الخوري الشهيد نقولا خشة وابنه الخوري الشهيد حبيب خشة الدمشقيين

في زاويتنا هذه المخصصة للتعريف بأعلام الكنيسة الارثوذكسية وما قدّموه من أجلها نسلّط الضوء في بحثنا هذا على اثنين من أولئك الأعلام الأفاضل البسطاء والورعين ,هما كاهنان دمشقيان (أب وابنه) عاشا واستشهدا بعدما قدّما كل ما يمكن للمرء أن يقدّم من أجل نفسه، قدماه من أجل الرعية سواء في دمشق أو في غيرها بنكران ذات وتضحية قل نظيرهما، وتحدثت الألسنة ولا تزال باحترام وتَرَحُمْ عنهما. وقد يتبادر للأذهان في معرض استشهادهما أنهما من العصور المسيحية الأولى زمن الاضطهادات والشهادة لكنهما من مواليد القرن التاسع عشر واستشهدا في القرن العشرين. من هما وكيف كان ذلك؟ وسنبدأ بطبيعة الحال مع الأب الشهيد الخوري نقولا خشة:

وُلِدَ عَلَمنا في دمشق في 31 آب عام 1856 من أبوين تقيين هما يوسف خشة ومريم مقبعة، تلقّى العلم في المدرسة الأرثوذكسية الكبرى (الآسية) ثم تعاطى تجارة الحرير في شبابه إذ كانت تجارة الحرير وحياكته بيد رعية دمشق المسيحية حصراً في القرن الماضي.

منذ طفولته رُبي على حب الكنيسة ونكران الذات والإندفاع من أجلها ولمع نجمه وأضاء في المحاولة الأولى التي سعى بها أبناء الكرسي الانطاكي المقدس منذ الأزمة البلغارية عام 1870 حتى 1885 لإنتخاب بطريرك عربي بعدما كانت السدة الإنطاكية ومنذ 1724 زمن نشوء الكثلكة بين صفوف أبناء الكنيسة الأرثوذكسية خاصة وقفاً على البطاركة اليونان المنتخبين من قبل الكرسي القسطنطيني. ومن أهم أعلام تلك الفترة وهذا النشاط الطيبو الذكر: السيد ديمتري شحادة وكان يُقيم في القسطنطينية (1)، والسيد جرجي مرقص(2) المقيم في موسكو، والمطران ملاتيوس دوماني(3)، والمطران غفرئيل شاتيلا(4)، والشماس جراسيموس مسرة(5). ونظراً لنفاذ كلمة البطاركة لدى السلطات العثمانية آنذاك فقد عانى عَلمنا مع أفراد الجمعية الأرثوذكسية الوطنية الدمشقية بصفته أحد أبرز زعمائها الكثير من المضايقات. لكن ذلك لم يثنه والذين معه عن عزمهم واستمرت الإنتفاضة الوطنية في العشر الأخير من القرن الماضي حتى أثمرت عن تنحي البطريرك اسبريدون وانتخاب مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني بطريركاً إنطاكياً وتثبيته بفَرَمان سلطاني عام 1899.

وكان عَلَمنا السيد نقولا خشة قد تولى رئاسة أو عضوية جمعية المدارس الأرثوذكسية بدمشق وكانت هذه الجمعية المرتبطة بالمجلس الملي تشرف على المدارس الأرثوذكسية في دمشق وهي: الآسية ومدرسة البنات (حالياً ثانوية الياس قدسي خلف الكاتدرائية المريمية) ومدرسة القديس يوحنا الدمشقي في محلة القصاع الناشئة في أواخر القرن الماضي، ومدرسة القديس نيقولاوس الكائنة داخل الصرح البطريركي. ولعب دوراً رئيساً في تطور هذه المدارس وتحديث أساليب الدراسة فيها وتوحيد المناهج المعتمدة في جميعها.

