الوجود الأرثوذكسي في أميركا-الجزء الأول

نبذة تاريخية في إكتشاف أميركا

في عام 1492 أبحر البحّار الإيطالي كريستوف كولومبوس بثلاث سفن من اسبانية وبتمويل إسباني متّجهاً نحو الغرب في المحيط الأطلسي للوصول إلى شرق آسيا إلى موطن التوابل. وبعد رحلة استغرقت قرابة شهرين عانى فيهما من تمرّد بحّارته وصل إلى مجموعة من الجزر أطلق عليها اسم (جزر الهند الغربية) وكانت منها جزيرتا (كوبا وهاييتي) ولم يكن يعرف أنه اكتشف أرضاً جديدة إذ أن بشرة سكانها كانت تشابه بشرة سكان الهند مع فارق يتمثّل باعتماد السكان في هذه المنطقة على تلوين أجسامهم. لذلك أُطلق عليهم تسمية (الهنود الحمر) Les Peaux Rouges. وقد تمكّن في رحلته هذه من الحصول على الذهب من هؤلاء السكان، ولكنه لم يستطع إحضار التوابل، ثم مات في عام 1506 دون أن يعلم أنه اكتشف أرضاً جديدة.

وفي عام 1500 أرسل ملك البرتغال بحّاراً إيطالياً آخر هو (أمريكو فسبوشي) لاستطلاع الأراضي التي كشفها كولومبوس، فرسى على شاطئ البرازيل وأيقن عندها أن ما وصلَ إليه كولومبوس ليس آسيا أو جزر الهند الغربية إنما هو عالم جديد ما لبث أن أُطلق عليه اسمه تكريماً له.

التبشير المسيحي في أميركا الجنوبية

نظراً لغنى هذه الأرض الجديدة بالذهب، بدأت طلائع المغامرين والمهاجرين الطامعين بالثراء تصل إلى أميركا، وكانوا في غالبيتهم من طريدي العدالة وقطّاع الطرق بالإضافة إلى المحكوم عليهم بالنفي إلى هذا العالم الجديد.

وكان هؤلاء يواكبون القوات الإسبانية والبرتغالية في فتح هذه البلاد الجديدة والتوغل في مجاهلها. وسرعان ما لحق بهم المبشِّرون اليسوعيون والفرنسيسكان ثم بقية الرهبنات التبشيرية اللاتينية حيث بدأوا بتنصير الهنود الحمر وبنوا الكنائس وزينّوها مستفيدين من مناجم المعادن الثمينة المتوافرة بكثرة في هذه الأرض البكر.

وبعد استتباب فتح القارة الجنوبية والهيمنة عليها دخلت بقية الإرساليات والرهبنات الإسبانية والإيطالية والبرتغالية والفرنسية فتثقف عليها السكان الأصليون والمهاجرون فانتشر تبعاً لذلك المذهب الكاثوليكي اللاتيني ودعيت هذه القارة بأميركا اللاتينية.

الوجود الأرثوذكسي في أميركا الجنوبية

يرجع الفضل في وجود الكنيسة الأرثوذكسية الأولى في أميركا الجنوبية إلى الامبراطور الروسي ألكسندر الثالث “حسن العبادة” وكان ذلك بتاريخ 14 تموز 1888 في بوينس آيرس عاصمة الأرجنتين إستجابة لطلب الجاليات الأرثوذكسية المهاجرة من اليونان وصربيا وأرجاء الكرسي الإنطاكي المقدس والكرسي الأورشليمي المقدس. وقد قام وقتئذٍ الخوري ميخائيل ايفانوف والشماس سيزيمسكي باستئجار منزل متواضع في أحد أحياء “بوينس آيرس” وأقاما فيه أول قدّاس إلهي في (1 كانون الثاني عام 1889) وبعد عامين اثنين عادا إلى روسيا فبقي الشعب هناك بدون كاهن إلى أن حلّ محلهما المتقدم في الكهنة الخوري قسطنطين ارزاتزوف الملحق بالسفارة الإمبراطورية الروسية في “هولندا” فوصل إلى بوينس آيرس (في 16 نيسان 1891) وكان هو الكاهن الأرثوذكسي الوحيد في كل أميركا الجنوبية.

