المطران بولس أبو عضل الدمشقي متروبوليت جبيل والبترون وتوابعهما (جبل لبنان)

علم أرثوذكسي أنطاكي متميّز خدم الكنيسة والوطن مدة أربعين سنة دون كلل، وبغيرة وحمية لم تفتر.

هو عزيز بن حبيب أبو عضل وأفدوكيا الشاغوري.

وُلد في دمشق في 23 تشرين أول عام 1865، ومنذ طفولته ظهرت عليه سمات الذكاء والاجتهاد والتقوى فعني والداه جداً به، وأدخلاه المدرسة الآسية (البطريركية) التي عادت لتأخذ دورها الريادي في حقل التعليم بدمشق بعد انتكاستها باستشهاد منظمها ومدبرها الخوري يوسف مهنا الحدادعام1860(1) فنهل منها أصول اللغة العربية والرياضيات واللاهوت والموسيقى الكنسية والمنطق بالإضافة إلى مبادئ اللغتين اليونانية والتركية، وحاز جائزة الإمتياز التي كانت تمنحها للمتفوقين من طلابها. ومن أساتذته وقتئذ: الشماس أثناسيوس عطاالله (مطران حمص لاحقاً) معلم اليونانية والموسيقى الكنسية والمعلمظاهر خير الله معلم العربية وجبران لويس معلم التركية.

وقد لفت تفوقه أنظار الصرح البطريركي فأرسله المطران كيرلس (الاسكيثوبولي) أمين سر البطريرك الانطاكي إيروثيوس إلى القسطنطينية إلى مدرسة «الجنس» (2) في الفنار فانتظم في سلك طلبتها سنة واحدة وتفوق عليهم جميعاً رغم أن الدراسة كانت باليونانية.

وفي السنة التالية تتلمذ في كلية خالكي اللاهوتية التابعة للبطريركية المسكونية، واستمر لمدة سبع سنوات متتالية (مدة الدراسة فيها) بنجاح مطلق وتخرج في اللغات اليونانية والفرنسية واللاتينية والتركية، وفي الرياضيات والطبيعيات والتاريخ الكنسي والتاريخ العام والفلسفة والمنطق بالإضافة إلى العلوم اللاهوتية التي اشتهرت بها الكلية الجامعة. فكتب اسمه في لوحة الشرف ونال شهادتها النهائية في 2 تموز 1889 وحضر امتحاناته ثم حفل تخرجه البطريرك المسكوني(3) الذي سلمه شهادته بيده وأثنى على تفوقه حيث حاز شهادة معلم في اللاهوت أو «الحذاقة في اللاهوت».

في شموسيته

مالت نفسه منذ طفولته إلى حياة الرهبنة وقوي هذا الميل من خلال دراسته في خالكي، فكتب إلى أبيه في دمشق راجياً منه الموافقة على اعتناقه الكهنوت الشريف حيث قال: «عندك سبعة أولاد، وجميل منك أن تقدم أحدهم إلى خدمة الله» فكان جواب الأب: «لتكن مشيئة الرب».

هكذا رُسم بإذن من البطريركية القسطنطينية شماساً انجيلياً
في كنيسة خالكي في اليوم السادس من شباط 1879 واتخذ بولس الرسول شفيعاً له.

عاد إلى دمشق وانتظم في حاشية البطريرك الانطاكي جراسيموس(4) الذي عهد إليه برئاسة القسم اليوناني من الديوان البطريركي(5)، وكانت هذه المهمة صعبة تحتاج إلى جهد مضاعف أخذ عليه كل أوقاته، رغماً عن أن البطريرك جراسيموس كان قد عين معه الأرشيدياكون ثيوفانوس(6) ليتناوبا أعمال الإنشاء والتنقيح فاكتفى الأخير بتنقيح ما كان ينشئه الأول.

تولى البطريرك اسبيريدون البطريركية الانطاكيةعام 1892 بعد انتقال جراسيموس إلى كرسي بيت المقدس. ومنذ بداية عهد هذا البطريرك بدأت القلاقل وكانت فترة عصيبة على الملة حيث أن الرعية الانطاكية وفي كل الأبرشيات وبالأخص في دمشق كانت توّاقة إلى وصول عربي إلى سدة البطريركية، ولم يكن البطريرك المذكور كفؤاً لهذا المنصب لا بل استعدى رموز التعريب في الكرسي من أمثال المطران ملاتيوس الدوماني مطران اللاذقية والمطران غفرائيل شاتيلا مطران بيروت وغيرهما… وكانت أعمال البطريركية كثيرة ومتشعبة فكان علمنا الفكر المحيط بمصالح الرعية والقلب العطوف عليها والعين الساهرة على تأمين احتياجاتها واليد البيضاء الحانية عليها العاملة لخيرها.

في تلك الفترة، شغل الشماس مهاماً عديدة منها: إدارة مدرسة الآسية البطريركية لمدة عامين
(1893ـ1894) فقام بخدمتها خير قيام وشهدت في عهده نجاحاً متميزاً، ورئاسة جمعية القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية(7) في عام 1893، والوعظ في الكاتدرائية المريمية حتى لقّب بالواعظ.