وفي فترة المضايقة الآنف ذكرها انتقل السيد نقولا إلى مصر التي كانت مُلتقى لنخبة المتنورين الشاميين (أرباب القومية العربية) الذين فروا من مضايقات الشرطة العثمانية السرية، وبقي هناك مدة ثمانية أشهر محاولاً تطوير عمله فيها وخصوصاً في التجارة إلا ان النجاح لم يكن حليفه هناك فقرر العودة إلى موطنه دمشق ليجد ان الرعية هناك قد أجمعت على انتخابه كاهناً وراعياً لها. وقد وافق البطريرك ملاتيوس على ذلك فوراً نظراً لما عهده من صفات علمنا فرسمه شماساً في الكاتدرائية المريمية بتاريخ 25 آذار 1900 وكاهناً في 3 حزيران 1900 وكان بالطبع قد تزوّج ورُزِق ولده حبيب وإخوته.

انصرف الخوري نقولا بكل همة وحكمة في خدمة الرعية ورئس مدة طويلة جمعية القديس يوحنا الدمشقي التي كانت تمتلك مكتبة خاصة متميّزة ضمّت موجودات مخطوطة ومطبوعة تُعد الأولى من حيث النوعية والكمية(6) وبكل اللغات بالإضافة إلى وسائل إيضاح تعليمية إذ كانت أولى أهداف هذه الجمعية تطوير العلوم لأبناء الرعية بدمشق. أما موقع هذه الجمعية ومكتبتها فكان في المدرسة الاسية ويمكن تحديدها الآن فوق حرم الطريق الموصل بين مبنى الاسية الحالي ومدرسة الصغار حيث لا تزال بقايا أقواس بارزة من جدار مدرسة الصغار الخارجي الشرقي تدل على ذلك.

كان الخوري نقولا محترماً جداً من الرئاستين الزمنية والروحية ومحبوباً جداً من رعية دمشق , لذلك فإن النجاح كان حليفه في فض الخلافات. وظهر دوره بأجلى بيان عندما أسند له البطريرك ملاتيوس النيابة البطريركية بدمشق عندما زار غبطته عام 1900 بعض أبرشيات الكرسي الإنطاكي في لبنان والأسكندرونة وإنطاكية(7). فقد أظهر مقدرة فائقة في الدفاع عن مصالح الكنيسة لدى السلطات العثمانية أوجبت إحترامها لشخصه. وتولّى أيضاً ولفترة طويلة وكالة دير سيدة صيدنايا البطريركي فتحسنت وارداته وضبطت أموره المالية بفضل زياراته الميدانية المتواترة للدير وتفقده لأوقاف الدير في دمشق وبيروت وغيرها وسعيه لإنشاء أمطوش للدير في دمشق يُخصص كمبيت لراهبات الدير في حال زيارتهن لدمشق. وكان يتابع بشكل دقيق جني المحاصيل من بستان الدير ويُشرف على تخزينها والإتجار بها وسعى لإصلاح الكثير من غرف الدير.

كان الخوري نقولا واعظاً وخطيباً لامعاً تشهد أرجاء الكاتدرائية لعظاته التي كانت تشد النفوس إلى الله، وكان راعياً حكيماً وشجاعاً بآن واحد في حل المشاكل المستعصية الناشبة بين أفراد الرعية وأهمها ما كان يؤدي إلى خروج البعض من الحظيرة الأرثوذكسية إلى الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية. لذلك أوفده البطريرك ملاتيوس مرات عدة إلى بعض الأبرشيات الانطاكية المترملة (بوفاة مطارنتها) لرأب الصدع وإعادة الأبناء المتغربين إلى كنيستهم. وكان النجاح حليفه على الدوام.

