دير سيدة البلمند البطريركي

بعد أن سبق وسلطنا الضوء في الأعداد الماضية على الأديار البطريركية في القسم السوري من الكرسي الأنطاكي المقدس (الحميراء ــ صيدنايا ــ معلولا)، نتابع في هذا العدد تسليط الضوء على بقية الأديار البطريركية الواقعة في القسم اللبناني من الكرسي الأنطاكي، مع دير البلمند الذي يُعد بحق فخر انطاكية العظمى ومبعث أمجادها في الماضي والحاضر والمستقبل.

في التسمية

البلمند أو بلمونت Abbatia Belimontis تسمية لاتينية، تعريبها الجبل الجميل، وهو على اسم والدة الإله لذلك يدعى بدير سيدة البلمند.

ورد هذا الاسم أيضاً في بعض المصادر التاريخية بومون، فالمون.

ويقول البطريرك الماروني اسطفان الدويهي: «إن اللفظة بلمند مشتقة من اسم الأمير “بوهيموند” صاحب إمارة طرابلس اللاتينية الذي أنشأ هذا البناء متنزهاً له في سنة 1287». ولكن هذا القول مرفوض تاريخياً، لأن بوهيموند قضى سنواته الأخيرة منحصراً في طرابلس، لا يستطيع الخروج منها، لِما كان يلاقيه من مضايقة على يد السلطان قلاوون. وقد توفي بوهيموند في طرابلس في 29 تشرين الأول عام 1287.

في الموقع

يقع هذا الدير التاريخي ــ وهو قبلة الكرسي الانطاكي المقدس اليوم ــ بين قريتي أنفة والقلمون في الجنوب الشرقي من مدينة طرابلس اللبنانية حيث يربض على تلة جميلة (وقد أتت تسمية الجبل الجميل منها)، تطل على بلدة القلمون.

في تاريخه

بُنيت الطبقة الأولى من هذا الدير في 30 أيار عام 1157م بأيدي رهبان القديس برناردوس “ألكسترسيون” أو “ألكستركيون” أو “السيستارسيان” الذين كانوا قد وفدوا مع الفرنجة(1) في حملاتهم المشرقية، وجعلوه مكاناً للعبادة والصلاة.

من المرجح أنهم بنوه على بناء دير بيزنطي سابق، يعود إلى القرن 8 م، والبعض يقول إلى القرن 6م على بناء وثني، وهذا القول الأخير مرفوض إذ إن الامبراطور قسطنطين أصدر مرسوم ميلانو الشهير في مطلع القرن الرابع بإطلاق حرية العبادة للمسيحيين، ثم أصبحت بفضل الإمبراطور ثيوذوسيوس الكبير دين الدولة الرسمي في الثلث الأخير من القرن الرابع.

أما المستند الأثري الذي يؤكد حجة بنائه على دير بيزنطي (يعود إلى القرن الثامن الميلادي)، فهو وجود تاج عمود بيزنطي في البناء. يُضاف إلى ذلك خروج رهبان برناردوس عن المألوف عندهم وتشييد بنائهم هذا على ارتفاع مئتي متر عن سطح البحر. وتتجه كنيسة سيدة البلمند نحو الشرق الشمالي وتتضمن حنيّة كبيرة وسوقاً واحداً ومذبحاً واحداً. والاكتفاء بمذبح واحد خروجٌ على تقاليد هؤلاء الرهبان(2).

بالإضافة إلى ما يمكن ملاحظته من نقوش وتيجان أيونية وكورنثية. ومعظم الرخام المفروشة به أرض كنيسة القديس جاورجيوس في دير البلمند وقفه آل زخريا من حامات(3) في حوالي سنة 1840، ونقلوه بحراً إلى البلمند من آثار كنيسة قديمة، كانت لا تزال باقية في قرية حنوش بالقرب من حامات عند ساحل البحر، ولعلها من بقايا مدينة كوشار البيزنطية، ولا يزال اسم كوشار يطلق على مضيق صغير يؤدي إلى قرية حنوش.

ووفق مصادر حملات الفرنجة والبراءات البابوية المتعاقبة وقتئذٍ، يلاحظ أن دير البلمند كان أكبر أديار الإفرنج في إمارة طرابلس اللاتينية، وكان خاضعاً لأسقفية بيروت اللاتينية في منتصف القرن 13م. وفي عام 1289 خرج منه رهبان برناردوس وانسحبوا مع بقايا حملات الفرنجة، “ولعلهم ذبحوا ذبحاً”(4). وبعد خروجهم تسكت المصادر التاريخية عن ذكر البلمند إلى مستهل القرن السابع عشر حيث تقول: إنه كان خرباً في معظم نواحيه، وهذا أمر طبيعي، لأن الرهبان هجروه كما سلف، فأصبح خلواً من الحياة الرهبانية، وبالتالي ليس من يد لترممه.

وفي عام 7111 لآدم الموافق 1603 مسيحية أُعيدَ افتتاحه بعد إصلاحه (بعد أن هُجر مدة 330 سنة). وكان ذلك باهتمام من مطران طرابلس والكورة يواكيم ابن الخوري جرجس في عهد البطريرك الأنطاكي يواكيم السادس{(ابن زيادة) من السيسنية بقضاء صافيتا 1593ــ 1604} ومن ذاك الوقت دخلت الرهبنة إليه وأصبح من أهم الأديار الرهبانية في الكرسي الأنطاكي يليه دير القديس جاورجيوس الحميراء(5).

وقد جاء في كرّاس قديم بخط سيميون القس الراهب الذي اشترك في حفلات افتتاحه ثانية ما نصه(6): “بسم الله الخالق الحي الأزلي الناطق، لما كان بتاريخ شهر أيلول المبارك سنة سبعة آلاف وماية وأحد عشر لكون العالم (1603) اتفق على بركة الله وحسن توفيقه تاريخ فتوح دير ستنا السيدة ومارجرجس المعروف بدير الفالمند بإشارة السيد المطران يواكيم مطران محروسة طرابلس، وإنه اعتنى وأشار بعمارته، وإنه طلع لعند الحقير مكاريوس الديراني الذي كان سابقاً رئيساً على دير ستنا السيدة الذي يُعرف بدير كفتون. وإنه أجاب الأب الحقير بإشارة السيد المطران كير يواكيم مطران ثغر بيروت برأي المشايخ أبو صالح والحاج سليمان ياضجي ويوسف باشاسيفا ومشايخ قرية فيع الحاج فرحات والحاج بطرس وابتدينا بفتوحه، لأنه كان خراب داشر من زمان دخلوا الإسلام إلى البلاد، وهو تاريخ ثلاث ماية وثلاثين سنة”. أما الطبقة الثانية من الدير فقد تم بناؤها في القرن 18 وتعتبر (الشقة الحلبية) واحدة من أبرز معالمها، فقد بناها الرهبان الحلبيون، وقسّموها غرفاً، استُخدمت لأغراض مختلفة، ثم استُخدمت هذه الطبقة الثانية داراً للمدرسة الإكليريكية التي سيرد ذكرها في فصل قادم، وهناك عدد كبير من القلايات الرهبانية فيها.