استفاد هذا الكاهن النشيط من صفته الدبلوماسية هذه في تعميق الإتصالات مع رجال الحكم في الأرجنتين من رئيس البلاد إلى رجالات الدولة فالاكليروس اللاتيني. وكان يُدعى للإحتفالات الرسمية، لذلك كان يناقش أولئك في الكنيسة والعقيدة الأرثوذكسية التي تكاد تكون مجهولة تماماً لديهم وسهَّل لهم بالتالي الإطّلاع عليها. وكان يقول دوماً أن الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية غصنان في شجرة واحدة وتباعدا بأسفٍ منذ أجيال لأسباب من صنع البشر.

أسس هذا الكاهن الجمعيات الخيرية التي كانت أهم أهدافها إنشاء الكنائس أولاً ومساعدة المحتاج من كل الجاليات الأرثوذكسية في هذا الوطن الجديد ثانياً، لذلك كان وعلى الدوام يُراسل المجمع الروسي المدبِّر والقيصر الروسي شارحاً لهم واقع الحال والحاجة الماسة إلى بناء الكنائس فأرسل له الإمبراطور ألكسندر الثالث مبلغ 18.100 روبل ذهبي، استفاد منها الخوري قسطنطين مع ما جمعه من الأرثوذكسيين المقيمين في بناء منزل ليستغل أجرته في سد النفقات الضرورية للعمل الرعائي.

ثم سافر إلى روسيا عام 1898 حيث قام بجمع التبرعات هناك بإذن من المجمع الروسي المدبِّر وعاد إلى بوينس آيرس حيث بنى كاتدرائيتها الفخمة ودشنّها في 6تشرين الأول 1901 بحضور رئيس الجمهورية وأعضاء السلكين السياسي والدبلوماسي.

أسباب الوجود الإنطاكي في أميركا


يمكن أن نلخص ذلك بالأسباب التالية:

الأسباب الإقتصادية

كانت الأوضاع الإقتصادية المتردّية لمسيحيي بلاد الشام هي الباعث الرئيس في الهجرة. فقد أدى شق قناة السويس عام 1869 إلى زعزعة معظم الصناعات والحِرف الدقيقة التي اختص بها نصارى بلاد الشام وخصوصاً الدمشقيون ومن أهمها صناعة الحرير الطبيعي التي اختصت بها أسرٌ دمشقية كاملة. ومنها أيضاً صناعة الخمور ذات الشهرة المرموقة في الأسواق الأوربية التي اهتزت لإصابة كروم العنب بآفات زراعية فتأثر معظم الوضع الإقتصادي في بلاد الشام وأصيب النصارى بشكل أعمق لإختصاصهم بالحِرف والصناعات الشهيرة كما سبق.

الأسباب السياسية

كانت سياسة الولاة العثمانيين جائرة بحق المواطنين عموماً وخصوصاً المسيحيين فهؤلاء أصحاب حِرف مشهورة وهذا يعني زيادة في مبلغ الضريبة السنوية (وما أكثر تنوّع الضرائب في الدولة العثمانية) واستيفاء الضريبة عدة مرات في السنة لإرضاء الباب العالي في الأستانة خوفاً من العزل أو النقل اللذين كانا يتمّان بدون سابق إنذار بحق الولاة إلا إذا كان الوالي قادراً على جمع الأموال الأميرية بما يُغني خزينة السلطنة العثمانية ويضمن الرضى الهمايويني. وكانت مقادير عظيمة من هذه الأموال تذهب إلى جيوب الولاة وإلى أعوانهم بأساليب شتّى من المضايقات والإبتزاز.

وبصدور خط كلخانة في النصف الثاني من القرن 19 الذي ساوى رعايا السلطنة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس والدين والمذهب، برزت مشكلة جديدة للمسيحيين في بلاد الشام، تتمثل في خدمة العلم أو دفع البَدل النقدي. فخدمة العلم كانت تعني القضاء على الشاب إذ كان يُساق إلى ولايات بعيدة كالروملي والأناضول واليمن وترعة السويس وخصوصاً في زمن حكومة الإتحاد والترقي. هذا إذا أخذنا في الإعتبار عدم تحديد مدة حقيقية لهذه الخدمة وربما يقضي هذا الشاب نحبه أو يُفقد في ديار غريبة بسبب الحروب والثورات المتعددة التي قامت بها العديد من القوميات الداخلة في التركيبة العثمانية، لذلك كان الأهل يفضلون دفع البدل النقدي إلى مأموري الجباية بواسطة مخاتير الطوائف المسيحية ومن ثم يركبون البواخر إلى المقلب الآخر من العالم (القارة الأميركية) هرباً من تكرار الدعوة أو للخدمة الإحتياطية وفق ما كان يسمى بالنفير العام وبالتحديد زمن سفر برلك (الحرب العالمية الأولى).