وفي سنة 1908 استعفى المطران ألكسندروس طحان من أبرشيته كيليكيا وهي واقعة الآن في جنوب تركيا وتضم مدن مرسين وطرسوس وأضنة (وكانت وقتئذٍ تابعة للأراضي السورية ) بسبب صعوبة الحياة فيها , وتدنّي وارداتها , والنزاعات الشديدة الحاصلة بين أبناء الكنيسة من عرب ويونان. فوقع اختيار البطريرك غريغوريوس حداد على الخوري نقولا فأوفده إلى هذه الأبرشية منتدباً بطريركياً ووكيلاً حيث جعل مقره في مرسين وكانت حياته فيها سلسلة من الجهاد والعمل الدؤوب فأزال أولاً كل الخلافات من بين أبناء رعيته ووحّد كلمتهم وجذبهم جميعاً إلى الكنيسة ونظراً لحسن علاقاته مع والي مرسين فقد سعى إلى إصلاح الأوقاف وإعادة بناء كنيسة رؤساء الملائكة بشكلها الحالي الجميل(8) وعمّر قبة الجرس وأعاد فتح مدرستي الصبيان والبنات في حرم الكنيسة فأصبح عددهم في المدرستين يربو على 300 تلميذ وتلميذة. كما اهتم بالجمعيات فأنشأ جمعية زهرة العفاف للسيدات حيث أوكل لها أمر العناية بمدرسة البنات فيما انصرف هو إلى إدارة مدرسة الصبيان وتدريس العديد من المواد الدراسية فيها كما عزز دور مجلس ملي مرسين في الكنيسة ولدى السلطات ورعى جمعية مساعدة الفقراء وهم الذين نالوا نصيباً أكبر من اهتماماته.

ولفقيدنا مواقف مشهودة في الدفاع عن حقوق الكنيسة وبقية الرعايا المسيحية الأخرى في المنطقة وخصوصاً عندما بدأت حملات إبادة وتهجير وتطهير عرقي في الأناضول استمرّت منذ عام 1910 وحتى سلخ كيليكيا عن سورية عام 1922 وأسفرت عن استشهاد مئات الألوف من المسيحيين من مختلف الكنائس. وقد اتصف في تلك الفترة بالكرم رغم فقره الشديد والحلم والإرادة الحديدية والحكمة والثبات في المواقف والعطف على المظلوم. ولم ينسَ لطفه ورعايته أولئك المناضلون الذين حكم عليهم ديوان الحرب العرفي في عالية برئاسة السفاح جمال باشا بالنفي إلى كيليكيا في فترة (سفربرلك) وكانوا من الضباط العرب من أبناء دمشق وبيروت وبغداد ومن مختلف الأديان.

اســتـشـهاده

بالنظر لهذه المواقف الوطنية الشجاعة التي ضاق بها صدر السلطات الأمنية التركية راحت هذه السلطات تتحيّن الفُرَص للإيقاع بالخوري نقولا وتم لها ذلك في عام 1917.

كيف تم ذلك؟

في عام 1917 كانت الحرب العالمية الأولى في أواخرها وكانت مساعي الحلفاء والشريف حسين والمواطنين متّحدة للتخلص من النير التركي. قام أحد

أفراد الرعية الأرثوذكسية في مرسين واسمه جرجي بالسفر إلى قبرص والإتصال بقنصل بريطانيا فيها وهو اللورد أبيلا وأخذ منه رسائل إلى عدة أشخاص في مرسين للبدء بمقاومة الأتراك. وعند عودته إلى مرسين اتصل بالخوري نقولا الزعيم المحبوب وأنبأه بما جرى معه فنصحه الخوري بالحذر وقام بحرق الرسائل بوصفها وثائق إدانة مادية بحق جرجي في حال وقوعها بيد الأتراك.

إلا أن الأعين السرية التي كانت قد رصدت تحركات جرجي كلها دفعت بقومندان مرسين (بهاء الدين) إلى اعتقاله وإخضاعه للتعذيب ليعترف بشركائه فاعترف بهم وكان أولهم الخوري نقولا. وكان بهاء الدين ذا نزعة طورانية (تركية متعصّبة) ذميمة جداً, ويكره الخوري نقولا بشكل خاص لدفاعه عن حقوق الكنيسة ورعايا مرسين المسيحية كلها. لذلك كان فرحه لا يوصف بذلك , فألقى القبض على الخوري نقولا والباقين , وأخضعهم لتعذيب وحشي من جلدٍ بالسياط إلى قلعٍ للأظافر وتكسير للأضلاع.

