المحسن الكبير المرحوم بندليمون كوتسوذنديس

يرتبط هذا المحسن الكبير بذاكرتي الطفولية منذ كنت تلميذا ً صغيرا ً في ” مدرسة القديس يوحنا الدمشقي الابتدائية الأرثوذكسية ” , إذ كان يستهويني ” فرن الرومي” لمالكه علمنا ” بندلي اليوناني”(1) .

كان ملحقا ً بهذا الموقع على الزاوية اليسرى من حارة الصليب الأولى (الحالية) (2) فناء ٌ كبير يوضع فيه حطب الوقود وكان من المشمش ويستجر من الغوطة.

كانت رائحة الخبز الشهية صباح كل يوم تسيل لعابنا نحن تلاميذ المدرسة فيدلف بعضنا إلى الفرن (تبعا ً لما كان يحمله من خرجية بسيطة ) لشراء أما قربانة صغيرة أو سندويشة إفرنجية ساخنة . وكان بندلي يقابلنا بابتسامته اللطيفة الناعمة مرحبا ً بنا بعربية ركيكة ويسألنا عن دروسنا.

بندلايمون كوتسوذونتوس
بندلايمون كوتسوذونتوس


كانت متعتنا أن نتفرج على صناعة الخبز الإفرنجي والقربان يقوم بها بندلي بيديه بمساعدة ربيبه (المرحوم ستيفانوس) وبعض الشغيلة ,وكانوا جميعا ً يضعون مآزر بصدرية. وهي على الدوام نظيفة . كانت متعتي شخصيا ً أن كلفتني جدتي لأبي لأخذ صينية الكبة إلى فرن الرومي لخبزها كعادة أهل القصاع(3) (عندما كان حيا ً سكنيا ً ولأهله فقط !!) وكنت أتمنى أن تطول مدة انتظاري لأتفرج على العمل ولأني كنت أحب بندلي وأشعر أنه كان يحبني.

وأحيانا ً عند خروجي من المدرسة في الرابعة بعد الظهر ( كان الدوام المدرسي صباحا ًوبعد الظهر). أجده جالسا ً مع سيدة عجوز وقور / كنت أظنها شقيقته / فيرحبان بي ويسألاني عن دراستي وأهلي لأنه كان صديقاً لأهلي .

وأذكر أن والدتي قامت بتزيين صينية من القمح المسلوق لتقديمها إلى كنيسة الصليب يوم عيد سمعان الشيخ شفيع شقيقي بالمعمودية (الشهيد مروان عام 1982 ) كما طلب منها المرحوم الخوري أيوب سميا
فحملته وجئنا به إلى الكنيسة وكان صباح يوم أحد كعادتنا في الصلاة فاستوقفنا و أخذه من يدي ورش عليه السكر الناعم بشكل كامل ورده إلينا بقوله : “هذه عادتنا نحن في اليونان BON FETE “.

مع القنصل اليوناني الاول بدمشق يوم تكريمه بالوسام اليوناني في الفرن وخلفه ربيبه السيد استفانوس
مع القنصل اليوناني الاول بدمشق يوم تكريمه بالوسام اليوناني ( على صدره) في الفرن وخلفه ربيبه السيد استفانوس

كَبِرتُ وكَبُرتْ محبة هذا البار عندي وبقيت أتردد عليه في فرنه الجديد بعدما انتقل إلى البناية المقابلة لحارة الصليب وخص الطبقة الأرضية منها فرناً لصنع القربان والكاتو فقط دون الخبز بعدما كبر في السن و تقلص عدد شغيلته.

وذات مرة عند الظهيرة وجدت عنده كاهناً وقوراً ضخم البنية عرفت لاحقاً ومن سياق الحديث أنه الخوري عطية نهري كاهن مرمريتا و كان يقصده بطلب التبرع منه لبناء كنيسة القديس بندليمون في مرمريتا واذكر قول علمنا له بالحرف : ” أنا لست غنياً و ليس عندي مالاً مخزناً , أنا أعمل بيدي الاثنتين ولم يعد عندي إلا شغيل واحد فقط هو يوسف مع ستيفان وأنا لا أدخر المال ولكن أنت عليك أن تزورني في كل مرة تأتي فيها إلى الشام لأعطيك ما جنته يداي من المال, وأطلب من الله أن يعطيني طول العمر والقوة لأبني هذه الكنيسة قبل أن أموت” . فأخذ منه الخوري عطية وقتها ما كان في الجارور وانصرف و هو يدعو له بطول العمر.

