الأناجيل المنحولة

مقدمة في الإنجيل ــ المصطلح والواقع

إن كلمة إنجيل ايوانجليون اليونانية تعني البشرى أو البشارة أي الخبر السار، وتدل في العرف المسيحي على البشارة التي حملها الرب يسوع إلى الناس، إذ جاء ليخلّصهم من الخطيئة وينشئ ملكوت الله في الأرض. إلى هذا المعنى كذلك أشار الملاك بقوله للرعاة في ليلة الميلاد: «لا تخافوا! ها أنا أبشركم بخبرٍ عظيم يفرح له كل الشعب: وُلِدَ لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الربّ» (لوقا2: 10).

من الثابت أن يسوع المسيح لم يكتب شيئاً ولم يترك للناس من بعده كتاباً أوحي به إليه من السماء، بل ترك ذاته بين الناس ــ سيرةً وتعليماً وحياةً… بشرى محبة الله للناس وقدوة في محبة الناس لله وللناس.

يشمل إنجيل الرب يسوع، هذا الذي يحمل البشرى الإلهية، ميلاده ومعجزاته وتعليمه، وأعماله وآلامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء التي سُميّت الكتب الأربعة التي دوّن ما فيها متى ومرقس ولوقا ويوحنا بإنجيل يسوع وبالعربية البشير. فالإنجيل ليسوع وجوهره واحد، وهو انه خلص الناس من الخطيئة، وإن كانت له أربع روايات لا تختلف إلا في العرض، كالإنشاء والأسلوب والترتيب: فيها ما ذكره الأربعة، وفيها ما ذكره ثلاثة منهم، وفيها ما انفرد بذكره واحد منهم. مرّت كلمة الإنجيل في استعمالها التاريخي بثلاث مراحل:

1ــ في كتابات المؤلّفين اليونانيين القدامى، وكانت تعني المكافأة على نقل أخبار طيبة.

2ــ في كتابات المؤلفين اليونانيين المتأخرين، وأضحت تعني الأخبار الطيبة فقهيا.

3ــ وأخيراً في مدلولها الحالي للرب يسوع.

على أن الإنجيل ليس مجرد كتاب يتضمن أعمال السيد وأقواله، بل «هو قوة الله لخلاص كلّ مَن آمن (رومية1: 16) وبالإضافة إلى هذا، فقد استعملت كلمة (سر) أو (أسرار) كمرادف للإنجيل حيث يقول بولس الرسول: «فليعتبرنا الناس خدماً للمسيح ووكلاء أسرار الله» (1كور4: 1).

حمل الرسل هذا السر أو هذه الأسرار، هذه القوة الخلاصية وبشّروا بها جميع الأمم على قول يوحنا: «الذي كان من البدء، الذي سمعناه بآذاننا ورأيناه بعيوننا، الذي تأملناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة» (1يوحنا1: 1) واجتاحوا العالم المعروف، على قلّة عددهم الضئيلة، ولمّا يمض على حملهم الأمانة عشرون عاماً، دون أن يكونوا بحاجة إلى سجلات تذكرهم بيسوع وسيرته وتعاليمه، إذ كانوا ما زالوا مغمورين بحضوره وصورته، بصوته وكلامه ومعجزاته، فلم يدوّنوا شيئاً، بل كانوا هم الإنجيل المنطوق.

منذ بدء اجتياحهم العالم وحتى استشهاد أوّلهم (أو بعضهم) زرعوا جماعات من معتنقي هذه البشرى في القدس وسائر فلسطين، في دمشق وفي انطاكية، ومنها في كل العالم شمالاً وشرقاً… وما لبثت أن نشأت أسقفيات ومراكز أسقفية. عند ذاك برزت ضرورة تدوين البشرى بشكل موثوق لا يرقى إليه الشك ولا يحرَّف ولا ينال منه الزمن، سيما وان شهود البشرى كانوا لا يزالون على قيد الحياة. هكذا دوّن الشهود الأربعة البشارة الواحدة برواياتها الأربع بكل أمانة ودقة رغم تقدمهم بالسن ورغم التأثيرات الدينية الوثنية، أو الحزبية الإقليمية، أو العصبية اليهودية المتزمتة التي كانوا يخضعون إليها، فجاءت هذه الروايات وفق ما يلائم المعطيات الذهنيّة والدينية والفكرية والاجتماعية لمختلف البيئات المعروفة آنذاك من يهودية ويونانية ورومانية وعربية وقبطية….

سنستعرض في موضوع مستقلّ روايات البشرى الأربع حسب متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وقبل أن ننتقل إلى تحليل الإنجيل المنحول المسمّى «إنجيل برنابا» ــ الذي سنعالجه في موضوع مستقلّ ــ يجدر بنا أن ننوّه إلى أن متّى ويوحنا استقيا معلوماتهما من يسوع مباشرةً، لأنهما كانا من الرسل الأولين، فيما استقى مرقس ولوقا معلوماتهما من مريم العذراء ومن هامتي الرسل، هذا من بولس، وذاك من بطرس، وكانا بمثابة أميني سر لهما ورفيقي طريق.

