العلامة عيسى اسكندر المعلوف

” الرجل الذي أعطى عشرات الكتب وثلاثة شعراء “(1)

 

علمنا هو أحد الأفذاذ العرب ليس في البنان أو في سورية التي أحبها وعرفت قدره فعاش فيها ردحا ً عزيزا ً من حياته ونال فيها تكريما ً لائقا ً, بل على مساحة الوطن العربي الكبير.

هو أحد فطاحل الأدب وقائدا ً فذا ً من قادة الضاد و مؤرخا ً مكينا ً وقد صرف العمر وافناه في بحث ٍ وتنقيب مستمرين, غير مبال بالعراقيل التي كانت تعترضه, ولا بالليالي التي أحياها سهدا ً, وهو يخط بقلمه مالا يعرفه الناس, متسلحا ً بصفات المؤرخ / التجرد والموضوعية والبعد عن الانتماء والعاطفة / ومتسلحا ً بجلد المناضل في سبيل قضية حق بناها على الخدمة والنفع الإنسانيين.

– يكفي الوطن العربي أن علمنا أنجب ثلاثة شعراء فوزي, شفيق ورياض . وترك إرثا ً ضخما ً في الأدب والشعر والمقالة والرواية والتأريخ والأنساب وحتى في العلوم والطب والفلسفة والميكانيك فكأني به ليوناردو دافنشي العرب.

عاش 87 سنة وقد ظفر بوسام الخلود الذي لا يمنح إلا للأبطال من الرجال.

عاش سنواته هذه عيشة القديسين, مؤمنا ً بربه بارا ً بكنيسته , أرثوذكسيا ً صافيا ً ولكنه كان أيضا ً كما للوطن وللعروبة كان لكل الكنائس. لقد شعر بأن الجميع في هذه البلاد أسرة واحدة.

السيرة الذاتية

هو عيسى بن اسكندر بن الخوري إبراهيم بن عيسى بن شبلي المعلوف, من بني الأزد, العرب الغساسنة الذين جاوؤا حوران من اليمن على أثر حوادث سد العرم وارتحال القبائل من صنعاء اليمن (2). ومن حوران انتقلوا إلى لبنان في القرن 15 بعد الفتح العثماني لبلاد الشام وبسط الأمن.

ولد في بلدة “كفر عقاب ” قضاء المتن في جبل لبنان غربي بسكنتا في سفح صنين في 11 نيسان 1869, أسرته بسيطة ولكنها غنية في إيمانها. درس في مدرسة الشوير الإنكليزية سنة واحدة ثم انصرف للدراسة بمفرده كغيره من أقرانه الذين كانوا لا يملكون القدرة على نفقات الدراسة فكان شأنه كسائر العصاميين الذين يصنعون أنفسهم بأيديهم.

ألمّ بآداب العربية, وعرف الإنكليزية وبعض الفرنسية بمطالعاته. وانكب من صغره على الدرس وجميع الكتب, وقد نبغ في دراسته الأمر الذي مكنه من الانصراف إلى التعليم ,فعلم أولاً في بلدته بمدرسة الآباء اليسوعيين بضع سنوات,إلى أن انتدبه إبراهيم الأسود لتحرير جريدة “البنان” في بعبدا مركز متصرفية جبل البنان الشتوي, فذهب إليها أواخر 1890 وتولى إدارة الجريدة وتحريرها وتصحيح مطبوعات المطبعة العثمانية. وكان يتردد وقتها على بيروت لحضور مجالس العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي وخليل البدوي وغيرهم.

عاد المعلوف إلى مسقط رأسه أواخر عام 1892 بعد إقفال جريدة لبنان في 9/ ت1/ سنة 1893 انتدب لتدريس العربية والإنكليزية والرياضيات في مدرسة كفتين الأرثوذكسية في الكورة- طرابلس, حيث أمضى فيها 4سنوات, وألف فيها بعض كتبه, وكَتَبَ ثلاث روايات تمثيلية شعرية. أقفلت المدرسة سنة 1897 فأدار شؤون مدرسة دوما – البترون , ثم عاد إلى بعبدا سنة 1898 حيث تزوج بالسيدة عفيفة المعلوف من زحلة, وبعد مدة جاء زحلة 1899 مشتغلا ً بالتجارة ثم انتدب للتدريس في الكلية الشرقية في زحلة حيث درس العربية و الإنكليزية والرياضيات فتخرج عليه الكثير من الأدباء والأطباء والصحافيين الذين اشتهروا في الوطن والمهجر, وأنشأ فيها ” جمعية النهضة العلمية ” لتمرين الطلبة على الخطابة والمناقشات العلمية, وطبع أعمالها لسبع سنوات في كراس, وأنشأ لهم جريدة “المهذب” حيث حررها مدة ثم تركها وصار مدرسا ً في الأسقفية الكاثوليكية في زحلة, وأشتغل بالتأليف وكتابة المقالات في كبار المجلات كالمقتطف والهلال والمشرق وغيرها. 