أتم هذا البار بناء الكنيسة ونُقِشَ اسمُه باليونانية فوق بابها الرئيس على لافته حجرية ضيقة ولست أعلم إن كان هذا برغبة منه أو بتدبير من الأب عطية (4) الذي أراد تكريمه يوم التدشين فطلب منا نحن قيادة الفوج الكشفي الأرثوذكسي المشاركة بموسيقانا في التدشين و شارك الدمشقيون وقتئذ بعدة باصات وأولم الخوري عطية في بيته لعلمنا و لجميع المشاركين وبالفعل كان يومها عرساً حقيقياً لم يشهده وادي النصارى لحدث مماثل.

عندما استشهد شقيقي الأصغر مروان رحمه الله في تموز 1981 أثناء قيامه بواجبه الوطني وحلت ذكرى الأربعين رجوته صنع القربان اللازم, وكان العدد كبيراً, اعتذر في البداية لأنه كان قد توقف -قبلاً و بشكل نهائي- عن صنع القربان لكنه أمام حبه لي وللعائلة وأسفه على المرحوم وتقديره لاستشهاده ما لبث أن تراجع عن اعتذاره ودعا أحد عماله القدامى-يوسف- و صنع لنا بيديه القربان المطلوب قرابة 600 قربانة وعلى مدى أسبوع تقريباً.

أوردت بعضاً مما أتذكره عن هذا البار ولعل البعض لا يجد في ما أوردت ممن لم يعرف المرحوم بندلي ماهو جدير بإظهاره ولكن وبدون أدنى ريب فإن جميع المسيحيين في القصاع وسواها بدمشق يتذكرونه جيداً والكثير منهم كانوا أصدقاء له. وأنا لأجل محبتي الفياضة له على ما قدم لكنيستنا الانطاكية في كل مكان من سورية حاولت جاهداً أن أوثق إحساناته في ذاكرتنا الأرثوذكسية قبل أن ينساه الجميع.

وقفت عاجزاً فليس من أحد يعرف شيئاً عن نشأته وسيرته, الكل يعرف إحساناته ولكن ليس من معلومات شخصية عنه, وحتى ربيبه المرحوم ستيفانوس الذي أرشدني إلى رفيق درب المرحوم الدكتور انجلوس كوسه أوغلو (5) وراجعته لكنه لم يتذكر عنه ما يروي ظمأي من سيرة ذاتية.

وأخيراً قدم لي السيد بول ستيفانو (6) مشكوراً دراسة جهد فيها في جمع سيرة المرحوم وقد اعتمدت بشكل رئيس عليها و أضفت إليها بعضاً مما وجدت في الوثائق البطريركية وما قدمه لي السيد إلياس حوراني مدير المسنين في جمعية القديس غريغوريوس من وثائق تتعلق بتركته إضافة إلى صورة شخصية للمرحوم استلها من صورة جماعية كانت من موجودات نزيل دار المسنين في الجمعية صديقه المرحوم فيدون سارادنسكي والحق يقال أنه لعل جمعية القديس غريغوريوس تفردت في تكريم المرحوم كما سيرد باطناً.

بندلايمون مع الوكيل البطريركي بدمشق المطران الياس كفوري في الفرن عند تليده الوسام اليوناني ( على صدره) وخلف القنصل اليوناني ويبدو المرحوم الاب د. بطرس بطرس
بندلايمون مع الوكيل البطريركي بدمشق المطران الياس كفوري في الفرن عند تليده الوسام اليوناني ( على صدره) وخلف القنصل اليوناني ويبدو المرحوم الاب د. بطرس بطرس

فبدوري أسدي إلى كل من ساعدني شكراً وعلى وجه الخصوص السيد بول ستيفانو مستعيراً جملة حرفية أوردها في هذه السيرة : ” أحب بندليس كوتسودونديس دمشق بقوة ومن كل قلبه وأحب شعبها وكان حبه لدمشق كحبه لوطنه. ولهذا السبب اختار أن يعيش فيها لآخر حياته “.

