إنجيل برنابا في الميزان

  ظهر إنجيل برنابا في ترجمته العربية سنة 1908 وقد عرّبه الدكتور خليل سعادة ونشره السيد محمد رشيد رضا barnabas1منشئ مجلة المنار في القاهرة. وفي مقدمة المترجم وردَ ما يلي:

«أقدمت على ترجمة هذا الكتاب المسمى بإنجيل برنابا وأنا شاعر بخطورة المسؤولية التي ألقيها على عاتقي وإني لم أقدم عليها إلا خدمة للتاريخ وغيرة على لغةٍ هي أحق بنقله إليها من سواها…»

ويختم مقدمته بالقول: «ولا أرى مندوحة في الختام من التنبيه إلى أني قد التزمت في هذه المقدمة البحث في الإنجيل من الوجهتين التاريخية والعلمية فقط لأني ترجمته كما جاء في صدر هذه المقدمة خدمة للتاريخ دون سواه، ولذلك قد أعرضت كل الإعراض عن المناقشات الدينية المحضة التي أتركها لمَن هم أكثر كفاءة مني».

وفي موضوع آخر في هذه المقدمة يقول سعادة أنه نقله من الإنكليزية إلى العربية بإيعاز من محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار المصرية. وقد أعيد طبع الترجمة العربية سنة 1954 و1958 في القاهرة لكثرة ما تلقفته الأيدي بسبب ما أُثير حوله من ضجة وتساؤلات. فما هي قصة الترجمة الإنكليزية؟ وما هو الأصل؟

إن جميع التحريات العلمية تشير بوضوح إلى أن العالم لم يعرف هذا الكتاب قبل سنة 1709 عندما اكتُشف مخطوط إيطالي يحمل العنوان التالية ترجمته:

«الإنجيل الصحيح ليسوع المدعو المسيح، نبيّ جديد مرسل من الله إلى العالم، حسب وصف تلميذه برنابا».

قصة العثور على هذا الكتاب

وردَ في مقدمة الدكتور خليل سعادة أن الذي عثر على هذا المخطوط الإيطالي لأول مرة هو الكونت «جرامير» D.E.Gramer أحد مستشاري ملك بروسيا وكان مقيماً آنذاك في مدينة أمستردام بهولندا. ولا يعرف إلى اليوم كيف وأين عُثر عليه. ومن ثم أعاره جرامير سنة 1709 لأحد أصدقائه المدعو جون تولاند John Toland وبعد ذلك بأربع سنوات أهداه الأمير «أوجين ده سافوا» الذي كان على كثرة حروبه ومعاركه ووفرة مشاغله السياسية شديد الولع بالعلوم والآثار التاريخية. ثم انتقلت النسخة المذكورة سنة 1738 مع سائر محتويات مكتبة الأمير أوجين إلى مكتبة البلاط الملكي في فيينا حيث لا تزال هناك حتى الآن، بيد أنه وجدت في أوائل القرن الثامن عشر نسخة أخرى أسبانية تقع في 222 فصلاً و420 صفحة مطموسة آثارها نقلها الدكتور منكهوس الإنكليزي إلى الإنكليزية عام 1784 وقدّمها مع أصلها إلى الدكتور هويت، أحد مشاهير الأساتذة. وقد وجد المذكور تماثلاً تاماً بين هذه النسخة الأسبانية والنسخة الإيطالية ويقول أنه قد سُطّر في صدرها أنها مترجمة عن الإيطالية بقلم مسلم أروغاني يدعى مصطفى العرندي، ومصدَّرة بمقدمة يقص فيها مكتشف النسخة الإيطالية ــ وهو راهب لاتيني يسمى فرامرينو ــ كيفية عثوره عليها. كان هذا الراهب شديد الاعتزاز بكونه قد عثر على هذا الإنجيل. اتفق له أنه أصبح مقرّباً من البابا سكتس الخامس وحدث يوماً انهما دخلاً معاً مكتبة البابا، حيث ران الكرى على أجفان قداسته ، واغتنم فرامرينو الفرصة للمطالعة ريثما يفيق البابا، فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو هذا الإنجيل بالذات. كاد أن يطير فرحاً بهذه المصادفة، وخبأ الإنجيل ذخيرة ثمينة في أحد أرديته إلى أن استفاق البابا فاستأذنه بالانصراف حاملاً ذلك الكنز معه، وعندما خلا بنفسه طالعه بشوق عظيم واعتنق على إثر ذلك الدين الإسلامي.