الأسباب الإجتماعية

تركت أحداث فتنة عام 1860 الطائفية في بلاد الشام غصة وأثراً في نفسية مسيحيي جبل لبنان ودمشق فهم لم ينسوا أن الألوف من ذويهم كانوا وقوداً لفتنةٍ طائفية غذّتها مؤامرات السلطان العثماني (للتخلص من الإمتيازات المذهبية التي فرضتها الدول الأوربية على الإمبراطورية العثمانية (الرجل المريض)) والصهيونية العالمية واليهودية المحلية مع بعض التعصب والتطرف الديني عند بعض الجهلة المسلمين الذين لم يرق لهم أن يصبح النصارى مواطنين من الدرجة الأولى و مساوين لهم في الحقوق والواجبات بعد أن كانوا طيلة عهد الإنحطاط مواطنين من الدرجة الثالثة.

أمام هذا الواقع الإجتماعي الذي أفرز قلقاً دائماً من تجدد مثل هذه الفتنة المؤلمة بادر العديد من الأُسر المسيحية الدمشقية إلى الهجرة مؤقتاً إلى بيروت (في طريقها إلى أماكن أخرى أكثر أماناً) ولتحقيق ذلك نشأت في وسط هؤلاء المهاجرين جمعية خيرية تهتم بتأمين فرص عمل مؤقتة لهم في بيروت ومساعدتهم مادياً واهتمت بتزويج الفتيات اليتيمات منهن وكان اسم هذه الجمعية (أخوية العائلات الدمشقية الأرثوذكسية المستورة في بيروت) ورئسها لفترة طويلة وكيل مطران بيروت المثلث الرحمات غفرئيل شاتيلا الدمشقي، الخوري اسبر الباشا “الدمشقي”.

كما هاجر العديد من رجال الأعمال والحِرف والأدباء وأرباب النهضة العلمية من رواد عصر التنوير الشامي إلى مصر واحة الحرية في الإقتصاد والسياسة والفكر في ظل حكم أسرة محمد علي باشا حيث شكلوا ما يسمى بكنيسة الوطنيين الأرثوذكسيين في الاسكندرية والقاهرة وبقية المدن المصرية وتولّوا مناصب رفيعة في الصحافة والمجتمع والاقتصاد وهم الآن أصحاب مكانة حقيقية في جمهورية مصر العربية أمثال أسرة الأمير لطف الله. ولكن قارة أميركا كانت بنظر كل سكان بلاد الشام من المسيحيين هي أرض الحرية والرخاء مع أن الواقع الذي صادفه المهاجرون من الرعيليّن الأول والثاني كان مريراً من جوع وفقر وتشرّد وحتى القتل على أيدي قطّاع الطرق وبخاصة أثناء تنقّلهم بين القرى النائية في المجاهل الأميركية وهم يحملون على ظهورهم (كشّات) السِلع لبيعها للسكان المحليين.

إن ما نلحظه اليوم عند الرعية الإنطاكية في الأميركيتين من غنى ومكانة مالية مرموقة كانت بداياته وفق هذا الواقع المؤلم والمرير.

ومع ذلك فهؤلاء لم ينسوا عقيدة الآباء والأجداد الأرثوذكسية ولم ينسوا إنطاكية العظمى التي أفرزتهم حيث كان فرحهم لا يوصف بمجيء كاهن إنطاكي كان يحمل لهم الزاد الإلهي فيتركون العمل ويلتفون حوله كما سنرى.

الوجود الأرثوذكسي الإنطاكي في أميركا الجنوبية

تنقسم أميركا الجنوبية حالياً إلى أبرشيتي الأرجنتين والبرازيل ومعلوم أنهما من الأبرشيات الإنطاكية الكبيرة عددياً ومادياً. يضاف إليهما معتمديات بطريركية (سفارة بطريركية) في تشيلي والريودوجانيرو (البرازيل) والأورغواي والمكسيك برئاسة أسقف يمثل غبطة البطريرك الإنطاكي في معتمديته.