وأود أن أضيف أن أفعال الرحمة التي أتاها المرحوم بندلي تعدت دمشق لتشمل سورية التي أحبها, وأقول أن ولاية أضنة وعاصمتها مرسين هي منطقة كيليكية السورية وتقع في حدود الدولة السورية التي رسم حدودها المغفور له الشريف حسين أمير مكة المكرمة مع الحلفاء الذين نكثوا بوعودهم و قدموها وفقاً لاتفاقية سايكس – بيكو إلى تركيا الكمالية كي تبقى خارج التحالف مع ألمانيا في الحروب المقبلة .

كما أنها أبرشية من أبرشيات الكرسي الانطاكي المقدس ولكنها أبرشية استشهدت عام 1922

كما استشهدت أبرشية دياربكر و أبرشية أرضروم قبلها و كما استشهدت انطاكية ولواء اسكندرون عام 1939 وحملت عشرات الألوف من رعاياها إلى داخل الوطن السوري كعلمنا أو إلى منافٍ بعيدة كأوربة الوسطى والشمالية وأميركا وكندا ..

السيرة الذاتية :

الطفولة و النشأة

ولد بندلي{كما اعتاد الدمشقيون مناداته}عام 1904 في بلدة اكريني الأيونية (7) في آسية الصغرى و هي بلدة تابعة لإقليم أزمير.و مدينة أزمير كانت تقطنها أكثرية يونانية وأقلية تركية كمرسين وقتئذ مع قلة من العرب(8).أما التسمية الحالية لبلدة اكريني ( تشيشمة ) وتقع مقابل جزيرة خيوس اليونانية. والده كان يدعى ستاماتيس وكان يملك مشغلاً لخياطة الصداري الفنية الدارجة وقتئذ وكانت والدته تدعى النيكو أو هيلين بنت ديمتريوس كوليوس.

تميزت أسرة علمنا كبقية الأسر اليونانية بانتمائها الأرثوذكسي, لذا نشأ علمنا في بيئة مؤمنة ممارسة لطقوسها الكنسية وهذا ماعكسته سيرته وأفعاله الصالحة لاحقاً.

فجع علمنا بوفاة والده ستاماتيس وكان بعمر ثماني سنين, فأخذته أمه وشقيقه الأصغر جورج إلى مدينة مرسين حيث يقيم شقيقها كوستاس الذي كان يملك مخبزاً صغيراً لصنع الخبز والحلويات, وكانت هذه المنطقة تقع وقتئذ تحت الحكم الفرنسي (9) ويعيش سكانها اليونانيون في ازدهار ورفاهية.

ومن الجدير ذكره أن تهجير العناصر غير التركية المسيحية { اليونان و الأرمن و السريان والآشوريين والعرب} كان قد بدأ في آسية الصغرى على يد الأتراك الاتحاديين بتدبير من القيادة العليا المكونة من جمال ونيازي وأنور في مطلع الحرب العالمية الأولى عام 1914 وكان عام 1915 هو ذروة المجازر وتحديداً بحق الأرمن.ولكن يونانيي مرسين كانوا تحت الحماية الفرنسية.ولكن في عام 1921 عندما كان الفرنسيون يستعدون لمغادرة المنطقة بدأ السكان اليونانيون بمغادرة مرسين خوفاً من المجازر التركية وبلغ عدد المغادرين من يونانيين وقبارصة وأرمن باتجاه قبرص ثلاثة آلاف. وبهذه الطريقة تمكنت عائلة علمنا مع الأقارب من الهرب وتوجهت إلى جزيرة خيوس اليونانية مقابل بلدة تشيشمة, واستطاعوا نقل أثاث منزلهم على ظهر سفينة مانتازا الاسترالية متفادين خطر الأتراك.