كما تولّى رئاسة المجلس الملي البطريركي (القومسيون الزمني) وعضوية المحكمة الروحية البطريركية فأغناها بعلمه وفتاويه وبتضلعه في المعارف القانونية والروحية. لذا كافأه البطريرك اسبيريدون برسامته في الكاتدرائية المريمية كاهناً وأرشمندريتاً(8) يوم عيدها، عيد انتقال السيدة العذراء في 15 آب 1894.

وفي عام 1898 استقال البطريرك اسبيريدون من بطريركية أنطاكية وانتخب المجمع الانطاكي المقدس خلفاً له مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني. كان علمنا يومذاك يشغل وظيفة أمين سر المجمع فوقف في الكاتدرائية المريمية بدمشق يوم الأحد 31 تشرين الأول 1899 وأعلن:

«إن المجمع الانطاكي المقدس بإلهام من الله انتخب غبطة السيد ملاتيوس الجزيل الطوبى بطريركاً لانطاكية وسائر المشرق»

وفي 5 حزيران 1906 تلا ذات الكلمات في حفلة تنصيب البطريرك غريغوريوس حداد.

في شموسيته وارشمندريتيته خدم الملة كما خدم ثلاثة بطاركة بما يرضي الله والناس، وصحب البطريرك ملاتيوس في رحلته البطريركية عام (9)1900 إلى الأبرشيات.

في أسقفيته

بعد انتقال مطران بيروت ولبنان غفرائيل شاتيلا (الدمشقي) إلى الأخدار السماوية سنة 1901 ونتيجة للطلبات التي رفعتها رعايا جبل لبنان إلى البطريرك ملاتيوس والمجمع الانطاكي المقدس بإحداث أبرشية خاصة بالجبل تحسّن رعاية هذه الأبرشية الواسعة بحيث لا يكون أبناؤها عرضةً للتأثر بالتبشير الكاثوليكي والبروتستانتي المتزايد في المنطقة، قرر المجمع الانطاكي المقدس فصل أبرشية بيروت ولبنان إلى أبرشيتين:

1ـ أبرشية بيروت وتوابعها التي تشتمل على بلدة سوق الغرب الجبلية لتكون مقراً صيفياً لمطرانية بيروت وانتخب لها الأرشمندريت جراسيموس مسرة اللاذقي مطراناً.

2ـ أبرشية جبل لبنان «جبيل والبترون وتوابعهما) ومقرها بلدة الحدث. وانتخب المجمع الأرشمندريت بولس أبو عضل مطراناً على أبرشية جبيل والبترون في 31 كانون الثاني 1902، وتمت رسامته في الكاتدرائية المريمية بدمشق في 3 شباط 1902 أي بعد ثلاثة أيام. وصدر عن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في آذار سنة 1903 فرمان بالموافقة على فصل الأبرشية إلى اثنتين والاعتراف بشرعية المطران بولس. فاستقبل أبناء رعايا أبرشيته البشرى بالحبور وأخذوا يتهيأون لاستقبال مطرانهم الأول مؤسس أبرشيتهم، وعلم بما كانوا يستعدون له فألحّ عليهم بوجوب اجتناب مظاهر البهجة في استقباله والاقتصار على الاحتفال الديني فاعتذروا واحتفوا به بكل احترام.

التحق علمنا بمركز أبرشيته يوم الأربعاء في 2 نيسان 1903، ولاقاه أبناؤها على طول الطريق المؤديّة إلى بلدة الحدث حيث جرى له احتفال عظيم لا يزال الناس يذكرونه بدون انقطاع.

زار رعايا أبرشيته واستغرقت هذه الزيارات شهوراً عديدة أسس خلالها بعض الكنائس وعدة مدارس وفتح باب الاكتتاب لتأسيس اثنتي عشرة مدرسة وثلاث كنائس وأحصى رعيته إحصاءً دقيقاً، فكان الحاضرون منها في لبنان 23452 والغائبون عنها 2951 جملتهم 26403، ثلثهم في بلاد المتن، ربعهم في بلاد الشوف والبقية في قرنة جبيل من كسروان.

في أعماله

أخذ يجاهد في سبيل الأبرشية، فكان أول ما وجه أنظاره إليه تشييد مركز المطرانية. فاشترى الأرض وشيّد البناء. واحتفى بوضع الحجر الأساس في 10 تموز و23 تموز 1903، ثم لاحظ حاجة الكهنة إلى ملابس كنسية فوزّع عليهم نحو سبعين بدلة. وكان لا يتأخر عن المساهمة مالياً ومن جيبه الخاص(10) في تأسيس الكنائس والمدارس وفي منح معونات للكهنة بعد رسامتهم وفي مساعدة الجمعيات الخيرية. اتجهت نيته إلى إشراك الجماعة في تسيير شؤون الأبرشية فدعا إلى تأليف مجلس ملي فيها ولم تتحقق نيته إلا سنة 1914.