الأناجيل المنحولة

منذ العصور القديمة، ترافقت كبريات الحركات الفكرية والدينية والأدبية بظاهرة الأدب المنحول. وما كانت المسيحية، بعيد ظهورها وانتشارها، بمنأى عن بروز مثل هذه الظاهرة في صميمها، فانتشرت، هنا وهناك في حوض المتوسط، ومنذ أواخر القرن المسيحي الثاني، مؤلّفات كثيرة نسبت إلى هذا أو ذاك من الرسل الأولين.

إن لبروز مثل هذه الظاهرة أسباباً كثيرة ليس من العسير تقصيها، منها ما كان نفسيّاً اجتماعياً، ومنها ما كان عقائدياً لاهوتياً.

تحمّس المسيحيون الأوائل لنشر كلّ ما يمت لحياة المسيح بصلة، تعويضاً عن صمت الإنجيل «الرسمي» على بعضٍ من سيرة المسيح والرسل، فكتبوا كتابات تجاوزت كل الحدود، إذ خلطت الواقع بالخيال والتاريخ بالأسطورة. كما أنهم كتبوا بدوافع عقائدية إذ كان عليهم أن يواجهوا:

ــ أولاً، تصميم اليهوديّة المتهاوية على مقاومة المسيحية الناهضة.

ــ ثانياً، تسلّل البدع الجديدة إلى صلب العقيدة الجديدة، وظهور أناجيل تنطوي على بعض الانحرافات العقائدية من مثل «الإنجيل بحسب بطرس» الذي يدّعي بأن المسيح شبّه للناس، في حياته ومماته، بشراً لا أكثر، و«إنجيل المصريّين» الذي يدعو إلى «تزمّت خانق» إذ لا يرى أي خيرٍ في الحياة فيدعو إلى الزهد المطلق ويحرّم الزواج، و«الإنجيل بحسب توما» و«الإنجيل بحسب فيليبس» اللذين يأخذان بمبدأ الغنوصية(1) فيجعلان المسيح خليقةً متفوّقة في سلسلة الخلائق الكثيرة الممتدة من الله إلى الإنسان، لا أكثر.

كثرت الكتب المنحولة كثرة عجيبة، وتنوّعت بحيث أصبحت تقابل في نوعيتها أسفار العهد الجديد، وحفظ لنا التاريخ من بعضها (مجرّد اسمها)، ومن بعضها الآخر نصوصه الكاملة ويأتي في طليعة هذه الكتب «الحديث» وهو مجموعة معروفة باسم «أقوال المسيح» ضمّت عبارات نسبت إلى المسيح ولم يأتِ الإنجيل المعتمد على ذكرها قط. ومن ثم مجموعة معروفة باسم «الأناجيل» وفيها ما يسمى «بأناجيل الطفولة» و«أناجيل الآلام».

تضمّ أناجيل الطفولة أربعة أسفار هي:

1ــ إنجيل يعقوب ويعود إلى القرن الثاني ويسرد سيرة العذراء من مولدها المعجز إلى ولادتها الرب يسوع مع إقامتها في الهيكل.

2ــ إنجيل يوسف النجار ويعود إلى القرن الرابع أو الخامس ويسرد على لسان المسيح سيرة يوسف خطيب مريم قبل زواجه منها وبعده إلى يوم وفاته وقد بلغ المائة وإحدى عشرة سنة من العمر.

3ــ الإنجيل العربي يعود إلى القرن الخامس وهو يسرد الخوارق التي رافقت مولد المسيح وهربه إلى مصر ونشأته هناك وعودته إلى فلسطين حتى بلوغه الثانية عشرة من عمره، ومن هذه الخوارق أن الأصنام في مصر كانت تتهاوى لدى مروره بها، وأنه صنع من الطين طيراً حياً، وأنه حوّل بعض أترابه المزعجين إلى تيوس، وأنه شلّ يد معلم أراد تأديبه، وأنه قتل بكلمة طفلاً صدمه…

4ــ إنجيل انتقال مريم يعود إلى القرن الرابع أو الخامس وهو يروي موت مريم وتنادي الرسل من أطراف الدنيا لحضور مأتمها، ثم انتقالها بالجسد إلى السماء.

أما أناجيل الآلام، فهي:

إنجيل بطرس وقد عثر على نسخة منه سنة 1886 في مصر ونشر سنة 1892، يرجّح أنّه يعود إلى القرن الثاني وهو يسعى إلى إلصاق جريمة قتل يسوع باليهود وحدهم مبرئاً ساحة بيلاطس.

إنجيل نيقوديموس يعود إلى القرن الرابع، وهو يسرد تفاصيل محاكمة المسيح وموته وهبوطه إلى الجحيم قبل قيامته، حاملاً للموتى بشرى القيامة العتيدة.

الأعمال وتضم خمسة أسفار هي أعمال يوحنا، أعمال بطرس وأعمال بولس وأعمال اندراوس وأعمال توما، ويبدو أنها كانت تؤلف وحدة متكاملة تعود إلى القرن الرابع. وهي تذكر حول سيرة الرسل وموتهم ما لم يذكره كتاب أعمال الرسل المعتمد، وتعتبر مرجعاً تاريخياً هاماً لمعرفة بعض الصلوات والعادات الكنسية والممارسات الدينية القديمة.