اليسوعيون ونشوء رهبنة الشوير الكاثوليكية

من المعروف أن رهبنة ماريوحنا الشوير الكاثوليكية كانت قد انطلقت من رهبنة البلمند أي أن للبلمند دوراً رئيساً في نشأة الرهبانية الشويرية في طائفة الروم الكاثوليك. كيف تم ذلك؟

كان ذلك في عهد البطريرك أثناسيوس الرابع {(ابن الدباس) 1686ــ 1694 و(1720ــ 1724)} وكان الكرسي الأنطاكي في حينه مرتعاً لخلاف بين أثناسيوس بن الدباس وكيرللس بن الزعيم حفيد البطريرك العظيم مكاريوس على منصب البطريركية، وقد غذى هذا الخلاف بينهما الرهبان اللاتين.

في السنة 1697 خص الأب اليسوعي فيرسو Verseau دير البلمند بعنايته، لأنه كان آهلاً بالرهبان، «وكان للشِقاق شأن عظيم فيه بحيث يتناول كل ملة الروم»(7).

وحاول الأب فيرسو الدخول إلى البلمند لإيضاح الإيمان الكاثوليكي مراراً، ولكنه أخفق، ثم شعر اثنان من تلاميذ الآباء اليسوعيين بالدعوة الرهبانية، واختارا البلمند لخدمة الله فيه، «فأخذ الأب فيرسو يزورهما ويرشدهما منبهاً إلى ما في هذا الدير من خطر»(8)، ثم تحقق انهما راسخان في الكثلكة، فاتخذهما وسيلة للدعاية الرومانية بين الرهبان، فأكثر من زياراته للدير، وتعرف بسائر الرهبان، وصار يدخل، ويشترك في اجتماعاتهم الديرية بلا مانع، ولكي يرضيهم جميعاً، كان يمدح القديس باسيليوس الكبير، ويتلو عليهم أخباره، ثم وضع بين أيادي صديقيه مؤلفات الأب كليسون Clisson والأب نو Nau وفي السنة 1704 تقدمَ خمسة من رهبان البلمند بطلب وجهوه إلى مجمع انتشار الإيمان الكاثوليكي في رومة، وفيه يرجون أن يأمرهم المجمع بالحضور إلى رومة “…..نستمن فضلكم، بأن تمنوا علينا من إحسان الكنيسة المقدسة بمكان حقير نتآوى فيه وحدنا داخل رومية أو خارجها، وتتصدقوا علينا هناك بالقوت الضروري والشرب الزهيد كفاف الجسد اللطيف لا غير، حتى نخدم الله بمكنتنا على الإمكان وندعي لجلالتكم السامية البهية، سطر في دير البلمند من أعمال الشام في أول تشرين الثاني سنة 1704 عبدكم مكاريوس الكاهن في الرهبان، عبدكم جرمانوس الكاهن في الرهبان، عبدكم الحقير حنانيا الكاهن في الرهبان، عبدكم الحقير نصر الله الكاهن في الرهبان، عبدكم جرجس الشماس في الرهبان(9).

دير مار يوحنا الشوير

وفي هذه الآونة نفسها وصل إلى البلمند شابان حلبيان راغبان في التبتل والزهد، فنصح لهما الأب نصر الله الحلبي ــ وهو من الموالين لرومة، وقد وقّع على الرسالة السابقة ــ «أن يذهبوا إلى جبل لبنان، ويفتّشوا على مطرح خالي وبعده نحن نجي إلى عندكم، ونعمل رهبنة قانونية، لأن في هذا الدير الإنسان ما يحسن يعيش في حرية الإيمان، لأن فيه اناس معاندين، وعشرتنا معهم لا تصلح. فسمعوا من شوره، وراحوا حوشوا دير الذي يُقال له مار يوحنا الشوير، وأرسلو أخبروهم عنه»(10).

وكان هذا الدير وقتئذٍ بسيطاً، لا يشتمل إلا على كنيسة صغيرة على اسم النبي يوحنا الصابغ، وغرفة بسيطة، أوى إليها زاهد من أبناء أسرة صوايا الشويرية.

وكانت بلدة الشوير تئن من مشادة عنيفة بين أسرتيها الكبيرتين آل صوايا (ومنهم هذا الزاهد، وقد اتخذوا من كنيسة النبي يوحنا مصلى لهم، فكانوا وقد ناصروا البطريرك أثناسيوس، ثم ناصروا الرهبان الوافدين من دير البلمند المتشبعين بالآراء الكاثوليكية) وآل مجاعص الذين ناصروا البطريرك كيرللس، وبقوا يصلون في كنيسة السيدة وبلدة الشوير.

مطبعة البلمند

وبعد أن تمَّ الصلح بينه وبين البطريرك كيرللس الثالث، قام البطريرك أثناسيوس بن الدباس في آذار سنة 1700 بزيارة إلى القسطنطينية والبغدان والفلاخ (رومانية) يستعطف المسيحيين فيها للحصول على معونات مالية لصالح الكرسي الأنطاكي المقدس الرازح تحت وطأة الديون الباهظة.

فهبَ الأمير قسطنطين (حسن العبادة) أمير البغدان والفلاخ وأغدق على البطريرك أثناسيوس الهدايا والأموال، ولما عرف أن كتب الكنيسة الانطاكية الليتورجية لا تزال مخطوطة، أخذته الغيرة وأمر بصنع حروف عربية وأهداه مطبعة، اصطحبها معه إلى حلب مقر إقامته (كان الاتفاق يقضي ببقاء أثناسيوس في حلب وكيرللس في دمشق، وكلاهما يوقع باسم البطريرك، وعندما توفي كيرللس عام 1720 خلفه أثناسيوس بدمشق حيث استمر حتى موته عام 1724 ووقتها نشأت الكثلكة، وكان أول البطاركة الكاثوليك كيرللس طاناس، وطبعت وقتئذٍ بعض الكتب الطقسية، ومنها السواعي الكبير، وعندما انتقل ابن الدباس إلى دمشق عام 1720 ليخلف البطريرك كيرللس على السدة الانطاكية، نقل المطبعة إلى دير البلمند بغية إجراء طباعة بقية الكتب هناك.

إن التقليد البلمندي يجزم بأن هذه المطبعة وهي الأولى التي دخلت الشرق العربي بأحرف عربية قد نقلت فيما بعد من دير البلمند إلى دير مار يوحنا الشوير بصحبة الرهبان الموالين لرومة الذين انتقلوا إليه (كما سلف) أما تقليد الرهبنة الحناوية الشويرية فإنه يجزم بأن المطبعة الشويرية نشأت مستقلة بهمة الشماس الراهب عبدالله زاخر (الحناوي ــ الشويري) ولكن إن صحَّ هذا الجزم الأخير فأين أصبحت مطبعة البلمند؟ إذن نقّلت بالتحديد زمن انتقال هؤلاء الرهبان ومن بينهم الشماس زاخر من البلمند إلى دير الشوير.