في كنيسة بندلايمون في مرمريتا اول كنيسة بناها من ماله الخاص ويبدو ابن الكاهن عطية وهو الكاهن الحالي وبجانب بندلايمون  دبلوماسي يوناني  وبنات ربيبه استيفانوس
في كنيسة بندلايمون في مرمريتا اول كنيسة بناها من ماله الخاص ويبدو  الكاهن عطية بصليب الصدر  وابنه الكاهن الحالي وبجانب بندلايمون دبلوماسي يوناني وبنات ربيبه استيفانوس

وكان الجيش اليوناني قد دخل المنطقة عام 1919 وانتصر على الأتراك وبسط اليونانيون سيطرتهم على مناطق واسعة من آسية الصغرى ومنها بلدة علمنا الأمر الذي دفع باليونانيين إلى العودة إلى مناطقهم وكان منهم بندلي وعمره 17 سنة وخاله كوستاس حيث أقاما في منزل العائلة المهجور, ولكنهما أقاما مخبزاً ومحلاً صغيراً لصنع وبيع الخبز والحلويات في بلدة شاطئية قريبة تدعى ليتزيا. وبقيت الأم وابنها الصغير جورج في جزيرة خيوس لأن جورج كان طالباً في المرحلة الإعدادية, ولكنهما كانا من وقت لآخر يزوران بلدتهم تشيشمة لبعض الوقت مع بندلي وخاله.

لم تدم فرحة اليونانيين طويلاً لأن الأتراك عادوا وانتصروا عليهم في أيلول 1922 بحرب كانت نتائجها كارثية على اليونانيين والأرثوذكس العرب وما تبقى من الأرمن حيث ارتكبت مجازر همجية بحقهم أدت إلى قتل عشرات الألوف و حرقت ممتلكاتهم وقراهم ومدنهم كما أدت إلى تهجير حوالي المليون من هذه العناصر الأمر الذي أفرغ المنطقة منهم تماماً(10) وتوجه الناجون إلى سورية واليونان وقبرص ومصر ومنهم علمنا بندلي الذي كان عمره وقتئذ حوالي 18 سنة مع خاله وقد استطاعا الفرار في اللحظة الأخيرة بثيابهما التي يرتديان تاركين الخبز(11) في الفرن

وبقارب صغير حيث استطاعا الوصول إلى جزيرة خيوس اليونانية.

وبعد فترة أخذا طريق الاغتراب مرة أخرى باتجاه الإسكندرية في مصر حيث عمل بندلي لسنة ونصف في مقهى يوناني. ولكنه أصيب بالملاريا, ولم يستطيع جسمه تحمل المرض وهكذا غادر مع خاله عام 1924 إلى دمشق وكانت هذه المدينة كما سورية تقع تحت الانتداب الفرنسي ولكن دمشق كانت مدينة مجهولة لكليهما.

وصلا إلى سورية فرحب بهما السوريون الذين هم أناس مضيافون أكثر من العرب الآخرين وكما يذكر, خلال الثورة الكبيرة ضد الفرنسيين عام 1925, لم يقم أحد بإيذائهم.

في دمشق أنشآ فرنا ً ومشغلاً للحلويات في محل مستأجر بشارع القصاع على الزاوية المؤدية إلى كنيسة الصليب المقدس بالقرب من ساحة برج الروس. وكانت التسمية المميزة لمشغلهم (المخبز الأوروبي) ولكنه كان معروفا ًمن قبل سكان دمشق باسم (فرن الرومي)وغلبت هذه التسمية على التسمية الأخرى (12). في صيف عام 1945 عاد خاله كوستاس إلى جزيرة خيوس بعد أن ألم به المرض بينما استمر علمنا يعمل في مخبزه المشهور حتى كان عام 1966 عندما بيع المكان من قبل أصحابه من أجل إشادة بناء حديث, فانتقل بندلي إلى بنايته التي قام بإشادتها وخص الطبقة الأرضية منها مخبزاً له جهزه بفرن كهربائي حديث لخبز القربان والمعجنات والكاتو الشهي الذي كان علامته الفارقة وجعل أحدى دكاكين البناء محلا ً لبيع الكاتو.

يقول كاتب سيرته حرفيا ً:”أحب بندليس كوتسودونديس دمشق بقوة ومن كل قلبه وأحب شعبها, وكان حبه لدمشق كحبه لوطنه. ولهذا السبب أختار أن يعيش فيها لآخر حياته” (13) .

“كان من الناس الذين تعذبوا كثيراً في الحياة وأكبر خوف في حياته كان الخوف من تهجير الأتراك وهذا الخوف ظل يلازمه طيلة حياته كما كان يتذكر دائماً”(14) .

