مفلوجاً في مستشفى الروم ببيروت فخلفه مطران حلب الياس معوض وكان راهباً ووطنياً سياسياً محنكاً وحمل لقب بطريرك العرب من مؤتمر لاهور الاسلامي الأول 1974 وقد شارك فيه والقى كلمة المسيحيين العرب عن القدس.وأيد المقاومة الفلسطينية والعربية من أجل استرجاعها.واستمرعلى السدة البطريركية الى 1979

حين وفاته.حيث خلفه البطريرك الحالي اغناطيوس هزيم، ويضيق بنا المقام عن تعداد انجازاته العمرانية والروحية اضافة الىالرؤية الوطنية حيث نال بدوره لقب بطريرك العرب من مؤتمر الطائف الاسلامي وأسهم في وقف الحرب الأهلية اللبنانية وفي مؤتمر الوفاق الوطني اللبناني في الطائف 1989 . ان أعظم مايسجل للبطريرك اغناطيوس تحقيق حلمه بتحويل البلمند من مجرد دير رهباني اكليريكي الى جامعة كبرى تنافس اكبر الجامعات العالمية عراقة.اضافة الى ان عدد الكنائس في دمشق وحدها قد ارتفع في عهده من اربع الى12 كنيسة وازداد عدد الأديرة البطريركية في عهده في سورية من3 أديرة الى7 أديرة ….الخ وان عدد الأبرشيات الأنطاكية بلغ حالياً 20 أبرشية تنتشرفي اربع ارباع الدنيا.وان عددابناء الكرسي فيها يقر ب18 مليون ارثوذكسي يتطلعون الى مدينة انطاكية العاصمة الأساس والى دمشق قبلتهم اينما كانوا وحيثما حلوا.

بقي ان نختم بأن عدد البطاركة على الكرسي واولهم بطرس الرسول وآخرهم اغناطيوس الرابع(الحالي) بلغ 165 بطريركاً. وأن عدد اساقفة دمشق منذ حنانيا الرسول حتى انتقال الكرسي البطريركي الى دمشقمع البطريرك اغناطيوس الثاني عام 1344 بلغ 58 أسقفاً لتتوحد سلسلة اساقفة دمشق مع سلسلة بطاركة انطاكية وليبقى الكرسي الأنطاكي خالداًكما دمشق عاصته الأبدية خالدة.

(محاضرة القيت في رعية كنيسة القديس حاورجيوس الأرثوذكسية /شرق التجارة عام 2005(.

 

الحواشي:

(1)-كلمة يونانية تعني شيخ العشيرة.

(2)-حملات الفرنجة والتي تسمى خطأً صليبية لأن الصليب كان رمزاً حربياًعند الفرنجة كالنسر عندالرومان والنسر ذي الرأسين عند البيزنطيين.

(3)-رافق فتحها استباحة للمدينة لمدة ثلاثة أيام منحها محمد الفاتح لجيشه المكون من 300000 جندي

انتقاما ًمن حاميتها وعددها4000 جندي والتي صمدت أمام أقوى الجيوش وقتها( الجيش الانكشاري) أي الجيش الحديث لمدة 24 يوما. فدمرت البيوت والكنائس الفخمة ونهبت وهتكت اعراض النساء واسترقوا مع الأولاد ويترك للقارىء تصور تلك الأعمال الهمجية التي قضت على عاصمة الدولة الرومية لعشرة قرون زاهية منذ تأسيسها بأمر قسطنطين الكبيرعام 320 .

(4)و (5)-كان التدريس يتم في الكنائس اوفي بيوت المعلمين في مخابيء سرية بعيدة عن أعين السلطات والعقوبة كانت الشنق. (الوثائق البطريركية)

(6)-عند وفاة البطريرك أثناسيوس الدباس.

(7)-عندماتم انتخاب كيرلس ابن الزعيم حفيد البطريرك مكاريوس ابن الزعيم ،و اثناسيوس الدباس بطريركين في وقت واحد.وقد اعترفت رومة بالأخيربطريركا.

(8)-” في السنة 1697خص الأب اليسوعي فيرسو دير البلمند بعنايته لأنه كان آهلاًبالرهبان” وكان للشقاق شأن عظيم فيه بحيث يتناول كل ملة الروم” وحاول الأب فيرسو..الى آخره انظر ج3 من تاريخ انطاكية د. أسد رستم ص 112 و113 .

(9)-في عام 1837 صدرفرمان سلطاني موجه الىمحمد علي باشا عزيزمصريمنع تغيير المذهب ويوجب بقاء كل نصراني على مذهبه ويردع الكهنة الكاثوليك عن التزي بزي الروم . رستم ج2ص 178.

(10)-بهدف التأكيد على أصلهم الرومي .ومتحدين برومة.

(11)-وللهدف ذاته تسموابلقب ملكيين وهولقب أطلقه اللاخلقيونيون (السريان والأقباط والأرمن)تهكماًعلى الخلقيونيين لرضوخهم للملك في قضية الطبيعة والمشيئة للسيد المسيح مايعني انصراف هذا اللقب على الأرثوذكس واللاتين أصحاب الطبيعتين والمشيئتين.

(12)-شارك الأسطول المصري في هذه المعارك ودمر.

(13)-الحاشية(7) ذاتها.

(14)- الاستيلاء على الكنائس الأرثوذكسية وقضية القلاليس …

(15)- طوبه المجمع الأنطاكي المقدس في دوره الموسع المنعقد في البلمند عام 1993 باسم “الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي” وقد حدد يوم 10 تموزسنوياًللاحتفال بذكراه ورفقته .

(16)-حي الحريقة وكان مليئا بالقصور الدمشقية كقصر العظم .

مراجع البحث:

+- رستم كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى.

+- الأسقف استفانوس حداد، تاريخ كنيسة أنطاكية.

+- المطران الكسندروس جحا، تاريخ الكنيسة المسيحية.

+- خير الله ضاهر،الأرج الزاكي في تهاني غبطة البطريرك الأنطاكي.

+- الوثائق البطريركية( دمشق- بيروت- حلب- القسطنطينية …

+- جوزيف زيتون ، الآسية مسيرة قرن ونصف .دمشق1991

+- جوزيف زيتون ،سيرة القديس يوسف الدمشقي، النشرة البطريركية ،مجلة العربية(ابرشية السويداء)

+- جوزيف زيتون ، زيارة البطريرك اغناطيوس الرابع الى أنطاكية والاسكندرونة وكيليكية دمشق 1994 .

أضف تعليقاً