ثم تولى إدارة المدارس الأرثوذكسية في دمشق عامي 1909 -1910 بدعوة من طيب الذكر البطريرك العلامة غريغوريوس حداد والمجلس الملي الدمشقي وقام بتدريس مواد فيها. ونظرا ً للدور النهضوي الذي اضطلع به في مسيرتها التربوية بالرغم من قصر المدة, إلا أنه ترك فيها بصمات رئيسة. ولما كنت في عام 1991 قد قمت بإعداد كتاب عن المدارس الآسية الأرثوذكسية بعنوان :” الآسية مسيرة قرن ونصف 1840 – 1990 “(3) فقد استوقفني هذا الدور المنوه به ويسرني من قبيل الأمانة أن استل بعضا ً مما ورد عن علمنا في كتابي المذكور.

-اتجه المجلس الملي البطريركي للاتصال بالأستاذ عيسى المعلوف والاتفاق معه على إسناد إدارة المدارس الآسية له في أوائل تموز 1908 وتقرر إرسال كتاب إليه إلى زحلة من قبل عضو المجلس الملي الأستاذ داود أبو شعر التالي نصه:

“حضرة الأستاذ الفاضل عيسى أفندي اسكندر معلوف طال الله بقاه

أسأل خاطركم أولا ً ثم بالنيابة عن وكالة المدارس الأرثوذكسية في دمشق أحرر لكم هذه العجالة طالبا ً من حضرتكم إعلامي إذا كنتم تقبلون استلام زمام إدارة مدارسنا التي تعلم فيها بعض علوم القسم العلمي في المدرسة الكلية الأميركانية من إنكليزية وفرنسوية وعربية مع العلوم الرياضية علاوة على القسم الاستعدادي الذي تدرس فيه الدروس الابتدائية, ثم زيادة على إدارة تلك المدرسة تكلفون على التعليم فيها ثلاثة ساعات علوما عالية من رياضية أو خلافها بحسب البروغرام فإذا حاز طلبنا قبولا ً أرجو أن تبينوا لنا ما تشترطونه علينا من الشروط من أجرة وخلافها والرجاء أن يكون جوابكم عندنا سريعا ً لكي أعرضه على ذوي الاختصاص وأطال الله بقاكم”. ” داؤود أبو شعر”

وقد وافق أستاذنا برده فرحا ً ” بالعودة إلى أمه ” مع أنه سيترك زوجته وأولاده الأربعة في زحلة مبينا ً أنه كان قد خدم طائفته خدمة مجانية لولا أسرته هناك والغلاء الفاحش وانصرافه إلى طباعة كتابه في تاريخ أكثر من 400 أسرة سورية (4) الذي استنزف معظم ما ادخره واضطراره إلى فتح بيت في دمشق – وقد حدد سنة واحدة ليقوم بهذه الخدمة لظروفه المبينة قبل بإدارة المدرسة وتدريس العربية والإنكليزية ثلاث ساعات يوميا ً.

– تصدى علمنا لمهمته باقتدار ونشاط وغيره مشهودة له(5). وكان دؤوبا ً على استنباط الطرائق التي يراها مناسبة لرفع شأن المدرسة, ورفع للبطريرك غريغوريوس تقريرا ً غاية في الأهمية كان عنوانه ” حاجة مدارسنا الطائفية” (6). أوضح فيه رؤياه لتطوير الآسية مع اقتراحات وقد وضح في ختامه بأنه وخلال سنة بلا شك لم يتمكن من خدمة المصلحة أكثر مما خدم لذلك يترك هذا التقرير ناطقا ًبحسن نيته وسلامة قصده بعد تركه دمشق(7) … وقد ارتبطت اقتراحاته لجهة التعليم بالاعتماد على الطريقة التمرينية كمنهج تعليمي. لذا تبنى المجلس الملي برئاسة البطريرك غريغوريوس هذا التقرير وأعتمده في وضع نظام للمدارس الأرثوذكسية بدمشق.