هذه هي رواية الراهب على ما هو مدون في مقدمة النسخة الأسبانية كما رواها المستشرق سايل في مقدمته لترجمة القرآن.

في مضمونه وأقسامه 152912

يلخص مضمون إنجيل برنابا بالنقاط الأربع التالية:

1ــ القول بأن يسوع الناصري هو ابن الله كفر.

2ــ القول بأن يسوع الناصري هو المسيح كفر.

3ــ يسوع ليس أكثر من نبي.

4ــ أرسل المسيح ليمهّد لظهور المسيح الحقيقي، أي محمّد.

تلك هي القضية المطروحة فيه ولقد اتبع كاتبه أسلوباً جعله يكيّف سيرة يسوع المعروفة بحيث تأتي منسجمة مع القضية انسجاماً كاملاً حتى لو كانت تتعارض جذرياً مع التاريخ اليهودي والروماني والمسيحي. لذا اختلق ليسوع أولاً شخصية جديدة اختلاقاً كلياً حول مولد يسوع وسيرته وتعليمه، وخصوصاً حول آخرته…

واختلق ثانياً شاهداً لسيرة يسوع أسماه «برنابا» وبوأه المرتبة الأولى بين الرسل وحمّله وحده مسؤولية كتابة سيرة يسوع وتعاليمه.

قسّم كتابه إلى 222 فصلاً، تحتل الفصول 91ــ98 مكان القلب منه، ومهّد به بمقدمة تتفق في موضوعها الرئيس مع الخاتمة، جاء فيها قوله:

«برنابا، رسول يسوع الناصري المسمّى المسيح، يتمنى لجميع سكان الأرض، سلاماً وعزاء. أيها الأعزاء، إن الله العظيم والعجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة، بواسطة نبيّه يسوع المسيح، برحمة عظيمة، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر وداعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله دائماً مجوّزين كل لحم نجس، الذين ضلّ في عدادهم أيضاً بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطّر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع، لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله….»

أما سيرة يسوع فقد قسّمها إلى قسمين يشمل الأول منهما عشرة فصول تروي مولد يسوع وحداثته بتفصيل، فيما يشمل الثاني حياة يسوع العلنية منذ أخذ يبشر حتى يوم رفع إلى السماء. وقد وزّع فصول القسم الثاني على الشكل التالي:

1ــ يسوع يبدأ الكرازة ويجترح المعجزات (فصول10ــ46).

2ــ جنود روما يعبدون يسوع إلهاً، فتنشب في ذاته أزمة نفسية خانقة يتبرأ على أثرها من اعتبار الناس إياه إلهاً أولاً، ومسيحاً ثانياً، ويتنبأ بمجيء المسيح المنتظر… (فصول47 ــ 98).

3ــ يسوع يعود إلى التبشير، فيشغف به الشعب ويقرر تنصيبه ملكاً، فيهرب إلى دمشق ومنها إلى صور (فصول99ــ126).

4ــ يواصل تثقيف تلاميذه ويعلمهم ما يختص بالتوبة والصوم والصلاة والفضائل ويحملهم رسالته إلى الناس (فصول127 ــ 153).

5ــ يلتقي جنود رومه في الهيكل ويعلمهم ما يختص بالخطيئة والحرية والشر والقضاء والقدر (فصول 153 ــ 191).

6ــ يسرد «برنابا» أيام يسوع الأخيرة على الأرض «وموته» وارتفاعه إلى السماء (فصول192 ــ 222).

أما الخاتمة فقد جاء فيها قوله:

«والتفت يسوع إلى الذي يكتب وقال: يا برنابا، عليك أن تكتب إنجيلي حتماً وما حدث في شأني مدة وجودي في العالم. وأكتب أيضاً ما حلّ بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدّق كل أحد الحق».