ومع بدايات الهجرة الإنطاكية في أواخر القرن الماضي، ومع ازديادها في بدايات القرن الحالي والوصول إلى الحد الأعظمي في منتصف الثلاثينات ظهرت الحاجة واضحة جداً لتأسيس هذه الأبرشيات على أساس جغرافي بحيث تشتمل على دول كالبرازيل والأرجنتين وتشرف على مناطق أخرى إذ كانت هذه القارة وخصوصاً في تجمعات المهاجرين واحدة حصراً ويرعاها راعٍ واحد. لذلك سنرى أسماء بعض المجاهدين الأُول من الأعلام الإكليريكيين الإنطاكيين يقومون برعاية البرازيل والأرجنتين وتشيلي وغيرها بآن معاً ويصعب في هذا الواقع تحديد أسقفية جغرافية خاصة بهم ومعلوم ما يعنيه ذلك من أتعاب جمّة وتبشير في مناطق مترامية الأطراف ومجهولة وليس فيها من طرق المواصلات ووسائل الإتصالات ما هو بالحد الأدنى. لذلك، فإن هذا العمل الرعائي الذي قام به أولئك الأعلام يقارب في مستواه التبشيري العمل الرسولي في القرن المسيحي الأول. وخاصة لأن الكثيرين منهم عاشوا وبشّروا وخدموا وقضوا آجالهم وكانوا ولا يزالون مغمورين لا بل أصبحوا في ذمة النسيان من الذاكرة الإنطاكية بالرغم من كل هذا الجهاد. لذلك فمن باب الإنصاف يحق لهم كما يتوجب علينا، رعاة ورعية، أن نفخر بهم قديسين إنطاكيين جدد قدّموا كل هذا الألق الأرثوذكسي الساطع هناك الآن.

ومع ازدياد عدد المغتربين الإنطاكيين في منتصف الثلاثينات كان لا بد من التقسيم الجغرافي كما هو حاصل الآن ولنبدأ بأبرشية الأرجنتين.

أبرشية الأرجنتين

إن أول راعٍ أرثوذكسي إنطاكي وطئت قدماه أرض أميركا الجنوبية وبدأ من الأرجنتين كان الخوري جرمانوس شحادة (مطران سلفكية وتوابعها لاحقاً) وكان ذلك في أواخر القرن ال19 ثم خلفه الخوري بولص الخوري فالمطران ايليا ذيب (مطران صور وصيدا) وهو من أصل فلسطيني ترك أبرشيته وكانت غايته جمع التبرعات من أميركا الجنوبية لكنه بقي في تشيلي ولم يعد , وشملَ برعايته كل المنطقة (كما سلف القول).

في عام 1913 كتب المغتربان السيدان فؤاد انطونيوس حداد وشاكر حبيب شقرا وأصلهما من حمص إلى مثلث الرحمات متروبوليت حمص القديس أثناسيوس عطاالله يرجوانه ويسترحمانه إرسال قُدس الارشمندريت ملاتيوس فركوح ليقوم بالخدمة الروحية في بوينس آيرس للمغتربين الإنطاكيين من حمص وسائر أرجاء الكرسي الإنطاكي وباللغة العربية. فأجابهم برسالة رقمها 495 تاريخ 11 حزيران 1913 مصدرها من (دوير حمص) معتذراً في الوقت الحاضر لسببين إثنين:

1ــ وجوب أخذ موافقة الرئيس الروحي للإرسالية الروسية الأرثوذكسية المتقدم في الكهنة الأب قسطنطين بصفته رئيساً للوجود الروحي الأرثوذكسي في أميركا. ولأن الكنيسة الروسية تمتعت بهذا الحق منذ عام 1792 بإعتراف البطاركة الأرثوذكس الأربعة.

2ــ ليس من يسد محل الارشمندريت فركوح في حمص حالياً وسيعمد إلى تهيئة بديلٍ يكون خليفةً له في حال تحقق موافقة الأب قسطنطين على أن يرسله إلى بوينس آيرس.