أقسام دير البلمند

كما تقدم القول الدير طبقة أرضية بناها الرهبان الفرنجة، وطبقة ثانية بنيت لاحقاً، واتُخِذَت مقراً للمدرسة الإكليريكية الأولى.

ويضم الدير كنيستين

الأولى: كنيسة رقاد السيدة، وهي الأقدم والأكبر، وفيها مجموعة من الأيقونات التي تنتمي إلى المدرسة الروسية، وتعود في غالبيتها إلى القرن 17م إضافة إلى أيقونة لوالدة الإله وتعود إلى القرن الرابع عشر، وبالتحديد إلى عام 1318، وقد رممت في الماضي على مرحلتين، بينما أُعيد ترميم سائر الأيقونات الأخرى هذا العام مع الأيقونسطاس.

الثانية: كنيسة القديس جاورجيوس، وهي أصغر حجماً من الأولى، وفي البدء استخدمها رهبان برناردوس قاعة للفرسان، ثم ما لبثوا أن حوّلوها إلى كنيسة للصلاة وللحياة الرهبانية. في هذه الكنيسة ثلاث أيقونات تعود إلى القرن 18م وتنتمي إلى المدرسة الحلبية أما أيقونة القديس جاورجيوس شفيع الكنيسة، وهي الأيقونة الرئيسة، فقد رُسمت في أورشليم في القرن 19م.

في الدير قاعة تستخدم للمحاضرات بدون استعمال مكبرات صوت حيث إن هندستها تغني عن استعمال المكبرات وتشهد لعظمة فن العمارة آنذاك.

أما قبة كنيسة الرقاد فتعود إلى القرن الثاني عشر، وتشكل نموذجاً هندسياً فريداً من نوعه بين كنائس الشرق الأوسط.

وما يميز هذه الكنيسة أنها شُيّدت فوق كنيسة أخرى أقدم منها تاريخياً، ولعلها تعود إلى القرن الثامن، وتتصلان بممر خفي لا يظهر للعيان احترازاً وحيطةً.

منذ خمسة أعوام يشهد هذا الدير البطريركي، بكنيسته وأرجائه حيث يعبق البخور تسبحة لله عزَّ وجل، حملة ترميمية هدفها المحافظة عليه، بعدما سبقتها مهمة مماثلة قضت بتسجيله من ضمن الآثار في مصلحة الآثار اللبنانية بهدف حمايته، يعود الفضل فيها إلى غبطة مولانا البطريرك عندما كان رئيساً للدير والمدرسة في الستينات كما سنرى.

مدرسة البلمند

منذ طفولتنا، ونحن نسمع بمدرسة البلمند، ونشاهد خريجيها من الأحبار الأفاضل والقادة الرعاة في كنيستنا الأنطاكية المقدسة. ومدرسة البلمند هذه تبقى رمزاً لأنها أصبحت عبارة عن صرح تعليمي، يبدأ التعليم فيه من نعومة الأظفار إلى الجامعي وما فوق الجامعي بشقيه اللاهوتي والعام.

ما هي مدرسة البلمند والتطورات التاريخية التي مرّت بها؟

مرّت على هذه المدرسة عهود مختلفة، كانت تفتح وتغلق تبعاً للأهواء الشخصية وللظروف العامة!! وكانت أول مدرسة إكليريكية قد فتحت في البلمند في النصف الأول من القرن 19 وبالتحديد عام 1833 بهمة رئيس الدير وقتئذ العلاّمة الارشمندريت أثناسيوس قصير الدمشقي (زمن البطريرك الانطاكي متوديوس من ناكسوس في اليونان {1832ــ 1850})، وكان من الذين تشبعوا بروح الإصلاح في الحياة الإكليريكية والرهبانية في الكرسي الأنطاكي المقدس والذي يهدف إلى إعادة تعريب السدة الانطاكية، وكانت هذه الروح الوطنية قد سادت بقوة بين عدد من الإكليريكيين والعلمانيين، لعل أبرزهم قديس دمشق(11) وشهيدها الخوري يوسف الحداد الذي قام بنهضة مماثلة في دمشق، وكان أيضاً طيب الذكر السيد ديمتري نقولا شحاد (12) الصباغ الدمشقي الذي حتى الآن لا يزال مجهولاً، والسيد جرجي مرقص الدمشقي(13) الذي كان وراء كل النهضة الوطنية في الكرسي الانطاكي المقدس منذ الثلث الأول من القرن 19، وحتى منتصف العقد الثاني من القرن الحالي. وكان من الضروري جداً افتتاح هذه المدرسة لمواجهة الحملات التبشيرية المتعاظمة والمنتظمة من كاثوليكية وبروتستانتية والتي كانت تنتزع النابغين من الفتيان لإرسالهم إلى مدارس رومة والمدارس البروتستانتية لذلك قام الارشمندريت قصير بفتح المدرسة وضمَّ إليها 30 تلميذاً من الرهبان، وأحضر لها أساتذة مرموقين آنذاك، منهم الخوري اسبريدون صروف الدمشقي(14)، والخوري جراسيموس فرح الدمشقي(15) الذي أصبح فيما بعد مطراناً على باياس ثم على صور.

والأستاذ ديمتري فيليبدس لليونانية والموسيقا البيزنطية، بينما تولّى الارشمندريت قصير تعليم قواعد اللاهوت الأرثوذكسي والآباء.

ولإنجاح هذه الخطوة الرائدة سعى الأرشمندريت قصير إلى زيادة أوقاف دير البلمند ووارداته، وجهّزه بالمخطوطات والملابس الكهنوتية والأواني الكنسية ورمّمَ بعض مبانيه بالإضافة إلى بنائه للقاعات الغربية التي تُعرف حالياً باسم الجناح البطريركي، وفيها نشأت هذه المدرسة وقد بادر أيضاً إلى استصدار قرارين من إبراهيم باشا ابن خديوي مصر(16)، يقضي أولهما بإعفاء الدير من بعض الضرائب الأميرية، ويحول ثانيهما دون أن يضع الأمير بشير الشهابي (حليف ابراهيم باشا خاصة في فتحه لبلاد الشام) يده على مطاحن الدير.

