الوجود الأرثوذكسي في أميركا ــ الجزء الثاني

الأرثوذكسية في أميركا الشمالية

كانت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية سبّاقة في إنشاء كنائس في أميركا. فقد قدِمَ إلى الآلاسكا سنة 1794 عشرة رهبان روس أغلبهم من دير فالامو (أشهر أديرة الرهبان في روسيا) ليبدأوا نشاطاً تبشيرياً واسعاً في أوساط الأسكيمو والهنود الحمر بعد أن تعلّموا اللغات المحكية هناك سلفاً. وكانت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قد أعلنت قداسة أحدهم وهو الأب هيرمان عام 1970.

ويُعتبر الأب الراهب أينوكنديوس بنيامينوس الملقب (بكاروز الآلاسكا) من أهم دعامات النشاط التبشيري في الآلاسكا، فقد عمل في آلاسكا وشرقي سيبريا بين عامي 1824ــ 1868 كاهناً في البداية ثم أسقفاً ونَقَل إلى الأليوسية (لغة سيبريا) بمساعدة عدد من المبشرين الروس إنجيل متى والقدّاس الإلهي وكتاباً للتعليم الديني. وفي عام 1841 أسس أينوكنديوس مدرسة إكليريكية في سيتكا بآلاسكا. وفي سنة 1858 أُنشئت فيها أُسقفية أصبحت فيما بعد أبرشية مستقلة من أبرشيات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وذلك حينما باعت روسيا القيصرية لأميركا آلاسكا عام 1867 (وكان الثمن وقتئذٍ فقط مليون دولار).

أما اليوم فليس من رقم حقيقي لعدد الأرثوذكس في آلاسكا إلا أنه من المرجح أنه يبلغ ما بين 40ــ60 ألفاً من أصل ربع مليون نسمة العدد الإجمالي لسكّان آلاسكا وقد أُعيد فتح مدرستها الاكليريكية سالفة الذكر وذلك في عام 1974.

وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ عدد كبير من الأرثوذكس يخرجون خارج حدود الآلاسكا للإقامة في مناطق أخرى من أميركا الشمالية لذلك تم نقل مقر أبرشية سيتكا إلى سان فرنسيسكو في عام 1872 ثم إلى نيويورك عام 1905 ولكن ظل يقيم في سيتكا أسقف مساعد.

وفي نهاية القرن التاسع عشر ازداد عدد الأرثوذكسيين زيادة كبيرة بعودة مجموعة من المنضمين إلى الأرثوذكسية. وقد كان تيخون الذي أصبح فيما بعد بطريركاً على موسكو وكل روسيا رئيس أساقفة أميركا الشمالية طيلة تسعة أعوام من 1898ــ 1907. وهو يرئس بذلك كل الأرثوذكسيين الذين في الشتات الاميركي من عرب ويونان وروس وصرب وبلغار…