استمر في عمله(الفرن الرومي) حتى تموز عام 1995 حيث وقع على الأرض, وخضع لعمليتين جراحيتين في الحوض, وفي 11 آب 1995 انتقل إلى رحمته تعالى وهو في الثانية والتسعين من عمره.

وتنفيذا ً لوصيته دفن في قرية مرمريتا بجانب كنيسة القديس بندليمون التي بنيت بماله بين عامي 1975- 1976″(15) . كان بندليس كوتسودونديس إنسانا نشيطا فرغم جسمه الصغير والمعذب كان يعمل من ساعات الفجر الأولى لغاية المساء دون توقف. كان اسمه معروفا في كل منطقة القصاع ويزوره الناس من الطبقات كافة, الفقراء منهم, الذين يعرفون بأنهم سيحصلون على شيء من كرمه والأغنياء وضباط الجيش المرموقون في سورية. كان أيضا ً يزوره السفراء والقناصل والدبلوماسيون من دول كثيرة وطبعا اليونانيون الذين كانوا يزورونه بانتظام(16). الزيارة الأخيرة من هؤلاء كانت في نهاية تموز عام 1993 حيث قامت بزيارته السيدة فيرجينيا تسوديرو نائبة وزير خارجية اليونان. ولكن حتى لليونانيين البسطاء المقيمين في دمشق كان مشغله مركزا للقاء والمناقشة اللطيفة ( و خاصة في الفترة المسائية ).وكان من اصدقائه جدي لأمي القائد الارمني العسكري ديكران اواكيميان وهو حائز الجنسية اليونانية لأن امه روزيت كانت يونانية الجنسية، وكان جدي لاجئاً بدوره وقد نجا في آخر لحظة من الاعدام شنقاً بيد الاتراك لأنه كان قد اسس خلية فدائية تقوم باغتيال القادة الاتراك الذين حكموا بالابادة الجماعية على الأرمن، وكان قد اعلن وفاءه للأتراك ظاهريا مع مجموعته فيما كانوا وعددهم 20 يقومون بسرقة السلاح من مخازن الجيش التركي وتزويد نساء الارمن للقتال سراً بعد افناء الاتراك لرجالهن ويقومون بالاغتيالات وقد كشقتهم الاستخبارات العسكرية الالمانية الحليفة للأتراك والقي القبض عليهم وحكموا بالاعدام وكان قد اعدم 19 وبقي جدي الذي حرره الروس 1917 وفر الى سورية فالقدس ومنها الى الشام. وقد جمعت بين ديكران وبندلايمون مأساة واحدة هي ابادة جماعية لليونانيين والانطاكيين والارمن…(16)

كان علمنا يعمل منذ شبابه واضعاً هدفاً واحداً له في الحياة ألا وهو تقديم شيء للمجتمع, ولعل هذا الهدف حال دون زواجه, وهكذا قام بالتبرع للكنائس بالتجهيزات والأيقونات والكتب الطقسية وألبسة الكهنة. وصار مخبزه مقصداً لكهنة الرعايا و القرى كافة يطلبون منه المساعدة لكنائسهم, لذلك لم تبق كنيسة أو دير أرثوذكسي في سورية لم يستفد من تبرعاته, لهذا السبب ترى اسمه مذكوراً في الأديرة و الكنائس كافة بدءاً بالكاتدرائية المريمية, فكنيسة الصليب المقدس, فكنيسة القديس جاورجيوس في المدفن … وفي الأديار البطريركية : دير سيدة صيدنايا دير مار تقلا معلولا, ودير القديس جاورجيوس الحميراء وغيرها.

وكنتيجة لإيمانه الكبير في الرب قام بتشييد وتجهيز ثماني كنائس في مختلف المناطق والقرى في سورية بدأها في عام 1960 بإشادة برج الجرسية الأيسر في كنيسة الصليب القدس بالقصاع في حين أشاد المحسن السيد ميشال سبط الدمشقي / المقيم في بيروت / برج الساعة الأيمن عام 1962 وقدم الساعة عام 1969.