وفي حقيقة الأمر فإن علمنا وخلال عام 1909 – 1910 أدار الآسية إدارة متميزة ورفع من سوية تعليمها وقد عاشت وقتئذ نهضة حقيقية.

– إلى جانب التعليم فقد انصرف علمنا إلى الصحافة وخاض غمارها فكان رائدا ًمن روادها فأسس مجلة ” الآثار” الشهيرة, وأنشأ جريدة ” الشرقية”و” المهذب” في زحلة, وحرر جريدة “لبنان” في بعبدا, لهذا كلفه البطريرك غريغوريوس الرابع (بعدما حصل على الترخيص اللازم لإحداث المطبعة البطريركية في دار البطريركية بدمشق )كلفه بتأسيس مجلة” النعمة البطريركية “.(8)

وكان له فيها زاوية متميزة بعنوان “باب مشاهير الملة” سلط فيها الضوء على أعلام الكرسي الانطاكي ومنهم الشهيد الخوري يوسف مهنا الحداد (9) . وكانت هذه المجلة تطبع في المطبعة

البطريركية (سنفرد لها بحثا ًضافيا ً في القريب ).

– بالإضافة إلى مجلة النعمة البطريركية كتب أيضا ً مقالات كثيرة لجريدة “العصر الجديد” الدمشقية وشاطر في كتابة أكثر من ثلاثين مجلة وجريدة في سورية ولبنان ومصر وأميركا.

كلفه البطريرك غريغوريوس عام 1911 بالسفر إلى حلب للبحث في زواياها ومكاتبها ومدارسها القديمة عن نوادر المخطوطات وقد كلفه بشرائها (10). وقد نشر المعلوف رحلته هذه بمجلة “النعمة” ووصف مكاتب حلب ونفائسها. وبالفعل اشترى عددا ً من هذه المخطوطات النادرة وضمها غبطته إلى المكتبة البطريركية(11). كما أن في المكتبة ذاتها الآن مخطوطات خاصة به أهداها على ما يبدو إلى غبطته وتتراوح فترة اقتنائه لهذه المخطوطات بين عامي 1900 – 1912 (12) كما هو مدون على أغلفتها الداخلية.

ثم عاد للتدريس في الكلية الشرقية بزحلة ووضع ” تاريخ زحلة ” وطبعه وألف مؤلفات كثيرة وهو يكتب في المجلات والجرائد. وطلب لإدارة المدارس الأرثوذكسية مدرسة المعلبة في القدس “والغسانية الأرثوذكسية” في حمص ومدارس بيروت في عام 1913. انتدب للتدريس في مدرسة سوق الغرب الأميركية, ثم في مدرسة الأقمار الثلاثة البيروتية الأرثوذكسية فخدمها أشهرا ً. وأعلنت الحرب الأولى حيث عاد إلى زحلة وصار يدرس بعض الطلاب في بيته, وكتابة تاريخ لبنان بتكليف من متصرف جبل البنان. في 8 شباط 1918 عين نائبا ً لرئيس مجلس معارف زحلة, وعند دخول الجيش العربي إلى دمشق استدعاه الأمير زيد بن الحسين نائب الأمير فيصل وعينه عضوا ً في شعبة الترجمة والتأليف في ك2 1918. ثم حولت تلك الشعبة إلى مجلس معارف, ثم إلى مجمع علمي وكان عضوا ً عاملا ً فيه. واجتهد في تعزيز المكتبة الظاهرية, وإنشاء المتحف الوطني في المدرسة العادلية بدمشق. ويروى عن المعلوف, يوم زار الفيصل مع بعض علماء دمشق, لمباحثته في تأسيس المجمع العلمي, أن طلب فيصل من العلماء أن يذكر له أحدهم نادرة يحفظها عن أجداده, فانبرى علمنا ينشد له بيتين من الشعر, هما من نظم أحد جدوده, ويدلان على الإباء وكرم النفس وعزتها وقد قال :

” ولى كف ضرغام إذا ما بسطها بها أشتري يوم الوغى وأبيع

معودة لثم الملوك لظهرها     وفي بطنها للمجد بين ربيع “

فسَّر فيصل كثيرا ً منه وطلب منه أن يتمنى ما يشاء مكافأة له على سرده هذين البيتين وعلى بديهته الحاضرة, فأجابه علمنا أن يساعدهم في تأسيس المجمع الذي من أجله مثلوا بين يديه.