«وبعد أن انطلق يسوع تفرّقت التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة. أما الحق المكروه من الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائماً. فإن فريقاً من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ، بشّروا بأن يسوع مات ولم يقم، وآخرون بشّروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام، وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله وقد خدع في عدادهم بولس. أما نحن فإنما نبشّر، بما كُتب، الذين يخافون الله ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله. آمين».

هذا هو مضمون إنجيل برنابا فكيف حوكم وأمام أي من المحاكم؟

مما لا شك فيه أن هذا الكتاب أراد أداء الشهادة أمام القرآن!!! كي يدعمه القرآن. وأراد أداء الشهادة أمام التاريخ لينقذ البشرية من أسطورة روّجها ذكي اسمه بولس. لذا تمت محاكمته أمام محكمتي القرآن والتاريخ.

أمام محكمة القرآن

في هوية يسوع

إن إنجيل برنابا يسلخ صفة المسيح عن يسوع الناصري وبشهادة على لسانه كما ورد في الفصول (36/6) و (70) و(72) و(91ــ97).

«أجاب الكاهن الأعظم: انه مكتوب في كتاب موسى أن إلهنا سيرسل لنا المسيح الذي سيأتي ليخبرنا بما يريد الله. يأتي للعالم برحمة الله، لذلك أرجوك أن تقول لنا: هل أنت مسيح الله الذي ننتظره؟ أجاب يسوع: حقاً ان وعد الله هكذا. ولكني لست إياه لأنه خُلق قبلي وسيأتي بعدي، سيأتي من الجنوب وسيبيد الأصنام وعبادة الأصنام وسيكون مَن يؤمن بكلامه مباركاً…»

وفي ردّه على سؤال الكاهن الأعظم عن اسم المسيح والعلامة التي تعلن مجيئه قال: «إن اسم المسيح عجيب… إن اسمه المبارك: محمد‍ حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله ‍ أرسل لنا رسولك ‍ يا محمد ‍ تعال سريعاً لخلاص العالم» (فصل91 ــ97).

أما القرآن فيقول في ذلك أنه على طرفي نقيض مع ما يدعي إنجيل برنابا: فالمسيح هو يسوع، هو عيسى ابن مريم ولا أحد سواه… ورد ذلك في سورة آل عمران في البشارة.

«إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشركم بكلمة منه اسمه المسيح، عيسى ابن مريم، وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقربين» (آل عمران 45).

وفي التعريف به في سورة النساء 170:

«إنما المسيح عيسى ابن مريم، رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه» «وفي سورة المائدة 78: «ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل» كذلك في آخرته (في سورة النساء 157) «وبكؤهم (اليهود) وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً‍ وقولهم: أنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ‍ وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شُبّه لهم. وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً». وفي تكفير القائلين بألوهية المسيح يقول القرآن في سورة المائدة 75: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم». وعندما يكفّر القرآن كل ترتيب للمسيح لا يسلخ عن ابن مريم صفة المسيح، فمَن هو المسيح الحقيقي إذن؟

في محكمة التاريخ

إن التاريخ علم وثائق، ومن لديه الوثائق يثبت مدعاه.

يسوع بين إنجيل برنابا والتاريخ 

يروي إنجيل برنابا عن مولد يسوع المعجز وعن طفولته وصباه أموراً كثيرة لا تمت بصلة إلى ما يرويه التاريخ، ثم إنها ليست بذات شأن، بالنظر إلى شخصية يسوع، كما حددت صورتها وسيرتها المصادر التاريخية، المعروفة والثابتة، من مسيحية ويهودية ورومانية. إن شخصية يسوع بحسب هذا الإنجيل الزائف تتعارض كلياً مع ما أجمعت عليه المصادر التاريخية نفسها إجماعاً كاملاً وبالذات حول آخرة يسوع.