أما الكنائس التي عمرها علمنا من ماله الخاص فكانت على التوالي :

-كنيسة القديس بندليمون في قرية مرمريتا دشنت بتاريخ 26/9/1976
– كنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة في قرية برج العرب دشنت بتاريخ 29/7/1984
– كنيسة القديسة بربارة في قرية الجويخات دشنت بتاريخ 27/10/1985
– كنيسة القديس استفانوس في قرية المزرعة دشنت بتاريخ 27/7/1986
– كنيسة القديس جاورجيوس في قرية المقعبرة دشنت بتاريخ 12/7/1987
– كنيسة القديس نكتاريوس في قرية عناز دشنت بتاريخ 10/7/
1988
– كنيسة القديس ديمتريوس في قرية المشيرفة دشنت بتاريخ 28/5/1989
– كنيسة القديس يوحنا السابق في قرية الخنساء دشنت 29/7/1990

ولشدة تواضع علمنا كان يرد على من يسأله عن بنائه الكنائس أو يكيل له المديح عنها بقوله : ” أنه لم يقم هو بتشييدها ولكنها شيدّت بمشيئة الربّ ” موجها ً إصبعه إلى السماء .

خلال حياته لم ينس أن يتبرع لدور الأيتام و لدور رعاية المسنين وتضمنت وصيته الأخيرة(17) بالتالي نصيباً لهذه الدور في بنايته ( العقار المحدد الموصوف بالمحضر رقم 352 من منطقة عمارة قصاب – قصاع ) الواقعة بشارع القصاع مقابل دخلة الصليب وقد أوصى فيها وقفاً الدكاكين اليسرى إلى جمعية القديس بندليمون الأرثوذكسية لتربية اليتيمات بدمشق, والدكانين على اليمين وقفاً إلى جمعية القديس غريغوريوس الأرثوذكسية لتربية الأيتام و رعاية المسنين (18).

كما أوصى بالطابق تحت الأرضي /البدروم/ مصنع الكولونيا لدير سيدة صيدنايا البطريركي.

كذلك أوصى بالمبالغ النقدية التي سوف توجد بالمنزل أو الدكان لتوزع على المؤسسات الخيرية وكذلك المبالغ النقدية التي سوف توجد في البنوك.

في واقع الأمر وعلى العموم لم يغب بالتالي عن مساعدة أي إنسان متألم يحتاج إلى المساعدة سواء بعمليات جراحية أو بتقديم مساعدة مالية طارئة أومستمرة, وقد قدم لكثير من العائلات المستورة نفقات تعليم أبنائها بدون أن تدري بذلك حتى إدارات المدارس. وعلى وجه الإجمال كان يهرع لمساعدة الجميع لأنه كان قد أحب دمشق وشعبها حبا ً حقيقيا ً وبشكل عام كل الشعب السوري, وكذلك الكل أحبه ومدَّ معه جسور الاحترام والتقدير والكثيرون طلبوا منه أن يكون عرابا ً لأبنائهم في المعمودية سواء في كنائس دمشق أو في دير سيدة صيدنايا ودير مارتقلا معلولا… وقد فاخروا بذلك.

وتفردت جمعية القديس غريغوريوس بوضع نبذة تعريفية بسيطة عن المرحوم مع صورة عنه مع تعداد لإحساناته في بناء الكنائس وتم إدراجها في كراسها السنوي لعام 1996.

و على مدى السنوات التالية لوفاته كانت تقيم رحلة سنوية للأيتام إلى كنيسة القديس بندليمون للصلاة على ضريحه كرد لجميله بحقها وبحق نزلائها وتقيم له الذكرانيات في عيد شفيعه سنويا.

صفاته الشخصية

كان ربع القامة نحيلا ً يكتفي بقليل من الطعام, رضيّ الخلقة جميل المحييَّ, باسم الثغر على الدوام. نظيفا ً مرتبا ً في عمله ومظهره وحتى في ثياب العمل. كان يمتلك فقط بدلة أو بدلتين لأنه كان وعلى الدوام يلبس ثياب العمل ونادراً ما يلبس لباساً رسمياً إلا للمشاركة في تدشين أو استقبال رسمي. ويتصف بجمال الخلق ونقاء السيرة وطهارة السريرة هانئ الطباع لا يتشاجر مع أحد و لكنه كغيره من اليونانيين كان يرى ارتباطاً وثيقاً بين الأرثوذكسية واليونانية ولا يقبل أن لا يُرتل في الكنائس الأرثوذكسية باليونانية ” فجمال الترتيل الرومي متعانق مع جمال اللغة اليونانية(19) ” .