أما مجموعة الرسائل المنحولة فتضم رسالتين فقط وهما

رسالة الرسل وتعود إلى القرن الثاني وهي بالغة الأهمية على الصعيدين اللاهوتي والتاريخي لأنها تعكس كالمرآة معتقد المسيحيين الأوائل في ألوهية السيد وسيرته وتعاليمه.

رسالة برنابا التي عَثر عليها سنة 1859 العالِم الألماني تيشندروف في المخطوط السينائي الشهير، مما يشير إلى أنها كانت في الكنيسة الأولى، تعتبر فترة من الزمن، جزءاً من الكتاب المقدس. إلا أنه ليس فيها ما يشير إلى أنها من وضع الرسول برنابا. وكان أول مَن نسبها إليه اكليمنضوس الاسكندري في منتصف القرن الميلادي الثاني. وهو يدعو فيها إلى التحرر من وصاية اليهودية على المسيحية، ويشدّد على ضرورة إتباع طريق النور والمحبة والتضحية التي خطّها المسيح لأتباعه. ولكنه، إلى ذلك، لا يبدو أنه تحرّر كلياً من بعض التبعية لليهودية وبدعة الغنوصية معاً. ومهما كانت رؤيا يوحنا المعتمدة بمنأى عن منافسة بعض الكتب المنحولة الأخرى، مثلها في ذلك مثل سائر أسفار العهد الجديد، فقد ظهرت مجموعة منحولة تحمل هي أيضاً اسم «الرؤيا»، لكنها لم تضم إلا كتابين هما:

رؤيا بطرس وتعود إلى القرن الثاني الميلادي، عُثر عليها في مصر سنة 1886 وهي تمجّد عودة المسيح الثانية ديّاناً للبشر، وتصف أهوال العذاب في الجحيم، وطيب الإقامة في النعيم..

رؤيا بولس وتعود إلى القرن الثالث الميلادي، وهي تروي بتفصيل حادث انخطاف روحي حصل لبولس وأشار هو إليه إشارة عابرة في رسالته الثانية إلى الكورنثيين (12: 2) ثم تسرد جولة قام بها برفقة ملاك ما بين السماء والجحيم وقد كان لهذه الرؤيا أثر ضخم في القرون الوسطى كما يعترف لها النقاد بفضل كبير على دانتي شاعر الكوميديا الإلهية.

ماذا كان موقف الكنيسة من هذه الموجة الطاغية من الأدب المنحول؟

كان من الصعب على الكنيسة الناشئة أن تتخذ من هذه المؤلفات موقفاً رسمياً حازماً وشاملاً، لذا حصل ثمة تردد وتحفّظ في شأنها، وكان على الإحساس المسيحي العام وحده أن يقرّر مأخذه عليها، وامتدّ التردد الذي أحاط برؤيا القديس يوحنا إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، حتى أجمعت الكنيسة فأُدرجت في قائمة أسفار العهد الجديد وكانت خاتمتها.

يتضمن من ذلك أن قبول أسفار العهد الجديد في الكنيسة ــ كما نعرف ــ لم يكن وليد وحي إلهي أو قرار كنسي أو استفتاء شعبي، إنما كان حصيلة إيمان عاشه المسيحيون الأوائل، في مختلف أبعاده الروحية واللاهوتية والفكرية والاجتماعية، بأمانة ونزاهة ومحاورات فكرية ومنازعات عقائدية واضطهادات متكررة زادتهم رسوخاً في أمانتهم ونزاهة في بحثهم.

كان من الطبيعي، بل من الضروري أن تسبق مرحلة التبلور هذه مراحل تردد وتحيّز، إلا أن الاتجاه العام في الكنيسة كان شديد القسوة في حكمه على الكتب المنحولة، وكان أكثر المفكرين الأولين قسوة عليها ايرونيموس الفلسطيني الذي عاش في القرن الخامس، وكان ينعتها «بأضغاث أحلام مريضة».

يقول رينان (وكان إلى فترة أكثر النقاد والمؤرخين تحاملا على المسيحية) في الأناجيل المنحولة: «إن الأناجيل المنحولة ليست إلا تحريفاً مضخماً وسخيفاً وصبيانياً للإنجيل الرسمي، وإنه لمنتهى التطاول على الأدب المسيحي أن توضع هذه المؤلفات التافهة على قدم المساواة مع الروائع الأدبية لكل من مرقس ولوقا ومتى. كما أنه يستحيل تصوّر ما هو أكثر سخفاً وهزالاً منها.

حواشي :

(1) الغنوصية بدعة نشأت في القرنين الميلادي الثاني والثالث، وهي أنظمة فكريّة تخلط مذاهب يهودية أو وثنية بالعقائد المسيحية أفسدت روح المسيحية، إذ اعترفت بثنائية تطابق بين الشرّ والخير (بين الجسد والروح) تأخذ بها نخبة من العارفين الذين يعترفون بالمعرفة السريّة بأنهم ينتمون إلى عالم آخر.

أضف تعليقاً