إن المسيحية منذ نشأتها تثبت إيمانها بموت المسيح وقيامته من بين الأموات، وهذا ما أكّدته بشائر الإنجيل الأربع وقد تبنّت الأجيال المسيحية المتعاقبة هذه الحقيقة الجوهرية الدامغة برغم اختلافاتها الكثيرة، حتى أصبح الصليب رمزاً للمسيحية عبر التاريخ كله.

ثم إن ما تقوله المسيحية بصدد آخرة يسوع، تؤكده المصادر التاريخية، اليهودية منها والوثنية: فالتلمود يحمل على يسوع وأمه ويطلق عليهما أقذر النعوت بحقدٍ لا يرحم إذ يصف أنه كان عقاباً إلهيّاً تارة بالشنق وتارة بالرجم.

أما المصادر الوثنية فإنها على ندرتها كانت حاسمة في شهاداتها. فالمؤرخ تاكيتوس والمؤرخ سوتيونوس والوالي بلينوس الأصغر وجميعهم من القرن المسيحي الأول يؤكدون هذه الحقيقة التاريخية، فقد جاء في كتاب الحوليات لتاكيتوس قوله، في معرض حديثه عن حرق رومة في عهد نيرون:

«إنهم دُعوا مسيحيين نسبة إلى المسيح الذي حكم عليه بيلاطس البنطي بالموت على عهد طيباريوس، وقد انتشرت هذه البدعة الخبيثة انتشاراً غريباً ليس في اليهودية حيث نشأت وحسب، بل في روما بالذات أيضاً».

بينما أكّد برنابا المزعوم في إنجيله أن يسوع لم يمت إنما رفعته الملائكة إلى السماء والذي صلب هو يهوذا الاسخريوطي الذي جاء بالجند ليسلمه إليهم لقاء فضة، فحكم الله عليه وحوّله إلى شبه بديل ليسوع، فقبض الجند عليه وحوكم وصُلب بدلاً من يسوع (الفصول 210ــ221).

«فأخذ يهوذا وحوكم وصُلب بدلاً من يسوع… أما التلاميذ الذين لم يخافوا الله، فذهبوا ليلاً وسرقوا جسد يهوذا وأشاعوا أن يسوع قام…

«وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع، أحد أهالي مدينتهم، قام بعد أن مات على الصليب فضرع الذي يكتب (أي برنابا) إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء، لأن ابنها قام. فلما سمعت العذراء مريم هذا قالت باكية: لنذهب إلى أورشليم ننشد ابني، فإني إذا رأيته، مت قريرة العين.

وصعد الملائكة الذين كانوا حرّاساً على مريم إلى السماء الثالثة حيث كان يسوع في صحبة الملائكة، وقصوا عليه كل شيء. لذلك ضرع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه فأمر حينئذ الرحمان ملائكته الأربعة المقربين وهم جبريل وروفائيل وأوريل وميخائيل أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه فجاء يسوع محفوفاً بالسناء إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم والرسل… فخرّوا من الهلع كأنهم أموات فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلاً: لا تخافوا إني أنا يسوع. لا تبكوا، فإني حي، لا ميت… ثم أجاب يسوع معانقاً أمه: «صدقيني يا أماه، لأني أقول لك: بالحق لم أمت قط. لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم…».

ثم التفت إلى برنابا وأمره بأن يكتب إنجيله حتماً ويروي ما حلّ بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين…

العقيدة المسيحية بين «إنجيل برنابا» والتاريخ

يدعي «برنابا المزعوم» أن كتابه وحده هو الإنجيل الصحيح والتاريخ يؤكد بلسان جميع المسيحيين منذ فجر تاريخ المسيحية أن إنجيل يسوع هو ببشاراته الأربع كما كتبها تلاميذه متى ومرقس ولوقا ويوحنا.