إغلاق المدرسة الأولى

لم يطل الأمر على هذه المدرسة، وهي الومضة الأولى في الحياة الإكليريكية الانطاكية، حتى أُغلقت بأمر من البطريرك الانطاكي متوديوس، وقد تمَّ ذلك في عام 1840 عقب زيارة دير البلمند، وبمعيته مطران عكار زخريا، وقد جرى له في هذه الزيارة استقبال حافل من الرهبان والطلبة، فكان سروره عظيماً، لكن ما أزعجه، وجعله يبطّن القرار بإغلاق هذه المدرسة، جملة كان قد لفظها المطران زخريا تتحدث عن الآمال المعقودة على خريجي هذه المدرسة في قيادة الرعية وفي مستقبل الكرسي (وهذا كان يزعج البطاركة اليونان الذين تعاقبوا على السدة الانطاكية من 1724 مع البطريرك سلفستروس القبرصي، وحتى اسبريدون من رهبنة القبر المقدس عام 1898) ومن نافلة القول أن خريجي هذه المدرسة كانوا قد لعبوا دوراً نضالياً بارزاً في تعريب السدة الانطاكية وإقصاء اسبريدون عنها، وانتخاب ملاتيوس الدوماني كأول عربي عليها، ومن هؤلاء غفرئيل شاتيلا وأغابيوس صليبا والدوماني….

ولم يطل الأمر على تدبير الأمر بإغلاق المدرسة، فحال عودة البطريرك إلى دمشق، أنذر رئيس الدير الارشمندريت أثناسيوس بإغلاقها، فرفض الأخير، وتقدّمَ باستقالته من رئاسة الدير، فقبلها البطريرك فوراً، ونقله واعظاً إلى القدس لمصلحة بطريركيتها، وأغلق المدرسة، فتفرّقَ الطلاّب، منهم من ذهبَ إلى مدرسة دير الحميراء، ومنهم من ذهب إلى أديار جبل آثوس، بينما بقي اثنان وعشرون راهباً في البلمند، يعيشون الحياة الرهبانية منتظرين إعادة افتتاح مدرستهم. واستمر هذا الوضع المؤلم حتى العهد العربي.

في عهد البطريرك ملاتيوس الدوماني

مع بداية هذا العهد عادت المدرسة الإكليريكية للحياة بقرار مجمعي اتُخِذَ في 13 تشرين الثاني 1899، وافتتحها البطريرك ملاتيوس في 3 كانون الثاني 1900، وأُوكل أمر الإشراف عليها لمطران طرابلس غريغوريوس حداد، وعيّن الأستاذ غطّاس قندلفت الدمشقي مديراً لها، وضمت أيضاً أساتذة كباراً أمثال جرجس همام، ونجيب مشرق، وجرجي شاهي (17)عطية، وضاهر خير الله الشويري، وكان عدد الطلاب في هذه المرحلة الثانية أيضاً ثلاثين طالباً، وكان رئيس الدير هو الارشمندريت ايوانيكوس حايك، ووضع الأستاذ قندلفت نظام المدرسة، وكان مستوحى من نظام مدرسة خالكي(18) ويقع في تسع وعشرين صفحة من كراسة غير مجلدة، وهو يحتوي على سبعة عشر فصلاً وخاتمة، ويتضمن فصولاً تتناول مسؤوليات لجنة المدرسة، والمدير، والأساتذة، والخدّام، والدروس، والمكتبة، ووسائل الإيضاح، ووجود ناظر، وطبيب يأتي أسبوعياً من طرابلس أو غيرها للسهر على صحة الطلاب، وعلى وجوب تعيين البطريرك ثلاثة كهنة، للقيام بالصلوات والقداديس ولتأمين اعتراف الطلبة، وقد وافق البطريرك على هذا النظام، وأرسل رسالة لرئيس الدير ايوانيكوس، حدد فيها المتوجبات اللازمة لهذه العملية التي أضافت نفقات كثيرة، كان يفترض أن يقدمها الدير وتعتبر ديوناً يتوجب تسديدها على البطريركية إضافةً إلى أن هذه الرسالة كرّست فصلاً من الدير والمدرسة، فقد حددت واجبات وحقوق كل منهما.

أما المواد التي دُرِّست وقتئذ فكانت العربية بفروعها وآدابها، والرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ، والطبيعيات، واللغات التركية، واليونانية، والروسية، ومطالعة الكتاب المقدس، وتفسيره، والخطابة، والوعظ، والإرشاد والموسيقا الكنسية.

وفي سنة 1905 تخرّج أول فوج من المدرسة بعدما حضر البطريرك ملاتيوس امتحانات السنة الأخيرة، وقدّم مديرها الأستاذ غطاس قندلفت تقريره بإنجازات العام، وعَقَبَهُ خطباء عدة أثنوا على المدرسة.

ومن خريجيها كان الشماس أبو رجيلي (البطريرك ثيوذوسيوس 1958ــ 1969)، الشماس غفرئيل كردوس، الشماس أثناسيوس كليلة (مطران حوران)، الشماس روفائيل نمر (مطران حلب)، الشماس ايصائيا عبود (تسلّم مناصب عدة) الشماس باسيليوس شاهين، الشماس فوتيوس صعب، الشماس فوتيوس خبّاز، الشماس يوسف أبو طبر، والمبتدئان اسكندر يارد وجرجي ديبو.

في عهد البطريرك غريغوريوس الرابع (1906ــ 1928). (19)

في عام 1907 كانت مدرسة البلمند تعد ثلاثين تلميذاً، وسبعة أساتذة، هم:

ــ الأستاذ غطاس قندلفت مديرها، وأستاذ اللاهوت، والمدخل إلى الكتاب المقدس.

ــ الشمّاس جبرائيل كردوس أستاذ الرياضيات والعلوم الطبيعية.

ــ الأستاذ الياس اسطفان أستاذ اليونانية والتاريخ وتفسير الكتاب المقدس.

ــ الأستاذ جبران حبيب أستاذ الروسية والقانون الكنسي وناظر المدرسة.

ــ الأستاذ نجيب مشرق أستاذ الروسية والجغرافيا.

ــ الأستاذ متري المر أستاذ الموسيقا البيزنطية.

في عام 1908 أُغلقت المدرسة لأسباب غير معروفة، ربما لأسباب إدارية، أو لمصاعب مالية، لكن البطريرك غريغوريوس الرابع، أعاد فتحها عام 1909، وعيّن الارشمندريت العالم إغناطيوس أبو الروس لإدارتها، وكانت تعد 36 طالباً.

وفي عام 1911 عيّن الأستاذ غطاس قندلفت مجدداً لإدارتها، واستمرت المدرسة حتى إغلاقها بسبب الحرب العالمية الأولى عام 1914.

ثم أُعيد افتتاحها مجدداً في الفترة ما بين 1921ــ 1924 لكن بمضمون جديد إذ اتخذت طابعاً علمانياً بخلاف ما كانت عليه في الفترات السابقة من طابع إكليريكي، فانضمَّ إليها طلاّب مسلمون ورأسها وقتئذ الأب إغناطيوس حريكة (مطران حماة لاحقاً).