وكان التعذيب الأكبر من نصيب الخوري , كونه الزعيم ,وقد تمثًّل بعملية تكسير منتظمة لأضلاعه إذ كان جلاّده ضخم الجثة يُلقي بجسمه الثقيل على صدر الخوري نقولا النحيل, وكان الأخير يتمتم بفصول من الكتاب المقدس وهو يتعرض لهذه العذابات والآلام المبرحة حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد أن كسَّرَ الجلاد جمجمته وسط سرور بهاء الدين. أما بقية الموقوفين وكان عددهم 22 شخصاً فقد استمر تعذيبهم حتى دخلت القوات الفرنسية كيليكيا عام 1918 فأُخلي سبيلهم مع انسحاب الأتراك منها.

وجدير ذكره أن فرنسا قلبت ظهر المجن للشريف حسين وخانت عهودها معه, وسلّمت كيليكيا إلى تركيا لتضمن حيادها في أية حرب عالمية مقبلة ضد ألمانيا. فدخلت قوات أتاتورك إليها مجدداً وضمتها إلى تركيا وهجّرت القسم الأعظم من سكانها من عرب وأرمن ويونان, ومنهم مطرانها مثلث الرحمات ملاتيوس قطيني. وكان ذلك في عام 1922 حيث أتبعتها بمذابح جماعية في أزمير والأناضول وماردين أسفرت عن ذبح وتهجير أكثر من مليون عربي ويوناني وأرمني وغيرهم من مسيحيي تركيا.

دفن الخوري الشهيد نقولا خشة في مدفن الكهنة بمقبرة مرسين التي كانت تمتد من غرب الكنيسة حتى شاطئ البحر، إلا أن بلدية مرسين استملكت هذه المقبرة في الأربعينات وشقت فيها شارعاً رئيساً مطلاً على البحر فأندثرت معالمها وضاع معها قبر الخوري نقولا الشهيد. وهذا ما كنا قد حصلنا عليه من شهادات شفهية لبعض المعمرين والمعمرات من مرسين من أبناء رعيتنا الأرثوذكسية أثناء زيارة غبطة مولانا البطريرك إلى مرسين 1992(9)

الابن الخوري الشهيد حبيب خشة

مولده ونشأته وكهنوته

وُلِدَ حبيب نقولا خشة في دمشق عام 1894 وكان البكر في عائلة مؤلفة من ثمانية أولاد. تلقّى علومه الابتدائية والثانوية في مدرسة عينطورة ثم تابع دراسته الجامعية في الجامعة الاميركية في بيروت وتخرّج عام 1914 حائزاً على شهادة بكالوريوس في الآداب. وقبيل الحرب العالمية الأولى انتقلت عائلته إلى مرسين حيث خدم والده ككاهن للرعية هناك كما سلف. وبعد استشهاد والده نزحت الأسرة إلى بورسعيد حيث تزوج هناك من السيدة وديعة توما وهي من عائلة سورية انتقلت إلى مرسين ثم إلى بورسعيد عام 1922.

عمل حبيب في بورسعيد محاسباً ومترجماً لدى شركة (وورز للنفط والتصدير) وذلك ما بين 1922 ــ 1924 رُزق خلالها طفلته “جولييت” ثم انتُدب إلى فرع الشركة في بيروت عام 1924 وخلال فترة وجوده في بيروت رُزق أطفاله الثلاثة: مارسيل وفدوى ونيقولا.

وفي 31/1/1931 استقال من عمله ليدخل سلك الكهنوت وانتقل وعائلته إلى دمشق وبعد معارضة زوجته له أمضى فترة سنة كاملة ثم رسم كاهناًعام 1932 بيد المثلث الرحمات البطريرك ألكسندروس طحان في الكاتدرائية المريمية حيث خدم فيها حتى عام 1935.