أما بعد حصول الثورة الشيوعية في عام 1917 في روسيا وإنقلاب الحكم القيصري فقد بدأت كل مجموعة قومية من هذه القوميات بتكوين تنظيم كنسي منفصل يرتبط بالكنيسة الأم وزاد في ذلك الأمر حين أصبح الموقف الكنسي في روسيا أكثر غموضاً في ظل الحكم الجديد. وخاصة مع هجرة قرابة مليون أرثوذكسي روسي إلى أوربة الشرقية ثم الغربية فأميركا بالرغم من إعادة إحياء البطريركية في روسيا عام 1917 بتنصيب البطريرك تيخون (بعد أن كان المجمع المكاني للكنيسة الروسية يدير شؤونها منذ عهد بطرس الأكبر) وهكذا نشأت تلك الإدارات الروحية المتعددة في أميركا الشمالية وكثيرون يعتبرون أن منح الإستقلال لهذه الإدارات الروحية من قبل بطريركية موسكو يُشكّل خطوة أولى مشجعة نحو توحيد الإدارات الأرثوذكسية في أميركا وعلى سبيل المثال يعيش في أميركا الشمالية أكثر من مليون يوناني أرثوذكسي موزعين على ما يزيد على 400 رعية برئاسة رئيس أساقفة يعاونه عشرة أساقفة مساعدون (أحدهم في كندا وآخر في أميركا الجنوبية) أما بالنسبة للمعاهد اللاهوتية اليونانية فهناك معهد الصليب المقدس في بوسطن ومدرسة يونانية للاهوت تضم نيف ومائة طالب مرشحين للكهنوت ويتبع هذه الأبرشية اليونانية (المرتبطة بقداسة البطريرك المسكوني في اسطنبول) ديران صغيران، أما دير التجلي الكبير الموجود في بوسطن فهو حالياً بإشراف الكنيسة الروسية الأرثوذكسية بعد أن كانت تبعيته للأبرشية اليونانية. اماعلىصعيد التواجدالأنطاكي في اميركا الشمالية فان الألق الذي تحقق في عهد مثلث الرحمات المتروبوليت انطونيوس بشير وفي عهد خلفه سيادة المتروبوليت فيليبس صليبا راعي هذه الأبرشية , دفع باللآلاف من ابناء الكنائس الأخرى (بروتستانتية –كاثوليكية ) يتقدمهم قسوس وكهنة الى اعتناق الارثوذكسية من خلال انتمائهم الى ابرشية اميركا الشمالية الأنطاكية الأرثوذكسية حيث قام سيادة المتروبوليت فيليبس صليبا بتثبيتهم وفق الطقوس والرسامات القانونية بإحتفالات رائعة الوصف، وقد تم هذا الإنضمام بدون أي تبشير أرثوذكسي حيث قال زعماء هذه المجموعات بأنهم “اكتشفوا غنى في العقيدة الأرثوذكسية أعادهم إلى العصر الرسولي”.

إن أهم مشكلة تجابهها الأرثوذكسية في أميركا هي مشكلة “القوميات” ومكانتها في حياة الكنيسة، فالجيل القديم متمسك بجذوره القومية بينما جيل الشباب يتمسك بالأرثوذكسية في إطار القومية الأميركية ويرفض استعمال لغة غير الإنكليزية في الليتورجيا، فهذا الجيل يعتبر أن بلاده هي أميركا ولغته الوحيدة هي الإنكليزية، لذلك تنامت دعوات وتعالت أصوات تنادي بحل واحد ألا وهو إنشاء كنيسة أرثوذكسية أميركية واحدة تجمع كل الكنائس الأرثوذكسية.

لكن تلك الدعوات لم ترقَ إلى مرحلة التنفيذ فالرفض يتساوى معها لا بل ويزيد عنها وخصوصاً بين صفوف الإنطاكيين الأصيلين الذين دوماً يتطلعون إلى الكرسي الانطاكي المقدس. إن الحل الأمثل الذي شعرت به الكنائس الأرثوذكسية بقومياتها في أميركا هو التعاون فيما بينها مع بقاء الرئاسات لكل منها، وقد أخذ هذا التعاون وضعه المعلن سواء في مجلس الكنائس العالمي أو في إجتماعات الحركة المسكونية لتوحيد الموقف الأرثوذكسي وقد تأسس تبعاً لذلك في عام 1953 السندسموس (حركات الشبيبة الأرثوذكسية العالمية) حيث وُظِفت جهود هذه الحركات توظيفاً أمثل وخاصة في بلاد الشتات وقامت بشرح ماهية الأرثوذكسية بمختلف الوسائل المتاحة مما أثمر معه ما سبق التكلم عنه من انضمام أبناء كنائس إنجيلية إلى الكنائس الأرثوذكسية عن قناعة ورضى تامّين.

الشتات الانطاكي في أميركا الشمالية

كنا قد استعرضنا في مطلع هذا البحث الأسباب التي دفعت بالانطاكيين للهجرة إلى العالم الجديد والتي كانت بداياتها مع عام 1880، ومع إطلالة عام 1891 وصلت الهجرة الانطاكية إلى قمتها وكانت نيويورك قبلة المهاجرين في العالم الجديد.