إن إنجيل برنابا لم يذكره التاريخ قبل 1709، فهل يُعقل أن يخفيه المسيحيون طيلة ستة عشر قرناً؟ مَن الذي يؤكد ادعاء برنابا بأنه أعظم الرسل وأن يسوع أمره ــ كما مر معنا ــ بتصحيح أخطائهم كما أمره بأن يبشر العالم برسالته الخالية من كل تحريف؟

مَن هو برنابا والحالة هذه؟ ما علاقته بيسوع وبالرسل؟

إن سفر أعمال الرسل يخبرنا عن تلميذ لا رسول يدعى برنابا ظهر بعد ارتفاع يسوع إلى السماء وبعد انتشار المسيحية بين صفوف اليهود والوثنيين في فلسطين وخارجها، وبرنابا هذا (ابن العزاء) هو لقب ليهودي لاوي قبرصي اسمه يوسف أصبح مساعداً للرسل في خدمة الشعب والتبشير بالإنجيل وكان أول مَن تجرّأ على الاجتماع ببولس المضطهد السابق إثر عودته من دمشق إلى القدس (أعمال9: 26ــ28). ومن ثم كتب لبرنابا أن يكون ملازماً له في تبشيره. وقد كان لوقا، تلميذ بولس خير شاهد على اعتناق برنابا المسيحية أولاً وعلى تلمذته لبولس وعلاقته بالرسل، وقد دوّن ذلك في سفر الأعمال.

إن لوقا لم يتورع عن ذكر الخلاف الذي نشب بينه وبين صديقه بولس بسبب انحيازه إلى ابن أخته مرقس.

«فأخذ برنابا مرقس وأقلع إلى قبرص، أما بولس فاختار سيلا وخرج من أنطاكية بعدما استودع الأخوة نعمة الله فاجتاز سورية وكيليكية يقوّي إيمان الكنائس» (أع15: 36ــ41). فهل تصدق شاهد عيان اسمه لوقا أتت شهادته منسجمة مع المسيحية؟ أم شاهد زور جاءت شهادته على طرفي نقيض مع المسيحية؟

إن إنجيل برنابا يكفر الذين ادعوا بأن يسوع هو ابن الله وفي مقدمتهم بولس الرسول. وهنا لا بد من المجاهرة بأن اليهود وكان منهم غالبية المسيحيين الأولين آمنوا بألوهية يسوع مكرهين لأنهم لم يستطيعوا إلا الاعتراف الكامل بكل ما عاينوا سيما وانهم اضطهدوا وشردوا واستشهدوا.

إن تحميل بولس الرسول مسؤولية تأليه يسوع يناقضه أن المذكور شهد رجم استفانوس أول الشهداء لأنه متعصب ليهوديته وقد قاد حملة إلى دمشق للقضاء على مسيحييها. إنه هنا على مشارف هذه المدينة الخالدة المقدسة دمشق أبصر نور الإله يسوع. انه لم يفرضه إلهاً كما ادعى برنابا المزعوم لا بل بشرٌ وتعذب وكان رسولاً للجهاد الأمين واستشهد شهادة حية لألوهية الرب.

برنابا وأرض المسيحية

يرتكب برنابا أخطاء فادحة لا تغتفر مما يدل على أنه يجهل أرض فلسطين جغرافياً وواقعها سياسياً ودينياً.

من ذلك إنه يضع الناصرة على شاطئ بحيرة طبريا في حين أنها تبعد عنها 20 كم وترتفع عنها 600 م. وهو يصف مدينة كفر ناحوم بأنها مبنية على جبل، في حين أنها تقع على شاطئ بحيرة طبريا، وهو يحدد موقع مدينة صور على ضفاف نهر الأردن بينما هي مرفأ لبناني يبعد أكثر من 200 كم عن مصب نهر الأردن.

كما أنه يجعل من أورشليم القدس مرفأ حيث يردد مراراً «وركب يسوع السفينة ومضى إلى أورشليم» في حين أن أورشليم جبلية ترتفع 500 م عن سطح البحر وتبعد سواء عن البحر المتوسط أو الميت أو بحيرة طبرية عشرات الكيلومترات.

أما على الصعيد السياسي فيقول برنابا أن حاكم فلسطين حين مولد يسوع كان بيلاطس البنطي بينما يؤكد التاريخ أنه كان حاكماً إبان محاكمة يسوع وهو من حكم عليه بالصلب.