رُزق طفلاً خامساً “سليم” في دمشق. وفي عام 1935 توفي ابنه نيقولا إثر مرض مفاجئ وكان في عامه الخامس. إذ ذاك غادر الخوري حبيب دمشق ومعه عائلته إلى بورسعيد حيث خدم فيها ككاهن طيلة عام كامل عاد بعدها إلى دمشق عام 1938 حيث زاول الخدمة في رعية القصاع حتى عام 1940 حيث نُقل إلى القاهرة لرعاية الأرثوذكس السوريين هناك.

بقي الخوري حبيب في القاهرة حتى عام 1943 ثم عاد مجدداً إلى رعيته في دمشق.

مزاياه

اشتهر الخوري حبيب بعظاته البليغة وكان يذهب إلى القداس الإلهي صباح كل يوم وبعد ذلك يقضي ساعتين في المطالعة في البيت ثم يذهب في زيارات تفقدية لأفراد الرعية حتى موعد الغداء وبعد فترة استراحة لم تكن تتجاوز الربع ساعة كان يعود إلى القراءة حتى الرابعة بعد الظهر ثم يتابع زياراته الرعائية حتى المساء وفي آخر الأسبوع كان يقصد دوماً دير القديسة الشهيدة تقلا البطريركي في معلولا.

كان الخوري حبيب يعيش في بيته حياة زهد وصلاة وصوم. وإن قُدمت له جبّة ثانية يعطيها لكاهن محتاج. كان الفقراء أصدقاؤه، يجلس إليهم مرحاً وكان مشهوراً بروح النكتة. عُرِفَ بعطائه السخي وكان الدمشقيون يتحدثون عن هذا السخاء فيعطي للسائلين كل ما في جيبه وقد أخذت عن جدي فارس زيتون رحمه الله (وكان صديقاً مشتركاً لعلمنا وللخوري أيوب ويحاول التوفيق بينهما دوماً) انه كان يستدين المال مقابل سندات تستحق الوفاء عليه وذلك لتجهيز ابنة أرثوذكسية فقيرة دفعها فقرها وتغرير أحدهم لتلحق به وتترك مسيحيتها وكثيراً ما ذهب في الليالي (ومعه جدي) إلى خارج دمشق ليعود ومعه الإبنة ويزوّجها فوراً من شاب أرثوذكسي فقير من رعيته بهذا المال الذي استدانه. كما يروي عنه أهل رعيته (ومنهم جدي) انه عندما كان يعود إلى بيته ظُهراً بعد تطوافه الرعائي الذي قد يصل سيراً على الأقدام إلى منطقة العفيف(10)يبادر إلى أخذ الطعام الذي كانت زوجته تعده للأسرة على الغداء ويضعه في وعاء ويحمله تحت جبته , ويعطيه لأسرة فقيرة من رعيته مرافقاً بإحتجاجات صارخة من زوجته.

وكانت هذه الزوجة تستنجد بأشقائه في مصر لذلك كان شقيقه يوسف يدفع لها مرتباً شهرياً يرسله بحوالة مصرفية إلى دمشق وباسمها تحديداً.(11)

ويقول الأخ اسبيرو جبور أنّ علمنا دعمه مثلث الرحمات الياس معوض في تأسيس مركز مدارس الأحد عام 1945 إذ كان الشباب مرتكزاً لعمله الرعائي.

شابه الخوري حبيب والده الشهيد الخوري نقولا بالشكل والمضمون فكانت عيناه غائرتين في وجه نحيل يشع منه النور، جسمه نحيل من عظم وجلد لأنه يكتفي بالنذر اليسير من الطعام، وكان بعيداً عن الشهوات الجسدية بحيث انه قطع علاقاته الزوجية مع زوجته منذ رسامته وحتى وفاته. أما دعوته الكهنوتية فكانت إلهية على غرار دعوة والده الشهيد نقولا. أما من ناحية حبه للعلم وبثه في صفوف أبناء رعيته فإن الوثائق البطريركية توضح لنا بعضاً من الجهد الكبير الذي كان يبذله في مدرسة القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية بالقصاع {وفق شهادات العديد ممن قام بتدريسهم (ومنهم والدي جورج)} حيث كان قد تبرع للتدريس فيها مجاناً.