وقام السيدان المذكوران بأخذ موافقة المتقدم في الكهنة الأب قسطنطين لكن قيام الحرب الكونية الأولى 1914 ــ 1918 حال دون قدوم الارشمندريت فركوح. وجاء غيره من الآباء للخدمة في سائر أرجاء الأرجنتين.

وفي عام 1920 وصل مجاهد الكرسي الإنطاكي المقدس في العصر الحديث صاحب الخبرات الرعائية في الوطن وموسكو الإرشمندريت إغناطيوس أبو الروس الذي كان له كل الفضل في تأسيس هذه الأبرشية، وكان مزوّداً برسائل توصية من مثلث الرحمات قديس إنطاكية في القرن العشرين البطريرك غريغوريوس الرابع وكان يُحسن الروسية والإفرنسية أكثر من العربية بدلالة رداءة خطه وركاكة أسلوبه فيها. وكان قد شرّطن عام 1905 في موسكو أرشمندريتاً بحضور أعظم رجالات الدولة في روسيا وبعطف ظاهر من الامبراطور نقولا الثاني كونه كان رئيساً للأمطوش الإنطاكي في روسيا.

كان المرحوم أبو الروس طاهر القلب وديعاً مُحباً للجميع محبة مسيحية صرفة مع كرم أخلاق مثالي مجاهداً لم يحصر جهاده بالأرجنتين وبوينس آيرس بل عمّمه على الأورغواي والبارغواي وكان مساعداً أكبر للخوري قسطنطين الروسي.

بهمته وأفراد الجالية تم استئجار كنيسة في الحي السوري هي عبارة عن منزل واسع في شارع بارغواي في العاصمة بوينس آيرس رقمه 483 بقيمة 600ريالاً ذهبياً وأقام فيه أول قداس في 5 آب 1923 بمشاركة الأبوين قسطنطين الروسي والخوري موسى الحجار.

ثم شكّل لجنة لتقوم بإدارة الكنيسة وتنظيم شؤونها المالية في 19آب 1923 برئاسته وعضوية السيد فؤاد حداد (أميناً للسر) وجبرائيل مجدلاني (أميناً للصندوق) وغيرهما وكانت هذه اللجنة على إتصال دائم بالبطريرك غريغوريوس تطالبه بأسقفٍ يسوس الرعية ويضع الحجر الأساس لأبرشيةٍ إنطاكيةٍ مستقلة. لكن أجوبة غبطته كانت تطالب بالتريّث ليتحقق من تبعية أميركا هل هي للكرسي المسكوني أم للروسي؟

عاد أبو الروس إلى بيروت فأبرقَ غبطة البطريرك غريغوريوس إلى تلميذه النجيب المطران ميخائيل شحادة المقيم في البرازيل لزيارة بوينس آيرس وسائر الأرجنتين ووضع دراسة مفصّلة عن إحتياجات الرعية الإنطاكية فيها فقام سيادته مجاهداً بتنظيم وتبويب القوانين الكنسية. وبجمع المال وشراء أول قطعة أرض لبناء أول كنيسة إنطاكية أرثوذكسية هناك. ثم خلفه بعد رقاده بالرب عام 1933 مثلث الرحمات المطران ميخائيل خلوف فالعلاّمة القانوني الارشمندريت حنانيا كساب.

ويجدر بنا، ومن باب الإنصاف، ذكر الأب باسيليوس خرباوي وجهوده في هذه الأبرشية.

ولمعرفة احتياجات هذه الأبرشيات بعد تنامي الأصوات الأرثوذكسية فيها أوفَدَ مثلث الرحمات البطريرك ألكسندروس الثالث وفداً بطريركياً برئاسة متروبوليت حماة المطران إغناطيوس حريكة في عام 1946 لاستطلاع احتياجات الأبرشية. وفي عام 1949 أوفد المجمع الإنطاكي المقدس الأسقف سرجيوس سمنة إلى الأرجنتين ثم المتروبوليت نيفن سابا راعي زحلة في عام 1950.

ولعل أطول فترة كانت تلك التي قضاها مثلث الرحمات متروبوليت عكار ابيفانيوس زائد في كل أميركا اللاتينية حيث دامت عامين ونصف العام بدءاً من سنة 1954.