رسم نحو عشرة أرشمندريتيه منهم نيقولاوس فرح وغريغوريوس الكفوري وباسيليوس عم ورومانوس ديرعطاني، كما رسم أكثر من أربعين كاهناً منهم الياس عبد الكريم (والد مثلث الرحمات مطران حمص ألكسي عبد الكريم) كاهناً لفرن الشباك مع عدّة شمامسة وبعض الرهبان.

اشترى أرضاً واسعة في الحدث وشيّد فيها دار المطرانية فكانت صرحاً كبيراً. أنشأ ثلاث مدارس داخلية في أدياره: ماريوحنا دوما عام 1911. سيدة النورية عام 1921، القديس جاورجيوس الحرف عام 1922.

بني في زمانه وبسعيه وتنشيطه ومساعدته حوالي 30 كنيسة و30 مدرسة فضلاً عن البيوت والمخازن لأوقاف الكنائس عدا أعمال الترميم والتصليح في كثير منها.

وتألّفت في عهده لجان عديدة لتشييد وإدارة هذه المدارس والأوقاف وحوالي 20 جمعية أدبية وخيرية منها جمعية سيدات دوما والبترون وفرن الشباك وبحمدون.

جدد كنيسة السيدة في دير النورية، ونقل دير سيدة حماطورا إلى موقع أعلى عندما هدمه زلزال سنة 1918.

أتى الأبرشية وكان فيها 26 كاهناً فأصبحوا 60 كاهناً، وارتفع عدد المدارس الأرثوذكسية من 20 مدرسة إلى 40 وأصبح عدد معلّميها ومعلماتها نحو 70، وتلميذاتها وتلاميذها 2000.

اشترك مع نجيب خلف بترجمة جديدة للانجيل المقدس وللرسائل عن اليونانية.

في وفاته

وفيما هو يجاهد في سبيل خير أبرشيته، انحرفت صحته واشتدّ مرضه وعانى آلاماً شديدة، فخلد إلى السكينة والراحة برهة من الزمن. وعندما شعر بتحسن حالته الصحية ذهب إلى دمشق لحضور دورة المجمع الملتئم فيها لانتخاب خليفة للبطريرك المتنيّح غريغوريوس حداد، وهناك انتقل فجأة إلى الحضرة الإلهية صبيحة الثلاثاء 19 تشرين الثاني 1929، فجيء بجثمانه إلى الحدث ودفن في كنيستها في 20 منه. وفي كل من دمشق ولبنان جرى له مأتم لائق مهيب شاركت فيه قلوب الجموع الغفيرة من أبناء رعيته ومريديه وعارفي فضله وبعد صلاة الجناز أبّنه الأستاذ فؤاد الخوري باسم المجلس الملي تأبيناً بليغاً (… مع غيره…) وشاركت مختلف فعاليات الدولة والجمعيات والكنائس الشقيقة في وداعه المهيب في دمشق وفي لبنان.

في صفاته

اتصف برحابة الصدر وبجمال المحيا ومهابته. وكان أنيس المحضر، كريم الملقى، كثير الملاطفة لكل مَن يزوره.

_____________________________________________________________________

1ـ انظر سيرته في عدد سابق من النشرة. وقد طوّبه المجمع الانطاكي المقدس بدوره الموسّع الذي عُقد في البلمند عام 1993 قديساً إنطاكياً باسم القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي. وقد تقرر التعييد له ولرفقته شهداء 1860 في 10 تموز من كل عام وهو يوم استشهادهم.
2 ـ سُميّت بهذا الاسم لأنها كانت تقبل الطلاب من جميع الأجناس.
3 ـ كان يشرف شخصياً على هذه الكلية ويحضر امتحاناتها ويرأس حفل تخرّج طلابها ويوزّع عليهم الشهادات.
4 ـ (1885 ـ 1892) وهو بالأصل من رهبنة القبر المقدس اليونانية الأورشليمية ثم انتخبه الأورشليمي بطريركاً على أورشليم فاستقال من أنطاكية وكان ذلك عام 1892.
5 ـ كان يوجد أيضاً قسم عربي تولاه وقتئذ المعلم ظاهر خير الله.
6 ـ مطران الناصرة لاحقاً وهو من رهبنة القبر المقدس اليونانية أيضاً.
7 ـ عنيت هذه الجمعية التي تأسست عام 1888 بالشأن العلمي لأبناء الرعية وقد اقتنت مكتبة متميزة وقتئذٍ وجعلت مقرها مدرسة الآسية. وهي أساس جمعية مدرسة القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية الحالية.
8 ـ كالعادة في الكنائس الأرثوذكسية حيث تتم رسامة غير المتزوّج كاهناً وأرشمندريتاً بوقت واحد.
9 ـ أنظر زيارته إلى أنطاكية في كتابنا «زيارة غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع إلى أنطاكية والاسكندرونة»
10 ـ جرجي باز مع الإشارة إلى أن والده كان غنياً.

مصادر البحث:

ـ الوثائق البطريركية (مجموعة دمشق، مجموعة أبرشية بيروت، مجموعة أبرشية جبل لبنان)، سيرته بقلم جرجي باز.

ـ الأرج الزاكي في تهاني البطريرك الانطاكي ملاتيوس (أمين ظاهر الله) عام 1899.

أضف تعليقاً