وبالنسبة إلى الحياة الدينية يقول برنابا أن حنّان وقيافا كانا رئيسي الكهنة إبان ميلاد يسوع والتاريخ يثبت أنهما كانا في الحكم على يسوع بالموت.

يقول برنابا ان كلاً من رئيس الكهنة وهيرودس وبيلاطس كان يرأس جيشاً مؤلفاً من 250.000 مقاتل وأن حرباً أهلية كادت تقع بين هذه الجيوش لاختلافها على الإيمان بألوهية يسوع أو الكفر بها. أما التاريخ فيروي أن عدد سكان كل فلسطين وقتئذ ما كان ليتجاوز المليون وأن رئيس الكهنة ما كان ليحكم على أي جندي كما أن هيرودس لم يكن ليتمتع بأي سلطة عسكرية، وأن الجيش الروماني كله المرابط في فلسطين لم يتجاوز الـ 6000 مقاتل، إلا في حرب السبعين حينما دمر القدس والهيكل قمعاً لثورة اليهود.

يذكر برنابا أن الجنود الرومانيين كانوا يجتمعون إلى يسوع في الهيكل وكانوا أول من صدّقه ونادى به إلهاً إلا أنه وفي الحقيقة كان يحظر على الوثنيين دخول الهيكل وإلا تعرّض المخالف للموت الفوري كما كاد يحدث لبولس ورفقائه اليونانيين المتنصرين (أع ف21: 27ــ36).

قال برنابا: إن يسوع كان يعلم الجماهير وهو واقف على جناح الهيكل بينما يؤكد التاريخ وعلم الآثار أن هذا الجناح كان يعلو 200 م عن أرض قدرون ولا يزال الجدار ذاته قائماً إلى اليوم.

أورد إنجيل برنابا على لسان يسوع أبحاثاً فلسفية في الجسد والحس والنفس والخطيئة والشر والقضاء والقدر وهي بعيدة عن روح الإنجيل ولم تثر إلا في القرون الوسطى.

إن إنجيل برنابا وعلى لسان يسوع ينفي ألوهيّته ويستنكر القول بها. أما التاريخ فيعلن بكل يقين ووضوح أن المسيحيين آمنوا بيسوع المسيح إلهاً منذ اللحظة الأولى لا لأنهم هم ألّهوه أو انقادوا لبولس بل لأنه وهو الإنسان فرض عليهم الإيمان به إلهاً بكل ما عاينوه وسمعوه.

أخيراً مَن هو برنابا هذا المسمي نفسه تلميذ يسوع الناصري والمتصدي لتنفيذ أمره بتبليغ الناس «الإنجيل الصحيح ليسوع المدعو المسيح»؟

بعض الباحثين يقولون انه قد يكون مسلماً أندلسياً أرغم على انتحال المسيحية في جملة مَن أُرغم على ذلك بعد سقوط غرناطة في أيدي الأسبان عام 1491 وأراد الثأر لحريته ودينه فوضعه.

وبعض آخر يرجح بأنه راهب إيطالي يُدعى مارينو اعتنق الإسلام فحاول تبرير ما فعله وطلع على الدنيا بما يظنه توفيقاً بين القرآن ومسيحية خالية من التحريف.

ومن الباحثين مَن يقول إنّه يهودي سعى إلى ضرب الدينين الكبيرين: «المسيحية والإسلام» الواحد بالآخر انتقاماً لبعض ما نزل من اضطهاد بجماعته من قبل محاكم التفتيش المعاصرة.

تاريخ ظهور «إنجيل برنابا»

ظهر عام 1709، إلا أن هناك دلائل كثيرة تشير إلى أنه وضع في القرون الوسطى بسبب ما حمل من أفكار راجت فيها وفي أوائل عصر النهضة. من ذلك نظريته في النفس والحس، وتقسيمه النفس إلى حسية ونباتية وعقلية وكذلك نظريته في التغذية في ملكوت السماوات، وتقسيمه الجحيم إلى سبع دركات، أعد كل منها لإحدى الخطايا الرئيسية السبع، إذ يقول «اعلموا أن الجحيم هي واحدة، ومع ذلك فإن لها سبع دركات فكما أن للخطيئة سبعة أنواع، إذ أنشأها الشيطان نظير سبعة أبواب للجحيم كذلك يوجد فيها سبعة أنواع من العذاب». وهذه فكرة لم تثر في المسيحية قبل القرن 14.