وفي ذلك الوقت، كان لبنان قد دخل في دائرة الانتداب الفرنسي، فتغيّرت المناهج التعليمية في مدرسة البلمند، وحلّت الفرنسية محل اليونانية والتركية، ودُرسَت جغرافية فرنسا وتاريخها. وزادت أهمية الدروس العلمية على الدينية، فتحوّلت مدرسة البلمند من إكليريكية إلى مدرسة وطنية محلية، وكان مديرها الأستاذ نقولا شاهين.

أما المدرّسون، فكان معظمهم من خريجي معهد المعلمين في الناصرة التابع للجمعية الامبراطورية الفلسطينية الروسية الأرثوذكسية، ومن خريجي مدارس الجمعية المنتشرة في كل البقاع الشامية إضافة إلى معلمين من الروس البيض الذين كانوا قد هربوا من روسيا حال قيام الثورة الشيوعية فيها عام 1917، وتم استخدامهم بقرار من البطريرك غريغوريوس الرابع.

وقد طبّقت بشأن البرامج التعليمية، وأنظمة الامتحانات، الأسسس المعتمدة في مدارس الفرير والجامعة الاميركية. وفي الأخيرة تابع عدد من الطلبة الإكليريكيين دراساتهم بنجاح بعد تخرجهم من مدرسة البلمند.

في عهد البطريرك ألكسندروس الثالث (1931ــ 1958)

بعد اجتياز الأزمة البطريركية في الكرسي الانطاكي عام 1931 بالقرار الذي صدر عن ممثلي البطريركيات الأرثوذكسية (القسطنطينيةــ الاسكندريةــ القدس)، والذي قضى بشرعية انتخاب ألكسندروس بطريركاً، قام البطريرك ألكسندروس بجهود كبيرة لوفاء الديون الباهظة وفوائدها والتي كانت على الكرسي الانطاكي من زمن البطريرك غريغوريوس، لذلك لم يتمكن من إعادة فتح مدرسة البلمند إلا في عام 1936 حيث استمرت حتى عام 1940، وكان هدفها هذه المرة تنشئة إكليريكيين متعلمين ومثقفين، أي إن مدرسة البلمند عادت في هذه المرحلة إلى منهاجها الأول، وهو الدراسة الإكليريكية، وقد أُجريت تعديلات جديدة على وضع المدرسة، فالنفقات كانت على عاتق البطريرك والأساقفة والمتبرعين، أما الدروس فكانت دينية وعلمية موزّعة على سبع سنوات وشملت اللغات العربية والفرنسية واليونانية. ولتدريب الإكليريكيين على الحياة الرعائية، كان يتوجّب على طلاّب السنة الأخيرة أن يتنقلوا في القرى المجاورة لإلقاء العظات في الكنائس. والخطب في المدارس بعد الحصول على إذن من مطران الأبرشية، ويرافقهم في عملهم أحد أساتذتهم. أما الامتحانات فكانت خطية وشفهية، تناولت الخطية مواد اللاهوت والآباء والآثار المسيحية وقوانين المحاكم الروحية، بينما تناولت الشفهية تفسير الكتاب المقدس، واللاهوت العقائدي، وتاريخ الكنيسة، والقانون الكنسي.

في عهد البطريرك ثيوذوسيوس السادس (1958ــ 1969)

بقرار مجمعي عهد البطريرك ثيوذوسيوس إلى أسقف «بالميرا» إغناطيوس “هزيم” الوكيل البطريركي برئاستها وإدارتها في أيار 1962.

في ذلك الوقت لم يكن الاهتمام بالدير والمدرسة سهلاً على رئيسهما بسبب الأوضاع المالية الصعبة التي كان يصادفها في المؤسستين بشهادة العديد من تلاميذه (بعض أساقفة الكرسي حالياً) وقد أعلن عن حاجته لمبلغ إسعافي قدره 5000 ليرة لتحقيق الحد الأدنى من المصاريف الضرورية، كما أبان حاجته إلى ناظر للمدرسة، وكاهن للكنيسة، ليكون أباً روحياً لتلامذة مراهقين، إضافة إلى حاجته لأشخاص يهتمون بالتعليم الديني(20).

ثم رفعَ الأسقف إغناطيوس(21) تقريراً مهماً إلى البطريرك ثيوذوسيوس بتاريخ 20 تشرين الأول 1962، تضمنَ معلومات وافية عن المدرسة، وأساتذتها، وطلاّبها، ومشروع موازنة الدير والمدرسة للسنة 1962ــ 1963 بالإضافة إلى بعض الملاحظات منها: أن بناء المدرسة داخل الدير غير صالح، ويقترح التفكير بإيجاد بناء مستقل عن بناء الدير، يصمم ليكون مدرسة، ويحوي ما يلزم لمدرسة ذات مظهر رصين في جو تربوي صحيح.

أما اقتراحاته الإجمالية، فكانت تهم الدير والمدرسة:

بالنسبة للدير، اقترحَ فرز الدير، ليبقى بناء أثرياً ومحوراً لنشاط روحي، وإيجاد مكان لائق للمدرسة، تستعمل فيه وسائل التعليم الحديثة، ومكتبة، وغرفة، مطالعة….الخ

وبالنسبة لسير المدرسة نحو مستوى علمي أرفع، فإنه اقترح اختيار تلاميذ أصلح علمياً، لتكون نخبة خلقية علمية، ولا تعتبر المدرسة محض مدرسة إصلاحية للعاصين، وميتماً لمن لا معيل له، (وهذا لا يعني التخلّي عن الفئتين المذكورتين).

وبالنسبة للمشكلة المالية التي تُعاني منها المدرسة، فقد اقترح الاقتراحات التالية:

1ــ اشتراك الأبرشيات في تمويل المدرسة إذا كان ذلك ممكناً.

2ــ السماح بتأليف «أصدقاء دير البلمند»، وسيكونون من المهتمين بالدير، والذين يكتتبون له بمبلغ ما كل سنة على أن يطّلعوا فيما بعد على مصير تبرعاتهم.

وبرسالته الثانية المؤرخة في 9/5/1963(22) أوضح الأسقف هزيم للبطريرك ثيوذوسيوس مجدداً الضائقة المالية التي يعيشها الدير والمدرسة لأن البطريركية لم تدفع في تلك السنة للمدرسة فلساً واحداً، في حين أنها كانت تدفع في السنوات الماضية لا أقل عن 20000 ليرة سنوياً.

وفوق ذلك فإن البطريركية ألقت على عاتق الدير إعاشة الأولاد المبتدئين. ويضيف المدير: “وكان يمكن لهذه المشاكل المالية أن تُحَل، فيما لو تحركت قضية وقفية وتبرعات المطران بشير”. ويؤكد أنه استنفذ كل صداقاته ليقوم بأود المدرسة الإكليريكية وبقي بلا راتب، معطياً رخاء المدرسة أفضلية، ثم يرجو من غبطته الإبراق إلى المطران بشير، لإرسال مبلغ مؤقت للبلمند لتسيير هذه الأحوال الاستثنائية على الدير والمدرسة.