وفي عام 1892 جاء الارشمندريت قسطنطين طرزي “الدمشقي” من دمشق إلى نيويورك بمبادرة شخصية (وقد تسقف فيما بعد على أبرشية أرضروم عام 1904 لكن المنية وافته ولم يكن له فيها أكثر من أحد عشرة يوماً) وبوصوله بدأت الجماعة الأرثوذكسية بالتفتيش عن مكان تؤسس فيه كنيسة، لكن تعذّرَ على المهاجرين الجدد أن يعولوا كاهناً دائماً بسبب الفقر وقلة العدد وتشتتهم في هذه البلاد الشاسعة. لذلك عاد إلى دمشق وحلّ محله الارشمندريت خريستوفورس جبارة “الدمشقي” بمبادرة شخصية أيضاً وتمكّن عندها الانطاكيون الأرثوذكس في نيويورك من تأسيس مكان مؤقت للعبادة في قلب نيويورك.

وفي عام 1895 تأسست الجمعية الخيرية الأرثوذكسية ومقرها في نيويورك واختير السيد ابراهيم عربيلي “الدمشقي” رئيساً لها وكانت مهمتها إنشاء كنيسة أرثوذكسية والتفتيش عن راعٍ صالح قادر على خدمة شعبه هناك، لذلك اتجهت الأنظار نحو الارشمندريت روفائيل هواويني “الدمشقي” المقيم في روسيا وكان حينذاك على خلاف مع البطريرك الانطاكي اسبريدون (1892ــ 1898) حيث لم يعترف بالرئاسة اليونانية على السدة الانطاكية فعزله البطريرك عن رئاسة الأمطوش الانطاكي في موسكو وأذن له بالبقاء في روسيا فبقي هناك تابعاً للكنيسة الروسية ومدرّساً في أكاديمية قازان اللاهوتية.

وبعد مداولات مع الجمعية الخيرية الأرثوذكسية رضي بالسفر إلى أميركا ورضيت الجمعية بدورها بتبعية الارشمندريت للمجمع الروسي وجاء إليها ومعه اللوازم والتجهيزات الكنسية ومعه من الدارسين في أكاديمية قازان جان شامية وقسطنطين أبو عضل وكلاهما من دمشق.

كانت أول أعمال الارشمندريت هواويني إقامة كنيسة انطاكية أرثوذكسية صغيرة في طابق ثانٍ وبدأ في عام 1896 بزيارة الرعايا الانطاكية والعربية المنتشرة في أنحاء أميركا فزار 30 مدينة وأسس كنيسة في مدينة Cairo وأقام عليها الأب جان بخعاز “البيروتي” بعدما حصل له على إخلاء قانوني من مطران بيروت غفرئيل شاتيلا “الدمشقي”.

ثم في عام 1898 أصدر كتابه الشهير (التعزية الحقيقية في الصلوات الإلهية عام 1898) وفي عام 1899 أذنَ له رئيس أساقفة أميركا الروسي تيخون بجمع تبرعات لشراء مدفن وبناء كنيسة جديدة مكان القديمة الواقعة في زقاق قديم قذر في بناء خرب، ولكنها كانت في مركز تجمع الانطاكيين في حي بروكلن. فأذيعت الاعلانات عنها وطبعت استمارات التبرع في معظم الصحف والمجلات العربية في أميركا وفي سائر أبرشيات الكرسي الانطاكي.

تَنَقَّلَ الارشمندريت هواويني كثيراً مفتقداً كل الرعايا الأرثوذكسية من عرب وروس ويونان وأقام لهم الخدمة الإلهية بلغاتهم إذ كان ضليعاً في هذه اللغات. وشملت رعايته هذه مسيحيين من كنائس أخرى إضافة إلى مغتربين مسلمين ودروز. كما راسل الامبراطور الروسي نيقولاوس الثاني طالباً منه المساعدة في بناء الكنيسة فأرسل له مبلغاً وقدره 1027 دولاراً. كانت كل جالية عربية لا تزيد في الواقع عن 50 أو 60 فرداً وقد يصل أفرادها في حدود ضيقة جداً إلى 300شخص ولكنها جميعها زارها بهمة رفيعة، ففي عام 1899 زار 43 مدينة وقرية خلال خمسة أشهر وسمع اعتراف 600 شخص وناولهم الأسرار المقدسة وعمّد 98 شخصاً وبارك بالإكليل 73 زواجاً وأقام 45 قداساً وألقى 45 عظة.

لذلك اختير من قبل المجمع الانطاكي المقدّس ليكون أسقفاً مساعداً لمتروبوليت بيروت غفرئيل شاتيلا فيما اعتذر المجمع الانطاكي عن طلب اللاذقيين ليكون راعياً عليهم واختير بدلاً عنه الشماس أرسانيوس حداد.