ولا نغفل إشارات دعاوات ومفاهيم ومناسبات وردت في هذا الكتاب هي من صميم القرون الوسطى «إن سنة اليوبيل التي تجيء الآن مرة كل مئة سنة»، ومن المعروف أن اليوبيل اليهودي كان يحدث مرّة كل خمسين سنة ولا ذكر في التاريخ ليوبيل يقع كل مائة سنة إلا في الكنيسة الرومانية. وكان أول مَن احتفل به البابا يونيفاسيوس الثامن سنة 1300، وثمة برهان يشير إلى أنه وليد القرون الوسطى، وهو تقسيمه إلى فصول. من الثابت ان الكتاب المقدس لم يقسم إلى فصول إلا سنة 1226 بمبادرة من العالم الإنكليزي «ايتين لانغدون» Etienne Lancdon.

وثمة برهانان في نوع الخط ونوع الحبر لا يجوز إغفالهما:

فنوع الخط الإيطالي المعتمد في المخطوط الإيطالي هو في تقدير الأخصائيين، لم يعرف قبل القرن السادس عشر
أما نوع الحبر فلم يعرف قبل النصف الثاني من هذا القرن.

ويذهب مترجمه الدكتور خليل سعادة إلى أن أصل هذا الكتاب عربي إذ أن كثيراً من فقراته يكاد يكون ترجمة حرفية أو معنوية لآيات قرآنية ولأحاديث نبوية ولأساطير علمية لم يكن يعرفها حينئذ غير العرب إضافة إلى طراز تجليد النسخة الإيطالية الذي هو طراز عربي بلا مراء.

الخاتمة

يطلع في كل يوم حدث جديد يمس أسرار الوجود الإنساني، فيثير الاهتمام ويدفع المطلع للوقوف على أمره ليتبين أبعاده ومراميه ومسبباته ومدى علاقته بإنسانية الإنسان وبكرامته وبقضيته ومعتقده.

إن تعريب هذا الكتاب وطبعه ثم إعادة طبعه مجدداً لهو من هذه الأحداث الجسام، لا سيما وأن فيضاً من التحليل والكلام قد واكبه. وقد تنفس الكثيرون الصعداء حيث استقر في مخيلاتهم بأنه الإنجيل الصحيح والأوحد وأن التدبير الإلهي أظهره ليفنّد عقيدة محرفة مضى عليها تسعة عشر قرناً.

وفي مجتمع متعدد الانتماءات كمجتمعنا العربي يتعرض المرء كثيراً لمواقف كهذه، وهذا بالتحديد ما حصل معي منذ أن كنت في المدارس الثانوية الرسمية وكان الكثير من محاوري يعتدّون بأن يعلنوا أن هذا الكتاب هو الصحيح وبأن إنجيلنا الحقيقي ببشاراته الأربع محرَّفٌ. ويكفي أن يكون أربعة أشخاص قد كتبوه ليكون محرفاً. ومنذ ذلك التاريخ آليت على نفسي أن أطلع على ما كتبه حوله جهابذة أعلام في الكتاب المقدس واللاهوت من باب حب الاطلاع لا حباً بالحوار، خاصة وأن الحوار عند بعض مَن يتمسك بما يعتقد يكاد أن يكون عسيراً. ولكني بعد أن أصبحت كهلاً وجدتُ في نفسي شوقاً إلى كتابة هذا البحث مدفوعاً بأمرين اثنين: إيماني بمسيحيتي بلا حدود، وهوايتي للتاريخ. لذا أرجو غض الطرف عن كل هنة وردت فيه هنا أو هناك.