وقد أمرَ غبطته خطياً في حاشيته المسطّرة على كتاب الرئيس الأسقف هزيم بصرف مبلغ 5000 ليرة لتسديد رواتب الأسقف، وغير ذلك من النفقات.

ومع كل هذه الضيقات، فإن مدرسة البلمند حققت في عهد الأسقف هزيم قفزة نوعية عظيمة، فقد بلغت مستوى القسم الثاني من البكالوريا اللبنانية، وتضاعف عدد طلابها بفضل سهره الدؤوب وحكمته وصلابة موقفه وحجة رأيه ونجاحه في التعليم وبخاصة في إدارة كلية البشارة في بيروت التي أُطلق عليها اصطلاحاً “مدرسة الأب هزيم”.

المدرسة الحديثة

وبفضل هذه الاقتراحات المُلحة، واندفاع الأسقف إغناطيوس لتحقيقها، فقد طلب البطريرك ثيوذوسيوس من مجلس الكنائس العالمي المساعدة في إنشاء المدرسة الثانوية، وإدراج مشروعها في جملة مشاريعه، وأَرفق بطلبه هذا تصميم المدرسة.

ونُفّذَ المشروع بوساطة مجلس الكنائس العالمي كما سلف القول إضافة إلى تبرعات من الكنائس الأرثوذكسية، بينما غطت ما تبقى من التكاليف حَملةُ تبرعات محلية. ونشأت المدرسة الحديثة بجوار الدير التاريخي.

إن المدرسة الحديثة لم تعد إكليريكية بحتاً بل فُتحت أمام الجميع، أما بناؤها فمؤلف من أربع طبقات، تحتوي الطبقتان الأوليان سبع غرف للدراسة ومُختبراً، وغرفة معلمين، وغرفة مطالعة، وجناح إدارة، وقاعة استقبال، وبهواً، وغرفة طعام، ومطبخاً أما الطبقتان العلويتان فتتسعان لمئة طالب داخلي.

وقد توزع العمل الدراسي في هذه المدرسة الجديدة على أربعة أقسام المتوسط والثانوي والابتدائي والتحضيري، وتمَّ ربط هذه المدرسة بسائر أنحاء لبنان بوسائط نقل خاصة لنقل التلاميذ من المدرسة وإليها.

معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي الأرثوذكسي

على اسم هذا القديس العظيم المعلم والرائد في الدفاع عن اللاهوت الأرثوذكسي والأيقونة، ويقول التقليد إن يده قطعت دفاعاً عن العقيدة الأرثوذكسية وباع كل شيء والتحقَ بدير القديس سابا الرهباني، وهناك كتب كل مصنفاته اللاهوتية.

على اسمه بني هذا المشروع الرائد، عندما تبرّع مثلث الرحمات المطران انطونيوس بشير متروبوليت أميركا الشمالية بمبلغ 250000 دولاراً من جيبه الخاص، ومبلغ 44000 دولاراً من مطرانية أميركا. ففي عام 1965 كان المؤتمر العام لأبرشية أميركا الشمالية فاتخذ قراراً نهائياً بإنشاء المعهد اللاهوتي في البلمند، وقام البطريرك ثيوذوسيوس بوضع حجر الأساس للمعهد في 15 آب 1966 في احتفال شعبي كبير، وتعهّدَ المطران فيليبس مطران أميركا الشمالية حالياً بتنفيذ وصية سلفه مثلث الرحمات المطران بشير لإكمال بناء المعهد، وانطلقت ورشة البناء بإشراف المطران إغناطيوس (مطران اللاذقية وقتئذ)، ورئيس الدير، ومدير إكليريكيته، ودشَّنه مثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع رسمياً الأحد 7 تشرين الثاني 1971 بحضور جمع غفير تقدمهم المتروبوليت فيليبس صليبا، وبقية مطارنة الكرسي الأنطاكي، والمطران هزيم، ومسؤولون في الجمهورية اللبنانية.

وفتح المعهد أبوابه أمام الطلبة للعام الدراسي 1970ــ 1971، وتولّى المطران هزيم منصب العميد، ووفاء منه لذكرى الخالد المتروبوليت بشير الذي قدّم كل ما يملك في سبيل البلمند (ثانوية ومعهد اللاهوت) وأقام تِمثالاً نصفياً له في صدر ردهة المعهد اعترافاً بفضله.

وفي الفترة (1976ــ 1978) فترة الحرب الأهلية اللبنانية الشاملة، توقفت الدراسة في المعهد، وسُرِقت محتويات الدير والمعهد من المخطوطات التاريخية، وغيرها من نفائس الكتب، وانتقل الطلاّب الإكليريكيون إلى جامعات اليونان (أثينا، سالونيك) لمتابعة الدراسة اللاهوتية، والتحصيل العالي فيها، ومنهم حالياً أصحاب السيادة المطارنة: جوزيف زحلاوي المعاون البطريركي، دامسكينوس منصور المعاون الأسقفي لمتروبوليت البرازيل، جورج أبو زخم العميد حالياً، والآباء الارشمندريت جورج جيلو والارشمندريت موسى الخوري… وغيرهم.

ثم تابع المعهد دوره مجدداً على الرغم من الصعوبات الحياتية، ومضايقات الحرب، فكانت رسالته التي عبَّرَ عنها تقرير قدَّمه قدس الأب جورج عطية أحد أساتذة المعهد حيث قال فيه:

“يعمل المعهد على تربية أجيال من رعاة ومعلمين حاملين رسالة مصالحة وسلام ومشتركين في بناء الوطن وإنسانه، لذلك اعتمد نهجاً تعليمياً، يعطيه هويته، ويظهر معنى وجوده، لأنه يرمي إلى بناء شخصية الطالب وتثقيفه، وهذا النهج يوسِّع المعرفة، ويساعد على اكتساب أسس البحث والكتابة…”

وفي لقاء غبطته وفد كنيسة كورهاس فالدك الألمانية في البطريركية بدمشق الثلاثاء 24/5/94، نوّه بدور هذا المعهد اللاهوتي حالياً حيث قال:

“المعهد ليس مكاناً للدراسة اللاهوتية فقط، هناك محاولة لتحويله إلى بيت للرعاية…” وحول طلاب المعهد قال غبطته: “…هم طلابٌ جامعيون يشعرون بالمسؤولية، ونحاول تطوير الروحانية النوعية لديهم، فالإنسان هو الأساس. المعهد مؤسسة جامعية، وتأكيدنا ينصب أولاً على نوعية الشخص في مرحلة قبوله.” وأضاف: “…أعتقد أننا خطونا خطوة جيدة إلى الأمام، وآمل أن نصل إلى تنمية أبنائنا ليس فقط بالتعليم بل بالرعاية، وبتنمية الحس الرعوي لديهم. والبلمند معهد من أهم المؤسسات في كنيستنا الأنطاكية، وهو اليوم مكان للقيادة الروحية. نحن نعاني من نقص في رجال الإكليروس. والبلمند هو الذي يقوم بتهيئة الإكليروس الأنطاكي من أجل الرعاية والقيادة الروحية…”.