كان متواضعا ً كما يعرفه الجميع ولا يرضى بأن يُقرظ أو يمدح على بنائه الكنائس أو فعله للخير كما سلف بيانه. كرمه غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع بطريرك انطاكية وسائر المشرق في 12/9/1982 بتقليده وسام الكرسي الانطاكي المقدس, كذلك نال تكريما ً من غبطة السيد سيرافيم رئيس أساقفة أثينا وسائر اليونان في 25/12/1987.

 خاتمة

و لأن كنيستنا الأرثوذكسية كانت أمينة على الإيمان القويم عبر تاريخها و خلال الألفين الماضيين فقد كانت على الدوام معذبة من البعيد و القريب و حتى الأخ في الإيمان . و لكنها كانت تعيش على الرجاء الحيّ ذلك لأن مؤسسها الرب يسوع كان في كل العصور يمدها بأبرار ومختارين و قديسين يبلسمون جراحها و يشدون من أزرها و يصوبون مسيرتها , من هؤلاء الأبرار كان بدون شك البار بندليمون , فهو و إن كان قد حل لاجئاً فقيراً في دمشق المدينة المضيافة للاجئين لكن الله أعطاه حباً لا يوصف من شعبها الذي أفسح له مكاناً محترماً يعيش و يعمل فيه في حي القصاع ذلك الحي السكني الدافئ وقتئذ !؟! كأحد أبنائه الأصلاء ,و لأن بندليمون كان هكذا فقد بادل شعب دمشق والقصاع خصوصا ً والشعب السوري عموما حبا ً صافيا ً كصفائه هو وهدوئه وعظيم إيمانه .

ولأنه كان هكذا أيضا ً فقد أعطاه الله من جوده وخيراته وبارك في أعمال يديه فكأني به بولس الرسول الذي كان يعمل بيديه ويقدم من تعبه لأخوة له في الإيمان . “خدمتها هاتان اليدان” هو لم يكن غنيا ًعلى الإطلاق ولم يكنز ثروات أخذ منها ليقدم الإحسان والتبرع .

ويبقى ومن باب الواجب الأخلاقي والديني أن تقف كل الجهات الكنسية والرعايا ووكالات الكنائس ورئاسات الأديرة التي قدم لها من تعب يديه وترك لها كنائس تصلي فيها تقيها خطر التشرد والاستلاب وزيّن كنائس وأديار غيرها تفاخر فيها, وقفة ضمير, تعترف فيها بما قدمه لها هذا البار (وكثيرون غيره قبلا ً وحاليا ً) من إحسانات, وتحيّ ذكراه على الدوام اعترافا ً بجميله .

– أختم بالقول أن الحياة النقية والإيمان الحقيقي المبني على الصخر, وما نتج عنها من أعمال مبرورة قام بها البار بندليمون كوتسوذوندوس تجعل منه عظيما ً من عظماء الأرثوذكسية عامة والكرسي الانطاكي الذي انتمى إليه خاصة ومختارا ً من مختاري الرب .

رحمات الله عليه وليجعله مع مختاريه عن يمينه وليكن ذكره مؤبدا ً .

 حواشي البحث :

1 – الشائع عند العامة في بلاد الشام وتحديدا ًفي دمشق أن لقب الرومي ينصرف إلى اليوناني لذا شاع اسم هذا الفرن باسم “فرن الرومي” وكان هناك من يسميه فرن الإفرنجي ولكن تسمية الرومي غلبت عليه وكان هناك فرن مماثل يقع في منطقة السوق العتيق لمالك أرمني.

2 – كانت حارة الصليب الثانية تقع في موضع امتداد شارع بغداد الحالي وكانت حارة ضيقة تمر بجانب مقر فوج الكشاف الأرثوذكسي (جاورجيوس) وكنيسة الصليب فمخمر الموز.

3 – لعدم وجود أفران في البيوت حيث كانت العائلات تخبز صواني الكبة … و كعك العيد بمخبزه وقتئذ كما كانت الفنادق الكبرى وخاصة في ليلة رأس السنة تقوم بشي الخراف والديك الرومي ّعنده.