ولع علمنا كثيراً بالآثار القديمة ودراستها وإظهار ما يتصل بالأديان (وهنا يتفق والخوري أيوب سميا في محبة التاريخ) وكان يعتز بمسقط رأسه دمشق كثيراً ويركّز في عظاته وحديثه على دورها الرئيس في نقل المسيحية إلى العالم وبالتالي كان يحاول جاهداً ثني من يحاول الهجرة عنها وعن الوطن إلى بلاد الاغتراب.

قيل عن الخوري حبيب الكثير مما يشبه الأساطير منها انه كان يتجلى في بعض الأحيان أثناء خدمة الذبيحة الإلهية فيرتفع عن الأرض بمقدار 30 سم لذا وصفه معاصروه بالقديس.

كان الدمشقيون الذين عاصروا والده الشهيد يقولون أنه يصلي لكي يموت شهيداً مثل أبيه وفعلاً ختم هذا القديس الجديد حياته بالاستشهاد فكيف تم ذلك

اســـــتـشـهاده

ترك الخوري حبيب دمشق بعد ظهر الخميس 15 تموز 1948 إلى عرنة حيث قضى ليلته في بيت السيد يوسف صليبا، وفي الساعة الخامسة من صباح الجمعة 16 تموز انطلق إلى سفح جبل الشيخ الغربي برحلة علمية رياضية ورياضة روحية للتأمل وحيث توجد آثار قديمة رومانية ويونانية. ويقول الأب الخوري أيوب سميا معاصره: “طلب أن يصعد إلى جبل الشيخ العالي فلم يسمحوا له (آل صليبا) لأنه لم يوجد في ذلك الوقت أحد يصعد معه فقال: إني ذاهب مع المهندسين الحكوميين الموجودين هناك وهم من دائرة تنظيم المدن السورية ومعهم عبدالله يوسف صليبا فذهب معهم إلى عين السنونو التي تبعد عن البلد (عرنة) ربع ساعة جنوباً في الجبل، وهناك بقي المهندسون بينما صعد هو إلى عين جفنة التي تبعد عن عين السنونو غرباً مدة ربع ساعة ومنها وبعد استراحة ثانية صعد إلى مكان يلقب (وعرة الشعارنة) ويبعد خمس دقائق غرباً وبين الجميع طريق خاصة غير مشهورة يسلكها الحطّابون والمهربون وسميت الوعرة لوجود آثار بيوت قديمة خربة كانت مسكونة من بعض أهالي قرية عين الشعراء (عين الشعرا)، وهناك جلس يستريح الإستراحة الثالثة ويبدأ خلوته الروحية وكان يقرأ في الكتاب المقدس وكان موقعه هذا في ثلثي الطريق إلى قرية شبعا في الجنوب اللبناني. وبينما كان يتفيأ بظل صخرة كبيرة مرّت به قافلة من المهربين مؤلفة من عشرة أشخاص اعتادت تهريب الحبوب والقمح على الدواب من سورية من جهة بيت جن إلى شبعا فاستغربوا وجوده هناك وسألوه عن هويته فأجابهم بكل الإيضاحات فظنّوه جاسوس يهودي إلا انه لفت نظرهم إلى ثوبه الكهنوتي فقالوا له :”اننا لم نقتنع بذلك “فطلب منهم توصيله إلى أقرب مخفر درك سوري أو لبناني للتثبت من هويته, لكنهم اقتادوه إلى وادٍ سحيق, ثم نزعوا عنه ثيابه وساقوه عارياً ولما لم يعد يقدر على المشي ضربوه وجروه حتى وصلوا به إلى الأراضي اللبنانية ,وتابعوا تعذيبه حتى لم يبق مكان في جسمه لم يُهشّم. ثم أصعدوه إلى صخرة عالية جداً, وألقوا به إلى الوادي فانكسر عموده الفقري وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها.