لقد تحد‍ّثَ غبطته عن مؤسسة رعاها منذ نشأتها بعرقه وقلبه ووجدانه وجيبه، بالرغم من صعوبة الأحوال المالية والإدارية والفنية. فكانت اليوم هذه الصروح المتنوعة والمتميزة في مجال التعليم كما أرادها. أما برنامج دروس المعهد، فيتناول مواد اللاهوت، والفلسفة، والتاريخ، والكتاب المقدس، والآباء والرعائيات، والليتورجيا، وعلم الاجتماع، واللغات القديمة، والحديثة وتوزّع هذه المواد على أربع سنوات يحصل الطالب في نهايتها على إجازة في اللاهوت. أما الذي كان يُحيي الدروس وينعشها فهو حياة الصلاة المشتركة على أرض المعهد وفي كنيسته صلاة بين المرشدين الروحيين والأساتذة من جهة والطلاّب من جهة ثانية. وقد طبّقت لفترة من الوقت تجربة إعداد الكهنة ومدة الإعداد سنتان. لكن النظام السائد حالياً هو الإجازة الجامعية في اللاهوت.

جامعة البلمند

هو القسم الأهم في البلمند وأهم حدث في تاريخ الكرسي الانطاكي المقدس منذ تأسيسه على أيدي الرسولين بطرس وبولس. انطلقت هذه الجامعة الحديثة في مسيرتها عام 1988 بعد أن كانت حلماً جميلاً داعبَ خيال غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع فسعى لتحقيقه وكم مرّ به معوقات وآلام وشجون لأن الكرسي الانطاكي عبر تاريخه كان مدرسة للفكر واللاهوت ومنه نُقِلَ هذا الإبداع إلى كل العالم.

تحقق حلم إغناطيوس الذي حلمه مذ تسنّم رئاسة الدير والمدرسة عام 1962 لا بل وهو لا يزال على مقعد الدراسة في الجامعة الاميركية ببيروت ثم وهو يدرّس اللاهوت والفلسفة في معهد القديس سرجيوس في باريس ودخلت الجامعة معترك التدريس تنافس شقيقات لهنَّ باعٌ طويل في هذا المضمار الحيوي كالجامعة الاميركية والجامعة اليسوعية.

وُلدت هذه الجامعة التي أنعشت عروق الشمال اللبناني في الحرب اللبنانية وكملت نفسها مع إطلالة السلام وحملت على عاتقها الأرثوذكسية العربية ابنة المشرق العربي وهي الآن قد انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التركيز.

وكانت قد انطلقت ولم تكن قد حصلت بعد على رخصة رسمية من وزارة التربية اللبنانية والجهات الرسمية الأخرى ووقتها لم تكن هذه الأبنية الضخمة التي تشكّل اليوم كليات الجامعة ومعاهدها إلا عبارة عن مخططات هندسية ومجسّمات مصغّرة.

ثم صدر ترخيصها بالمرسوم رقم 4885 تاريخ 4 حزيران 1988 الذي أجاز لها العمل رسمياً وجاء في قانونها الأساسي أن جامعة البلمند ترمي إلى التعليم والبحث في آن واحد وهي مؤسسة لا تتوخّى الربح وتتطلع دوماً إلى المستوى العلمي وأخلاقية المعرفة وتواكب التطورات العلمية المعاصرة وترشد طلابها إلى القيم الإنسانية والروحية والمحبة والعطاء.

تمارس الجامعة سياسة الانفتاح على الجميع ولا تميّز بين فرد وآخر بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو العرق أو اللون.

تسعى الجامعة إلى إنشاء علاقات ثقافية وتعاون أكاديمي مع أفضل مؤسسات التعليم العالي في لبنان وخارجه.

أقسام الجامعة

معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي سالف الذكر، الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، كلية إدارة الأعمال، كلية العلوم، كلية الهندسة، كلية العلوم الصحية. ومعاهد ومراكز أبحاث مختلفة منها معهد الدراسات الإسلامية المسيحية، مركز الدراسات الانطاكي الأرثوذكسي.

السياسة التربوية في الجامعة

تعتمد الجامعة البرامج التي تطوّر العلوم وتخدم مصلحة المجتمع وتطوراته المستقبلية ومصلحة لبنان ومصلحة المشرق العربي وحاجاته.

كما أن الجامعة ملتزمة بالدراسة والتعليم فهي أيضاً ملتزمة بمعرفة الحقيقة في كل شيء وذلك من خلال البحث العلمي والحوار المسؤول والكتابة والنشر والنقد والجو الحر المنفتح الذي تتطلبه الدراسات العليا وتهدف الجامعة إلى تحويل المعرفة إلى وسائل ومنهجيات عملية تخدم مصالح الشعب وتدفعه نحو التقدم الحضاري والازدهار الاقتصادي.

لكل جامعة في العالم خصائصها ورسالتها التي تماشي الحقائق العلمية… وجامعة البلمند التي تنطلق من التراث الأرثوذكسي الانطاكي تجد نفسها مجذرة خلقياً في هذا التراث الفني ومنفتحة كلياً على المجتمع الحديث والعلم الحديث، وتسهم بشكل فعال في مسيرة العلوم العليا في لبنان والمشرق العربي مضفية على المسارات العلمية الحديثة في المنطقة روحية خلقية متحررة تؤمن المواطَنة الحقة.

فجامعة البلمند هي جامعة لكل لبنان ورسالتها العلمية والخلقية رسالة عالمية وأبوابها مفتوحة لكل باحث وأستاذ وطالب وموظف دون تمييز.

وكجامعة في جوار الدير التاريخي لا بد لها من أن تشدد على الروحانيات وعلى معرفة الغير من خلال الحوار المنفتح وبالأخص الحوار المسيحي الإسلامي الذي للبلمند تاريخ حافل فيه. والولاء للبنان المتفاعل حضارياً وتاريخياً مع محيطه العربي والمنفتح دوماً على العالم.

وتقدّم الجامعة برامجها التربوية باللغتين الانكليزية والفرنسية وتتطلب معرفة جيدة باللغة العربية وأخيراً فإنه لا بد من الإشارة إلى المتبرعين الذين بحق يتوجّب علينا أن نشكرهم نيابة عن الأسرة الانطاكية الأرثوذكسية منهم من هو من أبنائها ومنهم من هو من أديان شقيقة أخرى وتجمعنا معهم وحدة الدم والتاريخ والأرض وإن اختلفنا في العقيدة إلا أننا ننشد معاً وجه الله على الأرض وفي رحاب البلمند.