فللحال استجيب الطلب, وأُسس يومذاك المجمع وعُيَّنَ فيه علمنا مؤسسا ً وعضوا ً عاملا ً.

كما وضع كتباً تاريخية قيّمة منها :”الأمير فخر الدين المعني الثاني”,” تاريخ لبنان”,” تاريخ زحلة “,”الشعر والعصر”,” خطاب الأخلاق مجموع عادات “,” الأم و المدرسة “,” الطب عند العرب ( مع رسوم الآلات الجراحية القديمة نقلاً عن مخطوط قديم )”,” القطوف في تاريخ بني المعلوف” و هو تاريخ لعائلة المعلوف خاصة و لبعض عائلات بلاد الشام عامة , ” رحلة إلى صيدنايا ” وقد بلغ عدد مطبوعاته 20 مطبوعاً . بالإضافة إلى 62 مخطوطاً في الأدب والتاريخ والعلوم والفنون والمسيحية والشعر والسيرة الذاتية وفي محاضراته ,وخص دمشق التي أحبها وعاش فيها وكرمته جدا ً بالكتابة عنها تاريخا ً وحضارة وآثار, و خص حوران مسقط رأس أسرته بمخطوط ثان ٍ. و قد كتب بالإضافة إلى ذلك ثلاثة روايات تمثيلية.

– ولعل كتابه الشهير “تاريخ الأسر الشرقية” ويقع في عشرة مجلدات كبيرة بحجم قاموس تعتبر من أهم الكتب التي تبحث في تاريخ الأنساب في بلاد الشام عامة ومصر والعراق وإيران وآسية الصغرى, وقد بقيّ مدة طويلة حتى جمعه وعانى كثيراً من الصعوبات والمشقات في تناوله أبناء الأسر من أفواه الرواة والشيوخ المعمرين, ومن بعض كتب الأنساب المطبوع منها والمخطوط. ويعتبر هذا السفر الضخم “معجماً للأسر” يعرفك إلى نسبك وسلالتك. و تصدت جامعة السوريون في باريس إلى طباعته عام 1961.

– قام بتصحيح الطبعة الثانية لمعجم الأب لويس المعلوف اليسوعي و زاد عليه حواشِ و تعليقات, وزينه بمختلف الرسوم و دقق فيه تدقيقاً علمياً رصيناً جداً.

خصائصه وأخلاقه

أوجد علمنا مدرسة في البحث التاريخي تهافت عليها الطلاب من كل فج وصوب يتعلمون منها ما خفي عنهم و استتر, ودَّرَّسَ متعمقاً أصول اللغة وأسماء المدن السورية واللبنانية ومشتقاتها من اللغات الفينيقية والآرامية والفارسية, فكان رحمه الله مرجعاً حقاً يعتمد عليه. وزد على أنه كان شاعراً موهوباً, اعتنى بنظم الشعر التاريخي وله فيه قصائد رائعة.

– كان حاد المزاج والذهن, كثير الجلد على الكتابة و المطالعة, لا يكاد يمل وقد صرف عمره في العمل العقلي الدائم, طيب القلب, متساهل في آرائه رغم رجاحتها لا يحمل غشاً وضغينة لأحد.

مكانته العلمية

بالإضافة إلى عضويته في مجلس المعارف في زحلة والمجمع العلمي العربي في دمشق عام 1919 حاز عضوية المجمع العلمي اللبناني في بيروت أوائل 1928 ولكن هذا المجمع لم يطل عهده. كما عين عضواً في مجمع فؤاد الأول للغة العربية في القاهرة سنة 1934 وهي سنة تأسيسه. وعضواً في مجمع التاريخ والآداب في ريو دي جانيرو ( البرازيل ) بعد أن ترجمت بعض مقالاته إلى البرتغالية.