أعجبتني فقرة أوردها الصديق الأب الياس زحلاوي، وهو أحد هؤلاء الأعلام في كتيبه «حول الإنجيل وإنجيل برنابا» حيث يقول: «يوم ظهر إنجيل برنابا في ترجمته العربية سنة 1908 ظنّ بعضهم فيه خيراً كبيراً… وخشي بعضهم شره وما كانوا ليدروا حقيقته! والواقع أنه لا هو خدم الإسلام ولا هو هدم المسيحية… نحن نرى أن نبذ «إنجيل برنابا» يخدم الإسلام بالذات فهو ينقض القرآن ويورد ما لا صحة لسنده من القصة في المعتقد الإسلامي.

أما أنه لم يهدم المسيحية فليس أدل على ذلك من أن الهدف الأبعد من وضع الكتاب واضح وهو يبرز من خلال كل سطر فيه ولكنه من حيث تأثيره أشبه شيء بصوت الطبل. يظنه الجاهل شيئاً وهو ليس بشيء».

ونحن نؤيد ذلك فلا الراهب فرامرينو (إن كان هو قد كتبه أو سواه) ولا عبد الأحد داود الذي ماثلت قصته قصة فرامرينو، وكان كاهناً كاثوليكياً في أواخر القرن الماضي اسمه بنيامين اعتنق الإسلام بعدما زار شيخ الإسلام في اسطنبول ووضع كتابه «محمد في الكتاب المقدس» الذي يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن إنجيل برنابا استطاع أن يهدم المسيحية فكان «تأثيره كصوت الطبل».

من كل ما تقدّم يتضح للقارئ الكريم زيف «إنجيل برنابا» وبطلانه بطلاناً مطلقاً. وهكذا لم تتحقق رغبة الكاتب بأن يجعل من مؤلَفه انجيلاً واحداً يقوّض به أركان المسيحية الحقة.

ها قد مضى عشرون قرناً على حياة المسيحية وهي تتعرّض لمحاولات التهديم والتهويد: بلغ عدد الدكاكين المتهودة في أميركا لوحدها خمسمئة دكان، وقام العديدون من حملة الشهادات العليا في أوروبا وأميركا باستغلال وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي لإظهار بطلان الدعوة المسيحية بشتى الوسائل. وبدافع من الصهيونية العالمية، قالوا بتحريف الانجيل، وحاولوا التشكيك بصحة مسيحانيّة يسوع، ورفضوا أن يكون قد صُلب أو قام من بين الأموات… استبدلوا الانجيل المقدس بالتوراة ووزعوها على كل الغرف في فنادق أميركا… لم يتركوا باباً إلا طرقوه ولم يجدوا مناسبة إلا استغلّوها لتقويض المسيحية… جنّدوا ما جنّدوا، ووظّفوا ما وظّفوا، وبذلوا ما بذلوا للنيل من المسيحية، لكنّهم لم يتمكنوا ولن يتمكنوا من النيل منها. مرّات ومرّات حاربتنا الصهيونية العالميّة ونكّلت بنا: من إشقاء مليون اشوري عراقي في القرن التاسع عشر، إلى تهجير مسيحيي كيليكيا وأرمن وسريان تركيا وديار بكر ومن بعدهم أرثوذكسيّي إنطاكية عام 1939، إلى محاولة نقل مسيحيي لبنان إلى أميركا عام 1975، إلى ما نشهده اليوم من الامعان في محاربتنا بتشجيع شهود يهوه والمعمدانيين والمتجدّدين والسبتيّين والمورمون وعبدة الشيطان وأمثالهم، حيث تشكّل في لبنان مؤخراً ما يزيد على المئة والخمسين مذهباً مع عدد كبير من محافل الشيطان التي تنادي ــ فيما تنادي ــ بحق اليهود في بناء هيكل سليمان…

والمطلوب من المسيحية العربية وسواها أن تتابع الشهادة للرب يسوع في مهده ولحده، وأن تبقى ــ رغماً عن جميع المحاولات ــ الشاهد الأمين والحامي الغيور لكنيسة الرب يسوع التي لن تتزعزع.

أضف تعليقاً