4 – كان لافتاً جداً تواضع و روحانية بندلي في حفل التدشين حيث انه كان غير مرتاح من الإشادة به في الخطب التي ألقيت وقتئذ وقد كان جالساً مغمضاً عينيه و كأنه في عالم آخر و قد تبارى البعض بإبراز ما قدموه مهما كان هزيلاً بلافتات ضخمة بينما اكتفيَّ بوضع تلك اللافتة الحجرية الصغيرة التي أرخت لبنائه تلك الكنيسة و الأشد إيلاماً أن هذه اللافتات وضعت في أمكنة شوهت جمال البناء .

5 – الدكتور انجلوس كوسه أوغلو رئيس جمعية المستوصف الخيري منذ تأسيسه بار كعلمنا أمضى حياته في عمل الخير و مساعدة الإنسانية المعذبة بغض النظر عن الدين و المذهب . كان محباً لدمشق و للدمشقيين بشكل لا مثيل له توفي أواخر 2006 و أعد بتقديم نبذة عنه وفاءً لذكراه حينما تتوفر المصادر.

6 – أحد أبناء الجالية اليونانية الكريمة في دمشق و عضو في الجمعية الخيرية اليونانية و موظفاً دبلوماسياً في السفارة اليونانية بدمشق يتميز و زوجته بحب العمل في الحقل الكنسي الأرثوذكسي الانطاكي . و كان والده هو المؤسس لمدرسة اليونان في دمشق 1919 .

7– إحدى مماليك الإغريق ( اليونان القدماء ) ما قبل الميلاد وكانت تشتمل على آسية الصغرى و لا تزال آثارها بادية حتى الآن و من الجدير ذكره أن منطقة آسية الصغرى كانت مع بلاد اليونان الحالية تشكل أراضي الإغريق القديمة حتى مجيء الأتراك السلاجقة في القرن الثالث عشر والأتراك العثمانيين الذين توسعوا على حساب السكان الأصليين وما لبثوا بعد ذلك أن فتحوا القسطنطينية 1453 م.

8 – تشير إلى ذلك الوثائق البطريركية / وثائق أبرشيات كيليكية وأرضروم.

9 – كان الانتداب الفرنسي يشتمل على سورية وكيليكية. وكانت بيروت “مقر المفوضية العليا في سورية و كيليكية ” وعندما أقام الفرنسيون دولة لبنان الكبير بعدما انسحبوا من كيليكية وسلموها للأتراك تسمت المفوضية:” المفوضية الفرنسية العليا في سورية ولبنان “.

10 – منهم مطران دياربكر ملاتيوس قطيني الدمشقي وقد تحرك مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس حداد طالباً من الفرنسيين حماية هؤلاء المساكين وتأمين وصولهم إلى سورية بأمان كما تشير الوثائق البطريركية.

11 – شهادة شفهية من د. انجلوس.

12 – نص حرفي ورد في سيرته إعداد السيد بول ستيفانو.

13 – نص حرفي المصدر السابق

14 – نص حرفي المصدر السابق

15 – المصدر السابق

16 – منهم جدي لأمي المرحوم ديكران هواكيميان من أرمن كيليكيا ,حاز الجنسية اليونانية لكون والدته روزيت يونانية  انظره في موقعنا هنا بعنوان” افتخر بك ياجدي الارمني”.

17 – أودع وصيته سفارة جمهورية اليونان بدمشق باعتباره يوناني الجنسية , و بعد وفاته قامت السفارة اليونانية بنشر الوصية وفق أحكام القانون المدني اليوناني فأصبحت نافذة المفعول وفقاً لأحكام القرار رقم 11 الصادر عن محكمة الصلح في وزارة العدل السورية // الدعوى رقم أساس 8978 / 287 / هـ // .

18 – أقامت الجهات الثلاث { جمعية القديس غريغوريوس و دير سيدة صيدنايا وجمعية القديس بندليمون } يوم الجمعة الواقع في 9 آب 1996 في كنيسة الصليب المقدس قداساً وجنازاً لراحة نفس المرحوم بمناسبة مرور سنة على وفاته.

19 – حوار مع كاتب المقال .

مصادر البحث :

– السيد بول ستيفانو (السيرة الذاتية) .
– الوثائق البطريركية.
– أرشيف جمعية القديس غريغوريوس.
– شهادات شفهية .