كما عين في سنة 1937 عضواً في المؤتمر العام للأدب العربي في تونس.

– لكثرة اجتهاده في مجمع دمشق انحرفت صحته فاستقال في 8 تموز 1925 وعاد إلى زحلة بعد أن ألقى محاضرات كثيرة في ردهات المجمع و النوادي الأدبية في دمشق بمواضيع مختلفة.

وقد ألقى المئات من المحاضرات في دمشق وزحلة وبيروت ومصر وحلب وحمص وغيرها,وكان يعتذر عن الحفلات التكريمية بما فطر عليه من التواضع.

مكتبته

تعد مكتبته إحدى مفاخر لبنان لما تحفل به من نفائس المخطوطات و المطبوعات النادرة الوجود. معظمها مجلدة تجليداً رائعاً و مزركشة باللون الذهبي, عدد نسخها يقدر بعشرين ألف مجلد باللغات مع ألف كتاب مخطوط مع مجموعات مجلات و دوريات عربية.

وقد دعيت هذه المكتبة بالخزانة المعلوفية ويزورها العديد من العلماء والأدباء والشعراء الوطنيين والمستشرقين,وقد تم نقلها إلى دار ابنه رياض وهو المشرف عليها مع أخوته وقد قرظه عميد التاريخ العربي العلامة المرحوم ميخائيل نعمة عندما زار هذه المكتبة في 4 آب 1962 بزحلة “بارك الله في رياض الذي نسق هذه المكتبة الثمينة تنسيقاً جميلاً فأحسن إلى ذكرى والده و إلى نفسه و أخوته وإلى المكتبة العربية على الإجمال”.

الأوسمة

منح وسام الاستحقاق السوري عام 1936, و قبلاً وسام الاستحقاق اللبناني عام 1934, وميدالية المجمع العلمي المصري عام 1937, وتقديراً لجهاده الذي بذله في حقول التعليم و الصحافة والتأليف عادت الحكومة اللبنانية ومنحته بعد وفاته وسام الاستحقاق اللبناني برتبة فارس.

وفاته و تكريمه

في 2 تموز 1956 نقل الله علمنا إلى جواره عن 87 سنة قضاها في خدمة العلم والوطن والعروبة والكنيسة فشيعته زحلة عن بكرة أبيها في 4 تموز 1956 وصلى عليه سائر أحبار الكرسي الانطاكي المقدس في كاتدرائية القديس نقو لاوس في زحلة بمشاركة أفراد الأكليروس من الكنائس الشقيقة بحضور عدد من رجال الدين المسلمين بالإضافة إلى رسميين وأدباء ورؤساء وأعضاء المجامع العلمية في سورية ولبنان ومصر. وحشد بشري هائل وكانت محطات الإذاعة في الشرق كله قد نعته وطيٌّرَت برقيات النعي إلى العالم كله.

– في تموز 1959 أقامت لجنة إحياء ذكراه مهرجانا ً تاريخيا ًفي قاعة اليونسكو في بيروت جمع النخبة من رجال العلم والسياسة والطب والشعر والأدب الذين تباروا في تكريمه إذ لم يؤسس مجمع علمي ما الاوكان هو نواته وحجر الزاوية فيه. وقد أجمعوا على أن فقدانه كان خسارة جسيمة للأمة العربية.

وقد قال فيه يوسف يزبك خاتما ً مديحة: “… فقليل على قومه أن يرفعوا له تمثالا ً من الماس, يمرون به صباح مساء, لينحنوا أمامه إجلالا ً, ويقبلوا التراب الذي ارتفع تمثاله عليه “.

خاتمة

– عيسى اسكندر المعلوف واحد من أولئك الأبطال في التاريخ العربي الذين نذروا حياتهم وأنفسهم للعلم والأدب والكتابة فغدا مثالا ً مدهشا ً بشهادة غزارة إنتاجه حيث ترك حوالي 90 مؤلفا ًبين مطبوع ومخطوط وبشهادة مكتبته التي غدت من الكثرة والغنى حدا ً يدهش له المرء متسائلا ً : كيف استطاع رجل واحد أن يفعل كما فعل هو؟!.

– لقد قيل عنه الكثير من محبيه ومقدري فضله في العلوم والمعارف كافة وأقيمت له حفلات تكريمية في حياته وبعد مماته, وخلدت ذكراه المجامع العلمية التي أسهم في تأسيسها والمدارس التي علم فيها والجامعات التي تبنت آثاره المخطوطة.