وفي جلسة المجمع الإنطاكي المقدس التي عُقدت في دار البطريركية بدمشق في تشرين الثاني 1955 انتخب أسقف ايديسا ملاتيوس الصويتي الوكيل البطريركي بدمشق متروبوليتاً على الأرجنتين وأحدثت بالتالي أبرشية الأرجنتين وتوابعها تبعاً لذلك.

وكان ذلك اعترافاً بقدراته الرفيعة في العلم والأدب والروح واللاهوت وبنجاحه في الوكالة البطريركية بدمشق، هذا النجاح الذي جعل رعيّة الأرجنتين تصرّ على المطالبة به. وكان قبل انتخابه أسقفاً على ايديسا في 21 تشرين أول 1951 قد خدم كنيسة السوريين الأرثوذكس في الإسكندرية منذ الثلاثينات بنجاح واقتدار.

ذهب المتروبوليت صويتي إلى الأرجنتين لإستلام مهامها وكان من أوائل أعماله هناك القيام بإصلاحات داخلية من تأليف لجان لبناء الكنائس وتأسيس جمعيات جديدة وتشجيع للجمعيات المؤسسة سابقاً لأعمال الخير وقيامه بزيارة رعاياه في جميع المدن والقرى الداخلية التي كانت محرومة من العناية ليحثّها على العمل البنّاء في خدمة الكنيسة.

كما أقام مؤتمرات مع المجالس الملّية في الأبرشية وأنشأ علاقات مع الدبلوماسيين الأرجنتينيين والعرب ومع إكليروس الكنيسة الكاثوليكية.

ومع وصوله تأسس في 28 حزيران 1956 اتحاد الشبيبة الأرثوذكسية في بوينس آيرس وكوردوبا “U.J.O” ومع وجود مجموعات أرثوذكسية قوية في مدن داخلية أخرى كروساربو وتوكومان تأسست فروع لاتحاد الشبيبة الأرثوذكسية بالإضافة إلى فرقٍ للتعليم الديني للأطفال والكشّافة كانت تابعة لإتحاد الشبيبة الأرثوذكسية.

ومنذ عام 1908 كانت الجمعيات والأخويات والمؤسسات الأرثوذكسية تتشكل كالجمعية الخيرية في بوينس آيرس وجمعية النجدة واستمر تأسيسها حتى عام 1978 مثل جمعيتي الآباء والأمهات، ولا يزال مستمراً. وكان دور هذا الراعي الحكيم توجيه هذه المؤسسات لاحتضان القطيع، فاستطاع أن يجمع أبناء الرعية بمحبة كما فعل بدمشق أثناء وكالته البطريركية إذ كان يزورهم ويعلمهم ويحثهم على الإيمان والارتباط بالوطن الأم ويقيم الكهنة ويسعى إلى تأهيلهم ما أمكن.

لا مجال للشك في أن الأرثوذكس في الأرجنتين توصّلوا لأن يكونوا ذوي قدرة إقتصادية ومستوى رفيع في المجتمع.

إن من السلبيات التي صادفها المطران ملاتيوس أنّ المهاجرين كانوا لا يعرفون الأرثوذكسية إلا بالممارسة التي تقلّصت في أيام العمل الطويلة التي عاشوها في الأرجنتين وخصوصاً لأن الإكليروس كان غير كافٍ في بعض الأحيان، وفي أفضل الأحوال كان هناك كاهن واحد لكل مدينة وكان يشكو من نقص في التأهيل المسيحي الأرثوذكسي.

المشكلة التي طُرحت بقوة في وقته ولا تزال قائمة أن أبناء المهاجرين الذين كانوا يجهلون الأرثوذكسية كلياً لم تكن تكفيهم المشاركة في ساعة القداس الإلهي الأسبوعية وحدها لإشباع حاجاتهم الروحية.

وإذا قرأنا معاهدة التعاون التي وقعّها المتروبوليت صويتي مع المتروبوليت فرزلي مطران البرازيل سنة 1959 لأدركنا مدى تحسس هذا الراعي الصالح للهموم سالفة الذكر وانه كان ومنذ البدء واعياً لها. وقد تضمنت هذه المعاهدة عدة مشاريع مرتبطة بالتربية المسيحية الأرثوذكسية (معهد اللاهوت ــ مجلة للأبرشية ــ برنامج تعليم ديني ومدرسة في كل رعية) إلا أن هذه المشاريع مُنيت بالفشل لأن الإنطاكيين وإن كانوا قد بنوا أبنية كثيرة فإنهم لم يتلقوا تبشيراً أو تربية حقيقية.