مجلس الكنائس العالمي، أبرشية نيويورك وسائر أميركا الشمالية ممثلة بمثلث الرحمات المطران انطونيوس بشير والمطران فيليبس صليبا وآخر التبرعات منهم القرية الانطاكية التي ستجمع الطلاب الداخليين والأساتذة (مدينة جامعية)، د. عثمان العائدي، صائب نحّاس، الأستاذ رفيق الحريري، الأستاذ عصام فارس، آل بولس، آل زاخم، أبرشية باريس (تبرعت بكنيسة) وآخرون بمنح دراسية بما يفوق مئة ألف دولار، وغيرهم من الجنود المجهولين.

ختاماً

نقول في رحاب التاريخ المجيد الذي عاش فيه البلمند ببخوره ورهبنته، في رحاب مدرسته اللاهوتية المتألمة التي كبرت على الجراح فأصبحت معهداً على اسم أعظم قديسي المشرق والمغرب يوحنا الدمشقي الكوكب الثاني من كواكب دمشق الخالدة التي زهت بمسيحيتها على مر العصور، العصفور الغَرِدْ الذي كتب الشعر فأبدع ونظم الموسيقا فحلّق، كنارة الروح والناي الرعائي.

في رحاب المعرفة والعلم التي حملتها ثانوية البلمند ثم الجامعة، في رحاب هذه الصروح الروحانية والتعليمية المتألقة يتابع الكرسي الانطاكي المقدس حمل رسالته المسيحية بعد أن حملها رائداً عبر دمشق وأنطاكية إلى كل العالم شرقاً وغرباً يتابع اليوم أيضاً في مشوار الحضارة الانطاكية العربية الأرثوذكسية.

البلمند الرمز استراح الآن، وهو يعيش على ذكريات العزة والفخار بمؤسساته تلك الصروح الخالدات يعيش على عبق البخور المتصاعد من مبخرة رئيسه الراهب أثناسيوس القصير الدمشقي الذي نراه يبخّر أيقونة أم الإله سيدة البلمند، ويسمع الأجيال اللاحقة تنشد نشيد البلمند(23):

تلـة الضوءِ اغمرينــا بالشـــموع النيرات باركي العقل إمــامـــاً شاد خير الجامعات شعَّ منك الحرف يوماً حاملاً شـمس الهداة مشـــرقــــــي النبضِ ذاع في كل الجهات

مصادر البحث:

ــ د. أسد رستم ج2، ج3 كتاب انطاكية.

ــ ألكسندروس حجي تاريخ الكنيسة.

ــ تقاويم معهد اللاهوت ــ البلمند.

ــ الخوري قسطنطين الباشا، تاريخ الطائفة الملكية.

ــ جوزيف زيتون، الآسية مسيرة قرن ونصف، دمشق 1991.

ــ جوزيف زيتون، الأعلام الأرثوذكس ــ النشرة البطريركية.

ــ الوثائق البطريركية التاريخية: مجموعات دمشق، بيروت، دير البلمند.

ــ مدرسة البلمند، مقال د. سعاد سليم، مجلة كلمة جامعة البلمند عدد صفر1994

ــ جوزيف زيتون زيارة البطريرك إغناطيوس الرابع إلى انطاكية، دمشق 1994

ــ جريدة المنار البيروتية أواخر القرن الماضي.

ــ شهادات شفهية.

الصليب

صلبان البشر صلبان صغيرة تساعدنا من أجل خلاص نفسنا بينما صليب المسيح كان ثقيلاً جداً، لأنه لم يُستخدم قوّته الإلهية لنفسه فقط.

(1) الصليبون: وقد عبّرنا عن رفضنا لهذه التسمية واعتمدنا التسمية التي اعتمدها المؤرخون المسلمون المعاصرون (الفرنجة) راجع ذلك في مقالاتنا السابقة وفي كتابنا زيارة البطريرك إغناطيوس الرابع إلى أنطاكية في باب تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس (جوزيف زيتون).

(2) د. أسد رستم ، كنيسة انطاكية ج2 ص 284.

(3) منهم المطران زخريا مطران حوران والنائب البطريركي بعهد البطريرك غريغوريوس الرابع، كذلك وكيلاً بطريركياً في أوائل عهد البطريرك ألكسندروس الثالث في منتصف الثلاثينات.

(4) د. رستم ج2 ص 284.

(5) أنظره في العدد 6 (حزيران) 1994.

(6) د. رستم ج3 ص 34.

(7) المقصود في ذلك الشقاق بين أثناسيوس وكيرللس وجد فيه الأب فيرسو فرصة سانحة للعمل في دير البلمند.

(8) كان اليسوعيون يبشّرون من طرف خفي بأن الأرثوذكسيين مشاقين (أقرب للهراطقة) وأن الإيمان الكاثوليكي هو القويم.

(9) د. رستم ج3 ص 112 ، الخوري قسطنطين الباشا، تاريخ الطائفة الملكية ج1 ص 350ــ 351.

(10) المصدران السابقان.

(11) انظر ترجمته في عدد آب 1992، وفي كتابنا الآسية مسيرة قرن ونصف. إعداد جوزيف زيتون.

(12) انظر ترجمته في عدد أيار 1992، وفي كتابنا الآسية….

(13) انظر ترجمته في عدد كانون الأول 1992.

(14) انظر ترجمته في عدد آذار 1994.

(15) رفضه البيروتيون مطراناً عليهم عند وفاة المطران اليوناني ايروثيوس حيث قالوا إنهم يريدون مطراناً عربياً ولكن ليس جراسيموس (وقد رفضوه ثلاثاً) (وثائق بيروت) وكان ذلك في الستينات من القرن الماضي قبل أن يتسلّم غفرائيل شاتيلا مطرانية بيروت والجبل.

(16) الحملة المصرية على بلاد الشام 1831ــ 1840 حيث عاشت بلاد الشام في جو من التسامح الديني لم تشهده من قبل فرممت الكنائس والأديار وصدرت فرمانات بحمايتها.

(17) أنظر ترجمته في باب اعلام الأرثوذكس في العدد 4 نيسان 1994.

(18) د. سعاد سليم مقالة بعنوان مدرسة البلمند/ مجلة (كلمة) جامعة البلمند/ عدد صفر 1/1994.

(19) في عهده تمَّ زيادة الاهتمام بالعلم وفتح المدراس وكان منها مدارس انطاكية لكل مراحل التعليم. انظرها مع الصور الفوتوغرافية الوثائقية بكتابنا زيارة البطريرك إغناطيوس الرابع إلى انطاكية.

(20) رسالة الأسقف إغناطيوس إلى البطريرك ثيوذسيوس بتاريخ 18/8/1962 ــ الوثائق البطريركية.

(21) المصدر ذاته.

(22) المصدر ذاته.

(23) شعر الدكتور خريستو نجم، ألحان الفنان زكي ناصيف.


أضف تعليقاً