وكان رد الهواويني بالاعتذار عن بيروت حتى يتسنى له تحقيق طموحه الرئيس في أميركا (بناء كنيسة وشراء مدفن) وفي عام 1901 وضع حجر الأساس للكنيسة واشترى جزءاً من مدفن وبنفس الوقت دعاه البطريرك ملاتيوس الدوماني مجدداً للعودة إلى البلاد لأن المجمع الانطاكي انتخبه مطراناً على زحلة لكنه اعتذر بلباقة لينهي مشروع بناء الكنيسة.

في عام 1902 زار المكسيك مفتقداً الرعية الانطاكية هناك التي لم يكن لديها راع ولقي من الترحاب ما لا يوصف وقام بخدمات روحية كثيرة لها.

وبعودته من المكسيك تحقق الحلم حين سمع أن كنيسة سويدية لوثرية معروضة للبيع في حي بروكلن بالقرب من مكان إقامته فاشتراها بمبلغ 7000 دولار وأصلحها لتكون كنيسة أرثوذكسية حيث بلغت التكاليف 15070 دولاراً وكرّسها على اسم القديس نيقولاوس يوم الأحد 27 تشرين أول 1902.

وبترشيح من المطران الروسي تيخون قرر المجمع الروسي تسقيف هواويني وصدر مرسوم امبراطوري بذلك كما أصدر تيخون مرسوماً ينص على تأسيس معتمدية عربية في كاتدرائية بروكلن وتمت رسامة روفائيل أسقفاً على بروكلن صباح الأحد 29 شباط 1904 في كاتدرائية القديس نيقولاوس وسارع البطريرك الانطاكي ملاتيوس بإرسال تهنئة إلى المطران الروسي تيخن وأكد في تهنئته هذه على أن روفائيل من أساقفة الكرسي الانطاكي المقدس ثم شكر المجمع الروسي على رعايته للرعية الانطاكية.

وفي عام 1905 أصدر الأسقف روفائيل العدد الأول من مجلة الكلمة. وفي 30 تشرين الأول 1909 كرّس كنيسة القديس نيقولاوس في مونتريال بكندا وفي نهاية 1910 دشّن المدرسة الليلية التي بدأ بتأسيسها عام 1906 تحت اسم مدرسة القديس نيقولاوس العربية، وكانت مدة التدريس فيها يومياً من الرابعة إلى السادسة بعد الظهر، أما المواد فكانت العربية والتعليم الديني والليتورجيا والترتيل.

وفي عام 1911 اشترى بناية قرب كنيسة بروكلن مؤلفة من طوابق ثلاثة ودور تحتاني استخدمه كمركز للأبرشية ومدرسة أحد وداراً للأيتام ومقراً للكاهن.

تابع اهتمامه بالرعية فلم يهمل القطيع الناطق بل كان يقطع البر والبحر والسهول والجبال وهو يحتمل حر النهار وبرد الليل، يجول المناطق والولايات المتعددة وقد نظر إليه المغتربون على أنه رسول جوال ووجدوا فيه السند للمؤمنين والحارس الأمين لهم.

توفي في 27 شباط 1915 وصُلي عليه في كاتدرائية القديس نيقولاوس ببروكلن، حلمه الكبير الذي تحقق.