عاد المطران ملاتيوس إلى دمشق في تشرين الأول 1981 لأسباب صحية أقعدتّه عن مزاولة عمله الرعائي وتوفي في 23/9/1983 وقد ملأ مركزه الشاغر في بوينس آيرس عام 1982 سيادة المعتمَد البطريركي كيرللس ضوماط وقد خلفه بعد رقاده بالرب 2006 المطران سلوان وهواليوم يجاهد بعمل بشاري جبار ليصل الى كل الأنطاكيين المغتربين في أرجاء الأرجنتين كافة .

أبرشية البرازيل

كان فضل تأسيس هذه الأبرشية الواسعة للعلاّمة الارشمندريت سلبسترس الصغير حيث كان قد افتتح في سان باولو في عام 1904 أول كنيسة إنطاكية أرثوذكسية في البرازيل.

وكانت قد تأسست مع بدايات هذا القرن جمعية أخذت على عاتقها بناء الكنيسة “الملمع إليها آنفاً” وهي (جمعية القديس نيقولاوس) وقامت ببنائها فعلاً. وكان أول رُعاتها الخوري المرحوم موسى حيدر ثم الإرشمندريت جرمانوس شحادة (السالف ذكره) حيث حل محله المتقدم في الكهنة الإيكونوموس نقولا الصفدي وكيل أبرشية زحلة عندما انتخب المجمع الإنطاكي المقدس شحادة مطراناً على زحلة، تلاه الارشمندريت باسيليوس شاهين وفي عام 1922 ندب مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس تلميذه النجيب الارشمندريت ميخائيل شحادة لرعاية هذه الأبرشية الغنية فساسها بحكمة وسداد وأسَّس الجمعيات والكنائس إلى أن اختاره الرب إلى جواره بعد عملٍ مضنٍ في سنة 1933. فبكى الجميع مناقبه وسجاياه الرفيعة وبقيت هذه الأبرشية برعاية المعتمد البطريركي الارشمندريت المعمار ايصائيا عبود رئيس دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي سابقا” الذي تابع خُطى سلفه. ولعل أقدر من حمل مسؤولية هذه الأبرشية كان مطرانها السابق مثلث الرحمات المتروبوليت إغناطيوس فرزلي الذي ومنذ وطئت قدماه أرض هذه الأبرشية شمّرَ عن ساعد الجد والإجتهاد في جمع شمل أبناء الرعية وساس هذه الأبرشية ولفترة طويلة بكل اقتدار وكان قد عرض برسالته إلى المجمع المقدس عام 1962 مع مثلث الرحمات المتروبوليت ملاتيوس صويتي والمتروبوليت فيليبس صليبا راعي أبرشية أميركا الشمالية أوضاع المهجر في الأميركيتين والإقتراحات واجبة التنفيذ بشأن التواجد الانطاكي الأرثوذكسي هناك.

وتلبية لطلبه وبترشيح من مولانا كلي القداسة البطريرك إغناطيوس الرابع قرر المجمع الإنطاكي المقدس رسامة أحد تلاميذ غبطته الارشمندريت النشيط دامسكينوس منصور أسقفاً شرفاً على أيديسا حيث تم ذلك في عام 1992 في الكاتدرائية المريمية وعيّن أسقفاً مساعداً للمتروبوليت فرزلي فاهتم أولاً بالشبيبة وجوقات الترتيل ويعتبر الترتيل أول طرق جذب الشباب للكنيسة وبعد انتقال المتروبوليت فرزلي الى الأخدار السماوية انتخب المجمع الأنطاكي المقدس الأسقف منصور متروبوليتا”على البرازيل 1995 وتشهد له انجازاته الكنسية من رعاية شملت المغتربين في أصغر مجاهل البرازيل,الى بناء وتدشين الكنائس والمؤسسات الأرثوذكسية ,وتكريم كل من عمل بالسعي لمنحه وسام الكرسي الأنطاكي المقدس من غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع , وشمل هذا التكريم الساسة في السياسة والاقتصاد من المغتربين فجمع الشمل ووحد الطاقات لمصلحة انطاكية الأرثوذكسية.