ولكن لما كان قد أثرى ذاكرة الكرسي الانطاكي المقدس والذاكرة الأرثوذكسية بأعلام سلط عليهم الضوء وبالتالي لم يكتب عنه أحدٌ معرفا ًبما قدمه لكنيستنا, لذا وجدت أن من باب الواجب والوفاء له أن أكتب بعضا ً يسيرا ً عن انتمائه لكنيسته التي أحب ,بالاستناد إلى وثائقنا. ولاعجب في ذلك فهو حفيد كاهن . ومما لاشك فيه أن مقالي هذا لم يعطه حقه كما كنت آمل لكن يبقى ما كتبته كفيل بتسليط بعض الضوء على انتمائه الأرثوذكسي كأحد أهم أعلام الكرسي الانطاكي المقدس في العصر الحديث, وأختم بالقول أنه امتاز عن كتبة التاريخ في شرقنا العربي بأنه كتبه بشوق الباحث إلى وجه الحق, وبحب الإنسان لتاريخ أهله ثانيا ً, ثم امتاز أنه استطاع التوفيق بين شوقه وحبه فجعلهما معا ً في خدمة العلم, علم التاريخ. وما من شك أبدا ً أن تاريخ الكرسي الانطاكي المقدس كنيسة وشعبا متجذر في تاريخ هذه الأرض, وهو جزء مضيء في هذا التاريخ, كتب عنه علمنا بهذا الشوق وبهذا الحب وجعله في خدمة العلم . لذا جاءت شهادته شهادة صارخة من مسيحي غيور حار في إيمانه الأرثوذكسي كما إيمانه بالوطن والأمة .

حواشي البحث :
    (1) رياض حنين – مجلة المجالس – بيروت 11 شباط 1955
    (2) عيسى المعلوف, ” دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف” المطبوع قبل الحرب العالمية الأولى في مجلد كبير.
(3) جوزيف زيتون أمين الوثائق البطريركية , دمشق أيلول 1991 / إصدار البطريركية بمناسبة مرور 150 سنة على إعادة تأسيس مدارس الآسية الأرثوذكسية.

(4) “دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف”.

(5) مذكرات محمد كرد علي + كتابنا (الآسية مسيرة ….)

(6) الوثيقة 1336 من وثائق أبرشية دمشق – الوثائق البطريركية.

(7) كتابنا : ( الآسية ….)

(8) صدرت هذه المجلة البطريركية الرائدة في دمشق بدورين اثنين الأول من 1909- 1914 حيث توقفت بسبب قيام الحرب العالمية الأولى والثاني من 1959 – 1967 حيث اجتمعت نهائيا
ً وحلت محلها النشرة 1973 – 1974 التي أصدرها مثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع وتابعها غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع 1991 وحتى الآن.

(9) النعمة حزيران 1910 وقد استندنا عليه في توثيق سيرته مع الوثائق البطريركية المختصة عام 1987انظر ذلك بعد وسابق

(10) وثائق أبرشية دمشق ودائرة الوثائق البطريركية.

(11) تحمل خاتم البطريرك غريغوريوس وهي موجودة في زاوية المخطوطات في دائرة الوثائق البطريركية.

(12) تحمل الأرقام التالية في كشاف المخطوطات البطريركية : (44- 119 – 163 – 165 – 176 – 209 – 215 – 216 – 244 – 271 – 279 – 308 – 364 ) أما موضوعاتها فمتعددة من ” مجموع ” إلى طقسي وتفسيرانا جيل وعظات وفلسفة وعلوم وجدليات تدافع عن الإيمان الكاثوليكي ردا ً على كتب أرثوذكسية ) .

مصادر البحث :

  • الوثائق البطريركية (وثائق أبرشية دمشق )
  • سجل المجلس الملي البطريركي بدمشق ( 1905 – 1955 )
  • جوزيف زيتون : “آسية مسيرة قرن ونصف 1840 – 1990 “
  • مجلة ” المجالس ” بيروت 11 شباط 1955
  • رياض المعلوف ” العلامة المرحوم عيسى المعلوف – منشورات دير المخلص صيدا 1962 .

أضف تعليقاً