وبعد وفاته انشقت الرعية هناك بين الانتماء الانطاكي والانتماء الروسي وتزعّمَ الانتماء الثاني الأسقف أفتيموس عفيش الذي سقفه بلاطون رئيس أساقفة الكنيسة الروسية هناك والارشيدياكن عمانوئيل أبو حطب. وبوصول مطران زحلة جرمانوس شحادة إلى أميركا لجمع التبرعات لصالح أبرشيته حصل انشقاق آخر وبرز حزب جديد بزعامته. بينما تزعمَ الحزب الأول الارشمندريت فيكتور ابو عسلي وقد استتبت الأمور في أبرشية بروكلن في عهد البطريرك ألكسندروس الثالث حيث اعترف المجمع الروسي بتبعية الأبرشية إلى الكرسي الانطاكي المقدس وأزال دعمه عن عفيش وأبي حطب. وفي عام 1936 تولّى المثلث الرحمات المطران أنطونيوس بشير رعاية هذه الأبرشية وقد كان موجوداً في نيويورك منذ عام 1922 (عندما جاء إليها برفقة متروبوليت بيروت اللاهوتي جراسيموس مسرة لتمثيل الكرسي الانطاكي في مؤتمر الكنائس الذي عُقد بدعوة من الكنيسة الأسقفية الاميركية) لتدبير الطائفة هناك بتكليف من البطريرك غريغوريوس الرابع لما عرفه عنه من حكمة وسداد رأي، وكان في نفس الوقت الأسقف صموئيل داوود في توليدوأوهايو يسوسها بكل نجاح وحكمة وتثميناً لجهوده اعترف المجمع الانطاكي المقدس له بتسميته متروبوليت ولتوليدوأوهايو بالأبرشية ثم خلفه فيها الأسقف مخائيل شاهين الذي انتقل إلى الأخدار السماوية في العام الماضي.

ومن باب الإنصاف يجب أن يذكر بالفخر المتروبوليت أنطونيوس بشير والمتروبوليت داوود لعملهما المبرور رعائياً وثقافياً في المغترب وما تبرعا به من الأموال خاصة من أجل البلمند حيث قدَّم المتروبوليت بشير كل ماله من أجل هذا الصرح اللاهوتي العظيم حيث يتصدر تمثاله معهد البلمند بينما انفرد المتروبوليت داوود بطباعة الكتب الدينية وتوزيعها مجاناً في المهاجر وفي الكراسي الأرثوذكسية.

أما خير خلف لهؤلاء الأسلاف العِظام فكان سيادة المتروبوليت فيليبس صليبا هذا الراعي المتميّز لاهوتياً ورعائياً وانتماء انطاكياً وعربياً طيلة ربع قرن ونيّف وقد أعاد ربط الأبرشية بالكرسي الانطاكي ونظمها بشكل دقيق جداً ويساعده حالياً سيادة الأسقف أنطون خوري وسيادة الأسقف باسيل عيسى ولا يمكن إنكار ما تقدمه هذه الأبرشية المنظمة جداً برعايته من مساهمات مادية في سبيل مشاريع الكرسي الانطاكي المقدس وخصوصاً معهد البلمند اللاهوتي والجامعة وقد احتفل مؤخراً في ختام أعمال المجمع الانطاكي الموسّع الذي عُقد في تشرين الأول من عام 1993 بوضع حجر الأساس للقرية الانطاكية في مجمع البلمند المخصصة سكنى للمدرسين وللطلاب المقيمين وهي من تبرعات أبرشية أميركا الانطاكية ولا يسعنا هنا إلا التأكيد على الواقع القومي بعد الانطاكي الذي تظهر فيه أبرشية نيويورك وسائر أميركا الشمالية في وجه الدعايات الصهيونية بزعامة سيادة المتروبوليت صليبا ومن معه أعضاء اللجان العربية لمكافحة الضغوط الصهيونية هذا من جانب ومن جانب ثانٍ فإن الأرثوذكسية الانطاكية تتنامى بصورة مُرضية جداً هناك وتشتد التصاقاً بالكرسي الانطاكي المقدس، وكما قال غبطة مولانا البطريرك كلي القداسة مراراً: “إن الكم الانطاكي يكمن في الاغتراب أكثر مما هو هنا”. وهنا يقصد بها موطن الكرسي الانطاكي المقدس.

الخاتمة

يعتبر بحثنا هذا عبارة عن تسليط لضوء خفيف على أبرشيات المهجر ولا يعدو أن يكون بمثابة ثبت توثيقي لبدايات وبعض الاستمرار في العمل الارثوذكسي والانطاكي في المهجر الانطاكي إذ ان الخوض في الواقع الحالي للعمل هناك يحتاج إلى أن يصبح هذا البحث المتواضع أطروحة أكاديمية تشتمل على عدة مجلّدات.