وفي أثناء تعذيبه مرّ فتى مسيحي من عرنة واسمه سليم ابراهيم شاهين وعمره 12 سنة من المكان وكانت الساعة الثالثة ظهراً, فنظر أحدهم يحمل الخوري عارياً بشكل مقلوب , فسألهم عنه فقالوا له أنه يهودي. فأسرع إلى عرنة ووصلها في الساعة الخامسة ,فرأى البلدة مضطربة لطول غياب الخوري حبيب فقال لهم عما شاهده فأيقن الجميع انه هو الخوري حبيب, وانه قتل بلا شك. فأسرعوا واعلموا مخفر المنطقة السوري الذي اتصل بدوره بمخفر درك شبعا اللبناني, فتوجهت قوة مشتركة سورية لبنانية إلى المنطقة, وعثرت على جثة الخوري حبيب عارية والدماء تغطيها, والكسور بادية فيها وبالأخص العمود الفقري , فنُقلت الجثة إلى دمشق وسجي في الكاتدرائية المريمية حيث صلى غبطة البطريرك ألكسندروس عليه ورثاه بكلمة أبوية وصفه في مستهلها بالقديس، ثم دُفن في مدفن الكهنة في مقام القديس جاورجيوس في المقبرة الأرثوذكسية.

وقد تعرّف الفتى سليم على الجناة الذين ادّعوا أنهم ظنوه جاسوساً يهودياً ,لأنه كان مختتناً. وقد نظر المجلس العدلي اللبناني في هذه الجريمة وقرر الحكم بالإعدام على المتهم الرئيس فيها المدعو (أحمد علي حسن أبي الحسن) شنقاً حتى الموت.

وقد تظلّم أهالي قرية شبعا لدى رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ بشارة الخوري لتخفيف الحكم وأوضحوا بعدهم عن الطائفية وأن هذه الجريمة لم ترتكب بحق “خوري” بقدر ما ارتكبت بحق “جاسوس يهودي” كما بدا لهم.

إلا أن المجلس العدلي ورئيس الجمهورية أكدا الحكم وصدّقه رئيس الجمهورية ونُفذ الإعدام شنقاً به فجر السبت 25 أيلول 1948 في سجن الرمل ببيروت.

وهكذا تحقق للخوري حبيب ما كان يتمناه وهو السير على درب والده حتى الشهادة فنالها وقد كانت ظروف الحياة لكليهما واحدة كما كانت الوفاة واحدة تحت التعذيب وبعد كسر العظام.

 

ــ الخوري حبيب خشة شهيد الكنيسة والوطنية.

ــ الوثائق البطريركية أبرشية دمشق ــ بيروت.

ــ سجل جلسات المجلس الملي للقرن الماضي.

ــ د. أسد رستم ج3 كتاب كنيسة انطاكية.

ــ جوزيف زيتون انطاكية عبر التاريخ (قيد الصدور).

ــ روايات شفهية دمشقية من معاصريه.

ــ وثيقة عن استشهاد الخوري حبيب بخط يد الأب المرحوم أيوب سميا.

ــ بعض الصحف السورية واللبنانية تموز آب ايلول 1948 (ألف باء الدمشقية ــ الدنيا البيروتية ــ بيروت ــ الحياة…).

ــ اسبيرو جبور: المرأة في نظر الكنيسة: منشورات مطرانية اللاذقية.

1- أنظره في عدد النشرة (2) ايار 1992.

2- أنظره في عدد النشرة (6) ك1 1992.

3- أنظره في عدد النشرة (1) آذار 1992.

4- أنظره في عدد النشرة (1) ك2 1993.

5- أنظره في عدد النشرة (9) ت1 1993.

6- تشكّل الآن جزءاً من المكتبة البطريركية.

7- أنظرها في كتابنا زيارة البطريرك إغناطيوس الرابع إلى انطاكيةوالاسكندرونة وكيليكيا.

8- أنظر وصفها في المصدرذاته (زيارة البطريرك إغناطيوس الرابع إلى انطاكية).

9- انظرها في كتابنا المصدر ذاته .

10- اسبيرو جبور: المرأة في نظر الكنيسة 1994.

11- شهادات شفهية من معاصريه وجميعهم محبون له .

أضف تعليقاً