وهو لم يدخرجهدا”على صعيد جمع الشمل الاغترابي وطنيا” لكل المغتربين ومن كل الأديان والطوائف ,اضافة الى الدور القومي العربي في المغترب والدفاع عن المصالح القومية وقضية فلسطين ….

وتشهد الآن سائر أبرشيات ومعتمديات أميركا الجنوبية نهضة أرثوذكسية عظمى سيما وقد بدأت بوادرها بعد زيارة مثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع ورافقه في هذه الزيارة الارشمندريت رومانوس جوهر الذي أعدّ تقريره الشامل وفيه اقتراحات هامة من أجل رفعة الكرسي الانطاكي المغترب.

وتصاعدت وتيرة النهضة بشكلٍ ملحوظ بالتنسيق الشامل ما بين المطارنة والأساقفة هناك وفق توجيهات غبطة مولانا خاصة بعد زيارته الميدانية للأميركيتين وإطلاقه صرخة إغناطيوس المعروفة أو( عنصرة الإغتراب الإنطاكي ).

ومن باب الملاحظة فإن عدد الإنطاكيين بعد أكثر من ستة أجيال يبلغ على سبيل المثال خمسة ملايين أرثوذكسي تقريباً في البرازيل وحدها وجميعهم من ذوي المناصب الرفيعة في السياسة والإقتصاد ومنهم من رُشّح لمنصب رئيس البلاد.

وجميعهم يتطلعون بشغف إلى دمشق عاصمة العروبة وعاصمة الكرسي الإنطاكي المقدس ومن الأخبار المفرحة أرثوذكسياً ان سيادة المطران دامسكينوس منصور كان قد قام حين أسقفيته بتدشين الخطوة الأولى من مشروع بناء الكاتدرائية الأرثوذكسية في برازيليا العاصمة الثانية وقد تم انجازها وتدشينها وهذه الكاتدرائية تُعد من أكبر الصروح الدينية الأرثوذكسية في البرازيل.

معتمدية ريودوجانيرو

كان يرعاها المعتمد البطريركي المرحوم الأسقف جورج الحاج بتنسيق مع المتروبوليت فرزلي والأسقف دامسكينوس وفق توجيهات غبطته.وبعد وفاته أقام غبطة البطريرك أغناطيوس الأسقف ديمتري حصني معتمدا”وقد عاد الى دمشق لأسباب صحية .

أبرشية تشيلي

وكما سبق التحدّث عنه في عموميات العمل الإنطاكي في أميركا الجنوبية كان لمطران صور وصيدا مثلث الرحمات المطران إيليا ذيب دورٌ رئيس في هذه المنطقة (تشيلي) ودائماً كانت توضع برعاية مطران الأرجنتين حيث بقيت رعايتها تحت تصرّف المتروبوليت ملاتيوس صويتي بين السنوات 1964ــ 1971.

ثم انتخب المجمع المقدس الأسقف أثناسيوس سكاف أسقفاً شرفاً على ايديسا ومساعداً للمتروبوليت صويتي لشؤون تشيلي بين السنوات 1966ــ 1969.

يرعاها الآن سيادة المتروبوليت سرجيوس عبد بعد أن سبق لمثلث الرحمات الأسقف غفرائيل فضول أن رعاها لفترة قصيرة نسبياً وبدأ بإرسال الشمامسة إلى معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند حيث تخرّجوا مؤخراً والتحقوا بالأبرشية .

أبرشية المكسيك

كانت هذه الأبرشية مرتبطة بأبرشية أميركا الشمالية كما سنرى في معرض حديثنا عن تأسيس ابرشية بروكلن وسائر أميركا الشمالية ومؤسسها مثلث الرحمات المطران روفائيل هواويني (في بحثنا هذا).

يرعى هذه الأبرشية الآن سيادة المتروبوليت أنطونيوس الشدراوي منذ 28 ك2 1966 وتشتمل ولايتها على المكسيك وفنزويلا وهندوراس وكولومبيا وكوبا والسلفادور وترينيدات وسانتو دومينكو, و قد ساعده في عمله قدس الارشمندريت ديمتري الحصني. قبل نقله معتمدا”لمعتمدية ريو دو جانيرو .

 

أضف تعليقاً