لكن ما يهمنا في كل هذا البحث أن نتطلع بفخر نحو أجدادنا الذين انطلقوا إلى هذه المناطق النائية يحملون الغصّة المرّة في حلوقهم والدموع الحارة في عيونهم على أوطانهم التي تركوها وبقوا متمسكين بها (بلاد الشام) وبأرثوذكسيتهم الانطاكية وواكبهم وتبعهم جنود مجهولون من أفراد الإكليروس الانطاكي الذين طوتهم تلك الأرض البعيدة بعدما زادوا في ربط رعاياهم بالكنيسة الأرثوذكسية والوطن الأم مع التركيز على وطنية الأرثوذكس الانطاكيين في أوطانهم التي يوجدون فيها دوماً.

إن الهم الانطاكي هاجس قوي يضعه غبطة مولانا كلي الطوبى البطريرك إغناطيوس الرابع في مصف أولويات إهتماماته بصفته شيخ انطاكية العظمى وخصوصاً همْ المغتربات وتحديداً من الناحية الروحية وقد زارها جميعاً (الأميركيتين، أوستراليا، أوربة الغربية، وزيارته الشهيرة إلى إنطاكية العظمى 1992) وأطّلعَ ميدانياً على أوضاعها الروحية وبأسلوبه المتألق زاد في ربط هذه المغتربات بانطاكية الأم الرمز الروحي ودمشق عاصمة الكرسي الانطاكي المقدس.

ووجَّه معتمديه ومطارنة أبرشيات الاغتراب لبذل قصارى الجهود في سبيل الرعية هناك وموافاته دوماً بآخر التطورات والأوضاع فيها.

إن الحدث الأهم الذي ترجم عملياً همّ إغناطيوس الرابع وطموحاته كان دَوْرُ المجمع الانطاكي المقدس الموسع الذي عُقد في رحاب البلمند رمز انطاكية العظمى قديماً وطريقها إلى التألق مستقبلاً وحضرتّه وفود انطاكية من أبرشيات الشرق والمهجر وقدّمت بيانات ميدانية توثيقية شديدة الدقة عن أوضاع الأبرشيات التي تُمثّل وقد شاركت في هذه الوفود شخصيات إكليريكية وعلمانية بفعاليات رفيعة. وكان للمقررات والتوصيات التي خلص إليها هذا الدور الموسّع (الذي لم يسبقه في تاريخ إنطاكية أي إجتماع مماثل) أعظم الأثر في زيادة الارتباط الانطاكي على مستوى كل المسكونة. والذي أخذ يظهر بقدرة وبسرعة محترمتين في كافة الأوساط المسيحية المسكونية في الشرق الأوسط والعالم. وقد لعبت إنطاكية دوراً عظيم الاحترام في المؤسسات الكنسية العالمية مما يبشّر بمستقبل أرثوذكسي إنطاكي مجيد يُعيد لانطاكية العظمى مجدها الغابر. ويكفي هنا أن أختم هذا البحث بعبارة استقبل بها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بابا رومية غبطة مولانا البطريرك إغناطيوس الرابع كلي الطوبى وفائق القداسة مصافحاً ومعانقاً: “يرحب بكم أسقف ثاني كرسي رسولي أسسه القديس بطرس الرسول وأنتم أسقف أول كرسي رسولي أسَّسَه هذا القديس يحق لأبنائه أبناء إنطاكية بأنهم أول من تسمّى بهذا الاسم الشريف: “مسيحيون”.

مصادر البحث :

ــ مجلات النعمة والإيمان والنور: أعداد الستينات والسبعينات.

ــ الوثائق البطريركية بدمشق (وثائق دمشق ــ بيروت ــ زحلة ــ بروكلن-الأرجنتين ــ البرازيل ــ تشيلي….).

ــ دانيال عيوش ــ البلمند 1991 أطروحة: “الأرجنتين أرض جديدة للانطاكيين”.

ــ تيموثي وير: “الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر” منشورات النور.

ــ الأب اندريه عيسى “سيرة روفائيل هواويني” تعريب الأب ميشال نجم.

ــ الأب سروج: “لو جاءت ملائكة وقالت الإنقسام حسن لكم فلا تصدقوها” المتروبوليت صليبا.

ــ البطريرك الياس الرابع “رجل المحبة”.

ــ صرخة إغناطيوس “عنصرة الاغتراب الانطاكي”.

ــ المجمع الانطاكي المقدس الموسع المنعقد في البلمند 1993 تشرين الأول.


أضف تعليقاً